يلفت الأنظار في الآونة الأخيرة التي تتصاعد فيها ظاهرة الأصولية اليمينية الأوروبية، متجلّية في مظاهر وظواهر ما يعرف بـ«الإسلاموفوبيا» (الخوف من الإسلام، ومن ثم معاداته)، وجود أصوات أوروبية عقلانية وموضوعية تسعى لتبديد ظلام الكراهية، ومحاربة التطرف الفكري والآيديولوجي، في بعض الدول الأوروبية ذات الوزن الفكري والمادي الكبيرين.
خذ على سبيل المثال ألمانيا وما يجري فيها، فقد تجاوزت صور مظاهرات حركة «بيغيدا» العنصرية المعادية للإسلام ألمانيا، لتبلغ أرجاء مختلفة من العالم، إلا أن أصواتا كثيرة ارتفعت منددة بهذه الحركة، منها صوت ستيفان فايدنر، الكاتب الألماني المتخصص في الأدب العربي ـ الألماني، الذي يقدم في الكتاب الصادر عن «منتدى العلاقات العربية والدولية» تحت عنوان «خطاب ضد الإسلاموفوبيا في ألمانيا والغرب: مناهضة بيغيدا»، ومن ترجمة رشيد بوطيّب، تحليلا فاضحا لحركة «بيغيدا» وللآيديولوجيا التي تقف وراءها؛ لأنها الآيديولوجية العنصرية نفسها التي نجدها في بلدان غربية أخرى.
يمضي ستيفان فايدنر في كتابه «مناهضة بيغيدا» على خطى إدوارد سعيد في تفكيكه الثقافة الغربية للكشف عن أن العداء للإسلام كان في كل مكان وليس فقط عند متظاهري «بيغيدا» العنصريين. وفي مقدمة كتابه يقودنا فايدنر إلى حقيقة تاريخية هي أن العداء للإسلام أو ما يسمى «الإسلاموفوبيا» في أوروبا ليس بالظاهرة الجديدة؛ فبإمكاننا تتبّع جذورها إلى القرون الوسطى، حتى زمن الحروب الصليبية، لكن نوع العداء للإسلام الذي نواجهه اليوم في أوروبا، هو ظاهرة جديدة نسبيا، خصوصا في ألمانيا.
والشاهد أنه منذ الوحدة الألمانية - فحسب - عام 1989، ونهاية الحرب الباردة سيتحوّل العداء للإسلام إلى مشكلة حقيقية. نعم، كانت هناك عنصرية وعداء للأجانب في ألمانيا قبل ذلك الوقت، كما هو الواقع الحالي في بلدان عدة، لكن لم يشهد ذلك التمييز بين مهاجرين مسلمين ومهاجرين غير مسلمين، آتين من جنوب أو شرق أوروبا. ومع أن أغلب العمال المهاجرين أتوا من تركيا كان يُنظر إليهم في البداية بصفتهم مهاجرين فقط لا بصفتهم مسلمين.
يؤكد الكاتب حقيقة أنه بينما امتد النقاش السياسي إلى فرنسا وبريطانيا مع الإسلام إلى الحقبة الاستعمارية، فإنه لم يبدأ في ألمانيا إلا مع نهاية الحرب الباردة، واكتشاف الألمان الحقيقة التي طالما كبتوها، وهي «أن غالبية المسلمين - وخصوصا الأتراك منهم، الذين حضروا إلى ألمانيا - لن يعودوا من حيث أتوا، بعكس ما كان منتظرا منهم، بل بقوا هنا وسيبقون».
ولعل المفارقة التي تتضح من سطور مقدمة الكتاب تشير إلى أن ألمانيا، على غفلة منها وبخلاف ما أرادته ثقيلة على كثيرين من السياسيين الألمان، وخصوصا المحافظين منهم. فهؤلاء لا يفهمون ألمانيا إلا كعهدها في السابق، بلدا منسجما دينيا وعرقيا، أي مسيحيا أبيض، وإن كانت تلك النظرة ستتغير لاحقا، حتى داخل الأوساط السياسية المحافظة؛ إذ كان الرئيس الألماني السابق كريستيان فولف، الذي ينتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، هو من نطق بالحملة الشهيرة عام 2010 «الإسلام ينتمي إلى ألمانيا».
ظهر العداء للإسلام واضحًا في اسم حركة «بيغيدا» PEGIDA نفسها، هو اختصار لاسم أطول هو «الوطنيون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب». والثابت أنه إذا كان البعض يرى أن نشوء «بيغيدا» يرتبط فقط بأسباب ألمانية داخلية، فالواقع يشير إلى ما هو أبعد من ذلك، وما يرتبط بالأحداث التي تجري بها الأقدار على الساحة السياسية الدولية، وخصوصا في العالمين العربي والإسلامي. فلقد أسهمت الحروب الأهلية التي تعرفها بلدان مثل سوريا والعراق وليبيا، وما نتج من ذلك من حركات لجوء، وكذلك واقع أن ألمانيا لن تظل في منأى عن هذه الأحداث، في نشوء حركة «بيغيدا».
يطرح المؤلف علامة استفهام جوهرية في الفصل الأول من كتابه، هو هل ما يجري في ألمانيا محاولة لإسقاط مشاكل الألمان أنفسهم على الإسلام، ولا سيما أنه يبدو واضحا أن الإسلام غدا مجالا لإسقاطات من الرأي والمشاعر تقف خلفها أسباب مغايرة تماما؟
يفكك فايدنر الرؤى الألمانية، وربما الأوروبية، الساذجة للإسلام؛ ذلك أنه عند غالبية - إن لم يكن كل - منتقدي الإسلام كل مشاكل الدين والمؤمنين تُربط بالرسول (صلى الله عليه وسلّم) وبما يصفونه بـ«الأسس السيئة للإسلام» وفق تعليقاتهم العنصرية.
ومع ذلك يمكننا أن نفترض في هذا السياق أن هذه الرؤية تقوم على تصور ساذج للإسلام، ويتجاهل تنوعه وثراءه. والإشكالية الحقيقية التي يستنتجها القارئ من كلمات فايدنر هي أن أولئك الذين ينكرون التنوع في العالم الإسلامي، ينسبون إلى الإسلام قوة سحرية، وكأنه ليس إلا صيغة واحدة وفهما واحدا، ويغفلون عن ذلك التنوع الكبير. مثل هذا التفكير يختزل الواقع للعالم الإسلامي في صيغة بسيطة ويسمح لنفسه بإسقاط كل المشاكل الممكنة، أيا كان مصدرها، على الإسلام وربطها به. ولهذا السبب بالضبط يبدو هذا الفكر جذابا ومقنعا بشكل ظاهري.
أفضل ما يقدمه فايدنر في كتابه هذا هو مواجهة التعميمات بموضوعية، وبتحليل علمي وعقلاني في الوقت ذاته، ومحاولة فض الاشتباك الوهمي والمزعوم بين الإسلام والغرب. ويؤكد أن مواجهة ظاهرة الإرهاب التي يلصقها البعض بالإسلام بصفتها أزمة لا بد منها، ومصيرا قدريا مرتبطا به، تتطلب نهجا مختلفا تماما عن ذلك الذي سعى إلى تكوين «غيتوهات» للمهاجرين، وما صاحبه من ضعف في عملية اندماجهم.
وعليه، فإن المشكلتين معا - الإرهاب وفشل عملية الاندماج - ترتبطان بأسباب أخرى لا علاقة لها بالدين الإسلامي؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان كل المسلمين إرهابيين وعاجزين عن الاندماج. وبالطبع، فإن الإرهاب المتمسّح بالإسلام - شأن كل إرهاب آخر - مشكلة سياسية بالأساس، في حين أن فشل الاندماج مشكلة اجتماعية.
كالجرّاح الماهر يضع المؤلف يده على موضع المرض في أوروبا عامة، وألمانيا خاصة. وفي الفصل الثالث من كتابه يناقش الرجل إشكالية المصادر الفكرية لـ«بيغيدا» فيذهب إلى أن النقاش حول الإسلام «لا ينطلق من وسط المجتمع، من الأسس المشتركة التي يتقاسمها الجميع، بل من أقصى الهوامش. إنه نقاش يحكمه منطق (أما وإما) : (مع أو ضد)، تحاول عبره كل جهة أن تقنع برأيها تلك الفئة من المجتمع التي لا تأبه لهذه القضية أو التي لم تحسم موقفها بشأنها. وبالتالي، إن هذا الصراع المصطنع حول الإسلام، الذي يحركه الإعلام، سمم الفضاء الاجتماعي، وجعل موقفنا من المسلمين والأجانب عموما يتخذ صبغة سلبية».
ويظهر من خلال الأفكار الرائحة حول الإسلام في أوروبا، خارج العالم الإسلامي، أن «تعظيم الإسلام» غير حاضر إلا في أوساط محدودة جدا، وأن هذا التعظيم لا يملك حضورا في الفضاء العام، كما أن المنافحين عن الإسلام يظلون على هامش المجتمع، ومن أولئك المسلمون المواظبون على ممارسة طقوس دينهم.
حقيقة الأمر أن «الإسلاموفوبيا» لا ترتبط بأحداث بعينها؛ إذ يؤرّخ فريق من الكتاب والمحللين إلى أن أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، كانت المنشأ والمنطلق. غير أن هذا حديث تجافيه وتنافيه الدقة والحقيقة؛ إذ أهم الكتب التي يستند إليها نقّاد الإسلام، ظهرت قبل 11 سبتمبر، ومنها ما كتبته الكاتبة بات ياعور وما أخذ ينشر منذ عقد السبعينات من أبحاث شعبوية حول العلاقة بين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى. ثم هناك صامويل هنتينغتون وكتابه «صراع الحضارات» الذي ظهر في عام 1996، وكتب عالم الإسلاميات برنارد لويس، علاوة على ما كتبه حول قضية الاندماج الأكاديمي السوري بسام طيبي الذي كان يشغل منصب أستاذ كرسي للعلوم السياسية في جامعة غوتينغن الألمانية.
البحث المعمّق عن وضع الإسلام في أوروبا اليوم يقود فايدنر إلى القطع بأن المواقف الناقدة والمعادية للإسلام، التي تكمن خلفها آيديولوجية أو مصالح معينة، تلتقي برأي عام لا يستطيع أن يقدر مصدرها. كذلك، فهو مسكون بمشاعر عدائية تجاه هذا الدين. عداء نلمسه حتى في وسائل الإعلام الجادة. وغالبا ما تتخذ مشاعر العداء هذه - بحسب الكاتب – اتجاها مسيحيا محافظا، وتعتمد من أجل توصيف موقفها مصطلح «التنوير»، مدعية «تنورها» مقابل غياب «التنور» الآخر.
ثم يعطي المؤلف مثالا بالنظرة إلى الداعية والمفكر الإسلامي التركي فتح الله غولن، ويقول إن البعض ينظر إليه بوصفه «شوفينيا» إسلاميا خلف واجهة تنويرية، وعليه يخلص ذاك الفريق إلى أن «الإسلام في شكله الحالي دون أي نزعة إصلاحية، لا يملك حق الوجود بين ظهراني الغرب».
وبجري استقاء هذه الأقوال في الحقيقة من خزان القرون البائدة التي عرفت اصطلاحا بين المسيحية والإسلام، وهي تقوم على خطاب التنوير وصورة للإسلام جوهرانية، حتمية، تؤسس لها العلوم الإسلامية والإعلام المرتبط بالإسلام، والذي يعب أيضا من المعين نفسه.
ولهذا؛ فإن الصورة المنتشرة عن الإسلام في الغرب تعود إلى موقف دفاعي، وخوف لا عقلاني من غزو إسلامي للعالم، كما تقوم على مبالغة في تقدير التأثير الإسلامي ونسيان للسيطرة الغربية في ميادين السياسة والاقتصاد والعلوم، ثم إنها تقوم على توصيفات منتقصة من الإسلام، تدعمها تصورات نظرية بعيدة عن الواقع.
ومن ثم، ينبهنا فايدنر إلى أن الطريق أمام «بيغيدا» كان معبّدا، في واقع الحال؛ فهناك مفكرون وفلاسفة أوروبيون معاصرون عبّدوا الطريق لـ«بيغيدا» وأخواتها، مثل الكاتب الألماني هانس ماغنوس انسنبيرغر الذي اعتبر أحداث 11 سبتمبر «نزعة جمعية إلى الإضرار بالذات، إن لم تكن انتحارا جماعيا، وأي خوف يمكن أن يتسلل إلى عقول ونفوس الألمان من إرهابيين لا يمتلكون أهدافا عقلانية، ويمكن أن يعيشوا بين جنباتهم. وهناك كذلك الكاتب الألماني أودو أولفكوته، الذي قال عن نفسه إنه «يعرف كل نقاط الضعف وكل الرغبات التي تسكن الإسلامويين المقيمين في ألمانيا»، ولاحقا سيضحى خطيبا مهما في جماهير «بيغيدا». وفي كل الأحوال فإن أولفكوته يمثل الفكر الذي خرجت منه «بيغيدا» ويؤكد تجذر أفكارها في قلب المجتمع الألماني، كما لم يفعل أحد من قبل.
كذلك يبقي راف جيوردانو (1923 ـ 2014) اليهودي الناجي من «الهولوكوست» (المحرقة النازية) من تلك الأصوات، فهو يعتقد أن المساجد في ألمانيا علامة تدل على هوية معادية للاندماج، وأن «ادعاء المتحدث باسم المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا بإمكانية التوفيق بين الشريعة الإسلامية والديمقراطية مجرد نفاق». ومن ثم يقول إن مثل هذا المتحدث «يجب طرده بسرعة من البلاد..».
تستحث سطور كتاب فايدنر العقليات العربية والإسلامية، ولا سيما تلك التي تنتمي للصفوة الفكرية للتفكير في المشهد الإسلامي في أوروبا، والعمل على التعاطي معه بإدراك عقلي وفكري متقدّم.
إن الأفكار التي تروّج لها «بيغيدا» ليست خاصة بها، بل هي منتشرة وعلى مستويات متعددة في قطاعات واسعة من الشعب الألماني، في الإعلام والسياسة، وأوساط المثقفين، وذلك قبل ظهور الحركة العنصرية إلى الوجود..... هنا يحق للمرء التساؤل أين كان العالمان العربي والإسلامي بمفكريهما وأكاديمييهما وجامعاتهما وكتّابهما؟ ولماذا الانتظار في صف الدفاع عوضا عن أن نكون في طلائع المجددين الشارحين، المفسرين، المنافحين والمدافعين عن كل ما هو إيجابي وتنويري، إيماني وعقلاني، تنويري وموضوعي، في صلب الإسلام، وهو ما يتفهمه الآخرون، ويعكس حال الصورة المغايرة المنتشرة في الأجواء والأرجاء منذ أزمنة بعيدة؟
خلاصة كتاب ستيفان فايدنر، هي من يرد أن يقف بجدية ضد «بيغيدا» فعليه أن يقف ضد الآيديولوجيا التي تقف وراءها، تلك الآيديولوجية لا تختلف عن شبيهاتها التي نعرفها في بلدان أخرى، والتي وصفها إدوارد سعيد في كتابه في «الاستشراق».
علينا أن نحلل الحجج التي تقوم عليها هذه الآيديولوجية، التي ما زالت قائمة إلى يومنا هذا، ونحاول تفنيدها، ونقد الصورة المشوهة السائدة عن الإسلام في النظام العالمي النيو - ليبرالي كما في العالم الإسلامي، حيث تطوّر الإسلام الراديكالي نقيضًا للغرب والحضارة الغربية، كما هو الحال لدى «داعش».
ستيفان فايدنر يكتب ضد «بيغيدا»
خطاب ضد «أصولية الإسلاموفوبيا» المنتشر في ألمانيا وعموم الغرب
غلاف كتاب فايدنر
ستيفان فايدنر يكتب ضد «بيغيدا»
غلاف كتاب فايدنر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
