قبل نحو أسبوع واحد فقط من الاستفتاء المزمع عقده في 23 يونيو (حزيران) الحالي في المملكة المتحدة لتحديد المصير، بين البقاء عضوا في الاتحاد الأوروبي أو الانفصال عنه، بما يحمله كل منهما من منافع ومضار، يبدو القطاع العقاري البريطاني أحد أكثر القطاعات الاقتصادية تحسبا وقلقا لتبعات القرار، خصوصا أنه يشهد فترة ركود كبير وترقب منذ مطلع الشهر الحالي.
وأسباب القلق تعود أغلبها بالطبع إلى شق «الانفصال»، وإن كان البقاء في الاتحاد الأوروبي له أيضًا انعكاسات سلبية على السوق العقاري في رأي عدد غير هين من السياسيين والاقتصاديين والمختصين، الذين يرون أن «جزءا من مشكلة الفقاعة العقارية البريطانية، وسوقها الذي خرج في أجزاء كثيرة وهامة منه عن نطاق سيطرة الطبقة الوسطى إلى حد بعيد، إنما ترجع إلى أن بريطانيا عضو بالاتحاد الأوروبي، بما يحمله ذلك من تيسيرات وتسهيلات لأثرياء العالم من جهة، مما جعل عملية المزايدة تخرج عن نطاق العقل في كثير من الأحيان.. مع مزاحمة مواطني أوروبا لأهل بريطانيا في المساحات المحدودة للتطوير العقاري من جهة أخرى، مما أسفر عن موجة غلاء فاحشة».
وبحسب استطلاع لـ«الشرق الأوسط» أجرته بين عدد من المختصين، فإن استمرار تلك العوامل على حالها سيؤدي في نقطة قريبة إلى «انفجار الفقاعة العقارية في بريطانيا»، ويحذر البعض من أن نتيجة الاستفتاء إذا كانت في مصلحة البقاء، فإن ذلك «سيضيف عوامل ضغط جديدة على الأسواق المالية، وبينها العقارية، نتيجة الانتشاء بالانتصار من جانب معسكر البقاء، وضخ مزيد من الاستثمارات على المستوى القصير.. وهي عوامل رغم أنها إيجابية اقتصاديا، إلا أنها ستضيف مزيدا من الحمل على القطاع الذي يعاني من عدم التناسب والمبالغة الشديدة، مما يهدد بانفجاره».
لكن عوامل القلق على الجانب الآخر أكبر وأخطر، إذ تكمن أغلبها في احتماليات قوية لانهيار تام للسوق العقارية، سواء بشكل مباشر نتيجة موجة بيع وتصفية أعمال قوية وعمليات بيع عشوائية، أو بشكل غير مباشر نتيجة انسحاب الاستثمارات ورؤوس الأموال وضعف عوامل الجذب.
وتشير أعداد متزايدة من التقارير المتخصصة في الفترة الأخيرة إلى أن انهيارا محتملاً يهدد قطاع العقارات البريطاني الذي يستقطب أعدادًا كبيرة من المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك كبار المستثمرين الخليجيين.
ومنذ مطلع الشهر الحالي، أوضحت مؤشرات كثيرة تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية الجديدة على وجه العموم، والخليجية منها على وجه الخصوص بشكل كبير، وإحجام واسع عن ضخ المزيد من الاستثمارات في العقارات البريطانية، وذلك خشية هبوط الأسعار وانهيارها في حال قرر البريطانيون الانفصال عن الأوروبي.
وينتظر المستثمرون ما سيذهب إليه البريطانيون الأسبوع المقبل حتى يقرروا طريقة الشراء والسعر العادل. ويعتبر القطاع العقاري في بريطانيا واحدًا من أهم القطاعات الجاذبة للمستثمرين الأجانب من مختلف أنحاء العالم، خصوصا في أعقاب تماسك أسعار العقارات خلال الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت أواخر العام 2008، وخلال أزمة الديون السيادية الأوروبية التي نشبت في أواخر العام 2010.
ويعد المستثمرون الخليجيون الأهم بالنسبة لقطاع العقارات في بريطانيا، حيث تمتلك صناديق استثمار سيادية، ومحافظ استثمارية كبرى، أضخم العقارات وأغلاها ثمنًا في وسط العاصمة البريطانية لندن، في الوقت الذي يتحدث فيه كثير من المصادر في السوق عن قلق في أوساط المستثمرين الخليجيين من انهيار في الأسعار في حال خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وأظهر تقرير صادر عن شركة «نايت فرانك» العقارية أن أسعار العقارات في المناطق الساخنة بوسط لندن، التي تعتبر وجهة للمستثمرين الخليجيين، هبطت خلال عام واحد بنسب تتراوح بين 3.5 إلى 7.5 في المائة، مشيرًا إلى أن مناطق مثل «نايتسبريدج» و«ساوث كينزينغتون» و«تشيلسي» هي الأكثر تأثرًا، وهي المناطق الأغلى في لندن على الإطلاق، وقد تتضمن أغلى الأسعار على مستوى القارة الأوروبية بأكملها.
ويتخوف المستثمرون بشكل عام من انهيار السوق العقارية البريطانية في حال قررت الانفصال عن الأوروبي نتيجة عوامل متعددة، إذ إن انفصال بريطانيا عن الاتحاد سيسفر غالبا عن «متوالية اقتصادية هبوطية»، تبدأ من انخفاض سعر الإسترليني مقابل الدولار واليورو بما يقدر بنحو 20 في المائة من قيمته، وعمليات البيع العشوائي التي تصاحب حالات ارتباك الأسواق، إلى جانب سحب استثمارات كبرى من لندن التي تعد أحد أهم العواصم المالية في غرب الكرة الأرضية، خصوصا لأوروبا، وما يتبع ذلك من انتقال للعمالة وأصحاب الأموال من بريطانيا إلى مدن أخرى أوروبية.
فإذا ما وضع في الاعتبار أن غالبية مساكن وعقارات مدينة على غرار العاصمة لندن مسعرة بأعلى كثيرا من قيمتها التقديرية، نتيجة الفقاعة العقارية وزيادة الطلب عن المعروض، فإن انقلاب المعادلة، ووفرة المعروض بصورة فجائية مع نقص الطلب، إضافة إلى استعداد البائع للتفاوض بصورة أكبر من أجل تحقيق أقل خسائر ممكنة، كلها عوامل تؤدي إلى عنق زجاجة من شأنه أن يسفر عن انهيار السوق العقارية في حال لم تحسن أطراف كثيرة إدارة الأزمة.
وخلال وجوده في اليابان على هامش لقاء وزراء مالية الدول السبع الكبرى، في منتصف شهر مايو (أيار) الماضي، أعلن وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن عن تخوفه من أن أسعار المساكن في بريطانيا ستهبط إلى ما بين 10 إلى 18 في المائة إذا ما صوت البريطانيون لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
وكانت قضية الانفصال أحد أهم القضايا التي استحوذت على اهتمام «السبع الكبار» خلال جلساتهم، التي انتهت بإجماعهم على ضرورة تفادي حدوثها نظرا للآثار السلبية التي ستترتب عليها لكل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وربما العالم أجمع.
وقال أوزبورن لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن مغادرة بريطانيا للاتحاد ستحدث أيضًا اضطرابا في الأسواق المالية، وستدفع أسعار فائدة القروض العقارية للارتفاع، وستلحق ضررا بالبريطانيين الذين يحاولون شراء مسكن.
ويرى فريق الداعين إلى البقاء، الذي يتزعمه رئيس الوزراء البريطاني جيمس كاميرون، ويقود هجومه أوزبورن، أن الانفصال سيؤدي إلى انسحاب إجباري لرؤوس الأموال، ومن بينها تلك المتعلقة بالأصول العقارية، مما يمكن أن يؤدي إلى انهيار بالسوق.
فيما يقول الفريق الداعي للانفصال، ويقوده عمدة لندن السابق بوريس جونسون، إن تلك المتوالية ستؤدي إلى تحسن السوق العقاري، نظرا لانتهاء «الفقاعة العقارية» غير المبررة في بريطانيا ولندن على وجه الخصوص، التي جعلت الأسعار أغلى بمرات مضاعفة عن التقييمات الحقيقية نتيجة لنقص المعروض عن المطلوب، والمزايدات من قبل الأثرياء الأجانب، التي جعلت من أهالي لندن الطبيعيون «خارج المنافسة».
8:50 دقيقه
اضطراب عقاري في بريطانيا قبل «تحديد المصير»
https://aawsat.com/home/article/665331/%D8%A7%D8%B6%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D8%B9%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%82%D8%A8%D9%84-%C2%AB%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1%C2%BB
اضطراب عقاري في بريطانيا قبل «تحديد المصير»
السوق بين «الانفجار» أو «الانهيار»
السوق العقارية البريطانية تعاني من ركود وتوتر قبيل إجراء استفتاء الانفصال عن أوروبا (رويترز)
- القاهرة: أحمد الغمراوي
- القاهرة: أحمد الغمراوي
اضطراب عقاري في بريطانيا قبل «تحديد المصير»
السوق العقارية البريطانية تعاني من ركود وتوتر قبيل إجراء استفتاء الانفصال عن أوروبا (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
