الشركات الناشئة .. أهداف للقراصنة الصينيين

يستخدمون المكاتب الخلفية لشن هجمات إلكترونية

الأدوات المستخدمة من قبل عائلة كايت في متجر لحام في بيلفيل بولاية ويسكونسن
الأدوات المستخدمة من قبل عائلة كايت في متجر لحام في بيلفيل بولاية ويسكونسن
TT

الشركات الناشئة .. أهداف للقراصنة الصينيين

الأدوات المستخدمة من قبل عائلة كايت في متجر لحام في بيلفيل بولاية ويسكونسن
الأدوات المستخدمة من قبل عائلة كايت في متجر لحام في بيلفيل بولاية ويسكونسن

تحرك بسيارتك عبر مزارع الألبان، وحقول الذرة، ومراعي الخيول، وسوف تصل في نهاية المطاف إلى شركة كايت للماكينات واللحام، وهي شركة صغيرة في بلدة صغيرة تديرها جين ولوري كايت وأبناؤهما. وعبر 46 عاما، عملت عائلة كايت على لحام الكثير من الأشياء، مثل صهاريج الأسمدة، وأجزاء من الطائرات النفاثة، وقوالب الجبن، وحتى النظارات المكسورة لأحد المزارعين.
وعلى غرار الكثير من الشركات الصغيرة، لديهم جهاز كومبيوتر قديم يعلوه الغبار ويستقر على طاولة قديمة في المكتب الخلفي من الشركة. وعلى هذا الحاسوب المتهالك، برغم كل شيء، كانت هناك معركة تجسس غير اعتيادية تدور رحاها: فلقد تمكن القراصنة الصينيون من اختراق جهاز الكومبيوتر القديم لتلك الشركة.
ولقد استخدم القراصنة الحاسوب في التخطيط لشن هجمات أخرى. ولكن لم يكونوا يعلمون، أن إحدى الشركات الناشئة في وادي السيلكون تتابعهم عن كثب هنا، وفي الوقت الحقيقي، وتراقب كل حركة يفعلونها، وفي بعض الأحيان، تعرقل لهم جهودهم.
يقول السيد كايت بعد ظهر أحد الأيام في أحد المطاعم، متذكرا المرة الأولى التي علم فيها أن الحاسوب الذي تستخدمه عائلته في إدارة أعمال الشركة كان قد استخدم لأغراض أخرى: «عندما أخبرونا للمرة الأولى، قلنا لهم، مستحيل. لقد أصابنا ذعر شديد. لم تكن لدينا فكرة أنه يمكن استخدامنا كوسيلة لهجمات القرصنة والتسلل الصينية»، كما أضافت السيدة كايت.
وفي يوم الخميس، كان هدف القراصنة يبدو وأنه شركة ناشئة من شركات وادي السيلكون تعمل في مجال توصيل طلبات المواد الغذائية، وإحدى كبريات المؤسسات القانونية في حي مانهاتن، وإحدى كبريات شركات الطيران العالمية، وجامعة أميركية مرموقة في جنوب البلاد، والقليل من الأهداف الأخرى في دول مثل تايلاند وماليزيا. ولقد تمكنت «صحيفة نيويورك تايمز» من مراجعة العمل على جهاز الكومبيوتر الخاص بعائلة كايت على شرط عدم ذكر أسماء أو هويات أهداف القراصنة.
وكان نشاط القرصنة يحمل بصمات مجموعة من القراصنة الصينيين يعملون تحت اسم «مجموعة C0d0s0»، وهي مزيج من القراصنة والمتسللين المأجورين والذين ظلت الصناعة الأمنية تتبع خطاهم على الإنترنت منذ سنوات. وعلى مر السنين، تمكنت تلك المجموعة من اختراق البنوك، والمؤسسات القانونية، والشركات التكنولوجية، وتمكنت ذات مرة من اختراق موقع مجلة «فوربس» في محاولة لإصابة حواسيب الزائرين لموقع المجلة بالبرمجيات الخبيثة.
هناك صناعة ناشئة وغامضة تدور حول بيع المعلومات الاستخبارية لمجموعات القراصنة مثل «مجموعة C0d0s0». وحتى وقت قريب، اعتمدت الشركات استراتيجية دفاعية في محاولة لأن تجعل من شبكاتها على الإنترنت محكمة بقدر الاستطاعة والإمكان أملا في صد الهجمات الإلكترونية. واليوم، فإن ما يطلق عليهم موفري معلومات التهديد الاستخبارية يقومون ببيع الخدمات التي تتعهد بالانتقال من طور الدفاع إلى الهجوم. فهم يعملون على تتبع القراصنة، ووفقا لرسوم سنوية يتقاضونها قد تصل إلى رقم من سبع خانات، يحاولون تحديد الموقع وإحباط الهجمات قبل حدوثها.
وتملك هذه الشركات سجلا مختلطا من النجاح. ومع ذلك، وبعد أعوام من الحوادث التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، تتوقع مؤسسة غارتنر لأبحاث السوق أن سوق معلومات التهديد الاستخبارية قد يصل إلى مليار دولار العام المقبل، صعودا من 255 مليون دولار فقط في عام 2013.
تعتمد الكثير من الهجمات، وبشكل ملحوظ، على متاهة متشابكة من الحواسيب المخترقة بما في ذلك الحواسيب العائلية مثل الذي تستخدمه شركة كايت للماكينات واللحام. لا يعني القراصنة بيانات شركة كايت في شيء، فلقد حولوا الخادم الرئيسي عندهم، وغيره الكثير، إلى منصات انطلاق للهجمات الإلكترونية.
ومثل تلك الخوادم توفر أفضل غطاء ممكن للقراصنة. فهي ليست محمية بصورة ممتازة، ونادرا ما يلحظ أصحابها أو يكتشفون أن حواسيبهم قد أصبحت قنوات للتجسس واللصوص الرقميين. ومن الذي سوف يشك في عائلة كايت الصغيرة على أي حال؟
قبل عامين، تلقت عائلة كايت زيارة من بعض الأشخاص يخبرونهم أن خادمهم قد تحول إلى قناة للجواسيس والقراصنة الصينيين. فسألهم أفراد العائلة يقولون «هل أنتم من وكالة الأمن القومي؟».
كان أحد أولئك الرجال، في واقع الأمر، يعمل من قبل لدى وكالة الأمن القومي لسنوات قبل الانضمام إلى شركة «Area 1» الناشئة، والتي تعمل على متابعة الهجمات الإلكترونية الموجهة ضد الشركات. يقول بليك دارشيه، المسؤول الأمني في تلك الشركة، متحدثا عن وظيفته السابقة في وكالة الأمن القومي: «يبدو الأمر كما لو كنت كاهنا. ففي عقول وأذهان الناس، لا يجدر بك أن تتخلى عن وظيفتك أبدا».
أراد السيد دارشيه إلحاق الخادم الخاص بعائلة كايت على شبكة المراقبة في شركة «Area 1» من بين 50 خادما آخرين تعرضت لاستغلال القراصنة من قبل. وتراقب الشركة تدفق الأنشطة إلى داخل وخارج هذه الحواسيب للوصول إلى نظرة ثاقبة حول أساليب، وأدوات، ومواقع المهاجمين، حتى يتسنى لها حجبهم ومنعهم من توجيه الهجمات إلى شبكات عملاء الشركة، أو تنبيههم لعدة أيام، أو أسابيع، أو ربما شهور، قبل التعرض للهجمات.
رتبت عائلة كايت اجتماعا لأفراد الأسرة. وقالت السيدة كايت: «يعمل الناس بجد واجتهاد في إنتاج مختلف الأشياء، ثم يتم سرقتها بكل سهولة. يبدو أن ذلك هو أقل ما يمكننا فعله». ولقد دفعت شركة «Area 1» مبلغ 150 دولارا لقاء تكاليف التركيب.
وبعد وقت قصير من تركيب جهاز الاستشعار على الحاسوب، قال السيد دارشيه إن حدسه قد تأكد؛ حيث أومض المجس مما يعني وقوع الهجمات. ومن ثم بدأت شركة «Area 1» في وضع أنماط الخصم المألوف: «مجموعة C0d0s0».
تأسست شركة «Area 1» على أيدي ثلاثة من المحللين السابقين لدى وكالة الأمن القومي الأميركية، وهم السيد دارشيه، وأورين فولكويتز، وفيل سايم. وكان المحللون الثلاثة يعملون جنبا إلى جنب في فورت ميد، حيث يتابعون، وفي بعض الحالات، يخترقون نظم الأسلحة لدى الخصوم لصالح أجهزة الاستخبارات الأميركية. ومنذ أكثر من نحو عامين، قرروا تأسيس شركتهم الخاصة وجمعوا لأجل ذلك مبلغ 25.5 مليون دولار من كبار الشركات ورجال الأعمال المعنيين بالأمور الأمنية في وادي السيلكون، بما في ذلك شركة «كلاينر بيركنز كولفيلد وبايرز»، وشركة «كاوبوي للمشروعات»، إضافة إلى قدامي كبار الموظفين في الحقل الأمني أمثال راي روثروك، وهو المدير التنفيذي لشركة «ريد سيل»، وديريك سميث، المدير التنفيذي لشركة «شيب الأمنية».
تعتبر شركة «Area 1» من الشركات الجديدة في مجال معلومات التهديد الاستخبارية، وهو القطاع الناشئ الجديد المتفرع عن الشركات الأمنية والتي تضم شركات مثل «آي سايت وشركاه»، و«ريكورديد فيوتشر»، والتي تتابع القراصنة والمتسللين على منتديات الإنترنت السرية وعلى مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يجمعون المعلومات الاستخبارية عنهم.
ولا تزال معلومات التهديد الاستخبارية مجرد فن أكثر منها علم من العلوم. ولا تزال المناقشات مفتوحة حول ما إذا كانت الشركات مؤهلة ومجهزة لاستخدام هذا النوع من المعلومات الاستخبارية في صد وإحباط الهجمات. وتقول شركة «Area 1» إنه بإمكانها تفادي الهجمات من خلال الخوادم المخترقة التي تعمل على مراقبتها. كما يمكنها أيضا استخدام موقعها المتقدم لمعرفة الأماكن التي يتجمع فيها المهاجمون على الإنترنت والكيفية التي يخططون بها لاستهداف ضحاياهم المقصودين.
أكدت مجموعة من عملاء شركة «Area 1» أن تكنولوجيا الشركة ساعدتهم في تفادي المهاجمين. وأحد أولئك العملاء، وهو مسؤول أمن المعلومات في إحدى مؤسسات الرعاية الصحية الكبيرة، قال إن قطاع الرعاية الصحية كان موبوءا بالكثير من المجرمين الرقميين والحكومات الخارجية في السنوات الأخيرة. وطالب عدم الكشف عن هوية الشركة حتى لا يكون من الأهداف الواضحة للقراصنة.
وأرجع الفضل لمجسات شركة «Area 1» والتي نجحت في حجب الكثير من الهجمات على شبكته، مما ساعد في أن تتفادى شركته مصير شركة «Anthem» للتأمين الصحي، والتي تعرضت للاختراق من قبل القراصنة الصينيين العام الماضي، كما تعرض عدد متزايد من المستشفيات لهجمات مماثلة أجبرتها على سداد فدية لاستعادة المعلومات المهمة التي سرقت منها.
وقال السيد سميث المدير التنفيذي لشركة «شيب الأمنية»، إن شركة «Area 1» وجهت التحذيرات ثلاث مرات لشركته من الهجمات قبل وقوعها، مما منحهم الوقت لمنعها. وقال السيد سميث إنه راض بما فيه الكفاية عن استثماراته في تلك الشركة.
وأضاف السيد سميث قائلا إن «الكثير من الشركات العائلية تتسم بالتناقض بسبب أن الهجمات لا تستهدف أعمالها وإيراداتها بصورة مباشرة. وفي الوقت ذاته، فإنهم وعن غير قصد يشغلون هذه البنية التحتية الهجومية».
ولكن نموذج أعمال شركة «Area 1» قد يثير معضلة أخلاقية. فما الذي سوف تفعله الشركة إذا ما لاحظت هجوما ضد الشركات البارزة والوكالات الحكومية والذين ليسوا على قوائم عملاء شركة «Area 1»؟
يقول السيد فولكويتز المدير التنفيذي لشركة «Area 1»: «إننا نعتبر أنفسنا نقوم بوظيفة الحارس الخاص وليس وظيفة الشرطي الذي يذهب إلى الجميع ليخبرهم بأنهم ضحايا. إننا نعمل في مجال التدابير الوقائية».
وقال إن الشركة تحذر بالفعل بعض الضحايا. على سبيل المثال، لقد حذرت إحدى المؤسسات القانونية، وأحد المصانع، وشركة للخدمات المالية، حيث تعرضت للهجوم عبر الخادم الخاص بعائلة كايت بعدما شاهدوا قراصنة «مجموعة C0d0s0» سرقوا حقوق الملكية الفكرية منهم. وبعض من هؤلاء الضحايا، ومن بينهم إحدى المؤسسات القانونية، سجلت نفسها على قائمة خدمات شركة «Area 1».
لا تستجيب كل الشركات للتحذيرات. فأحد المستشارين الأمنيين لأحد الضحايا، والذي فضل الحديث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب اتفاقيات عدم الإفصاح، قال إن هذا العميل تخير عدم اتخاذ أي إجراءات حيال التحذير الذي وصله من شركة «Area 1» العام الماضي خوفا من أن فضيحة وقوع هجوم إلكتروني ناجح ضد الشركة من شأنه أن يعرض جهود الاستحواذ عليها للخطر. واكتشف أن الشركة المستحوذة لن تكون سعيدة إذا ما علمت أن شركة الملكية الفكرية التكنولوجية صارت الآن في قبضة القراصنة الصينيين.
هناك عبارة مكتوبة على جدار مقر شركة «Area 1» في أحد المنازل العتيقة في مدينة ريدوود بولاية كاليفورنيا، تقول: «هناك 45 شيئا أكثر صعوبة من الأمن الإلكتروني». ومن بينها الطيران، والطاقة الشمسية، ولقاح الأنفلونزا، وجراحة المخ، والإنترنت، وجراحة زرع القلب، وناطحات السحاب، والمواد الحرارية، والمطرب كيو - تيب.
ولا يتفق السيد فولكويتز مع المخاوف المتزايدة بأنه من الصعب للغاية أو من المحال إيقاف الهجمات الإلكترونية. ومع التطور والتعقيد الذي يتسم به القراصنة، تخلت الكثير من الشركات الأمنية عن الاعتقاد أنهم بإمكانهم إحباط الهجمات عبر الدفاعات التقليدية مثل برمجيات مكافحة الفيروسات. بدلا من ذلك، تركز الكثير من الشركات على محاولات اكتشاف الاختراق في الوقت الحقيقي من أجل وقف المتسللين قبل أن يتمكنوا من سرقة المزيد من المعلومات.
يعلم الضحايا أنهم تعرضوا للاختراق، خلال 80 في المائة من الوقت، فقط عندما يظهر أحد ممثلي وكالات إنفاذ القانون أو أي شخص آخر بصحبة البيانات الخاصة بهم والمسروقة منهم، وفقا لشركة فيريزون التي تتابع وتقيس بيانات الاختراق.
وفي وكالة الأمن القومي، كان السيد فولكويتز يعمل مع فرق كانت وظيفتهم اكتشاف مواقع ومواعيد إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية. وأغلب هذا العمل المبكر كان يجري عبر الأقمار الصناعية والتي كانت تبحث عن التفجيرات الحرارية المفاجئة.
وفي نهاية المطاف، حاول فريق السيد فولكويتز تجربة منهج أكثر فعالية. إذا ما تمكنوا من اختراق الحواسيب التي تسيطر على نظم إطلاق الصواريخ، فسوف يتمكنون من جمع ما يكفي من المعلومات عن جداول الإطلاق. وتنتهج شركة «Area 1» في الوقت الحالي مسارا مماثلا حيال الهجمات الرقمية، حيث تحاول اختراق منصات الإطلاق الرقمية لدى القراصنة، بدلا من انتظار أن يشنوا هجماتهم أولا.
لا ينقر القراصنة على زر أحمر كبير لشن كل الهجمات الإلكترونية في يوم واحد. بل إنهم يقومون بالاستطلاع، والكشف عن بيانات الموظفين على موقع «لينكد - إن»، ويصوغون بعناية رسائل البريد الإلكتروني الوهمية لخداع الموظفين المطمئنين وحثهم على فتح تلك الرسائل والنقر على الروابط المدمجة فيها أو على مرفقات البريد الإلكتروني والتي تؤدي إلى إطلاق الهجمات الخبيثة.
وبمجرد إقناع الهدف «الضحية» على النقر – و91 في المائة من الهجمات تبدأ بهذه الطريقة، وفقا لشركة «تريند ميكرو» الأمنية - يستغرق الأمر منهم بعض الوقت للزحف على شبكة الضحية للعثور على شيء يستحق السرقة. ثم يتوجب عليهم سحب البيانات خارج الشبكة. ويمكن لمثل هكذا عملية أن تستغرق أسابيع، أو شهور، وربما سنوات وتترك وراءها أثرا رقميا.
تراقب شركة «Area 1» هذا النوع من الأنشطة ثم تحاول التواصل مع الشركات مثل شركة «بلو كوت» لأمن الإنترنت والشبكات، من أجل تصميم برنامج أمني يمكنه إحباط الهجمات عند وقوعها.
يقول أصحاب شركة كايت للماكينات واللحام إن الحياة مع القراصنة الصينيين في مكتبك الخلفي يبعث بشعور جدا غريب. وفي الآونة الأخيرة، قام المسؤولون في شركة «Area 1» بزيارة مكتب الشركة وعرضوا عليهم بعض مما يعرفوه من واقع مراقبة الحاسوب خاصتهم. فلقد استخدمت «مجموعة C0d0s0» الخادم الخاص بها في اختلاس العناية الواجبة لإحدى المؤسسات القانونية والمتعلقة بعملية استحواذ تجارية وشيكة، وخطط التداول السرية لإحدى شركات الخدمات المالية، وكود المصدر للملكية الفكرية لإحدى شركات الهواتف المحمولة الناشئة، وبعض الخطط الأساسية، وطلبات الحصول على قروض في إحدى شركات الرهن العقاري.
ولقد أعرب السيد كايت عن فخره عندما سمع بذلك - وربما لمحة من لمحات الشماتة البادية للعيان. على مدى سنوات، كانت بيانات أعمال شركته وعائلته تذهب إلى الصين من دون تعب أو مجهود. أما الآن فهو يساعد الشركات الأميركية على القتال مرة أخرى لاسترداد حقوقهم.
يقول السيد كايت أخيرا: «إننا نريد أن نفعل الشيء الصحيح لهذه الشركات. ولبلادنا أيضا».

*خدمة «نيويورك تايمز»



خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

خريف الائتمان الخاص... هل تكرر «بنوك الظل» مأساة 2007؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدُّعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص، وهي السوق التي طالما اعتُبرت «نظام ظل» بعيداً عن الرقابة الصارمة.

بدأت ملامح الأزمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الأصول في العالم إلى تقييد عمليات السحب، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عام 2007 عندما بدأت صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للأزمة المالية العالمية. ورغم أن حجم سوق الائتمان الخاص حالياً يبلغ نحو تريليونَي دولار، وهو أقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار، غير أن الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.

أزمة السيولة وتخبط الكبار

بدأت ملامح الضغط تظهر بوضوح عندما أعلنت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، وضع قيود على عمليات الاسترداد من أحد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار، إثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

ومع تسارع وتيرة الذعر، شهدت كواليس كبار مديري الأصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية، حاولت شركة «بلاكستون» احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم «BCRED» إلى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية، بل وذهب كبار شركائها إلى ضخ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير أن هذه الخطوة «الإسعافية» سرعان ما فقدت أثرها وتحولت إلى مصدر قلق إضافي عندما قامت «بلاك روك» باتخاذ إجراء صادم، حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة إلى «صفر» في غضون ثلاثة أشهر فقط، معلنةً في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد إلى 9.3 في المائة.

شعار شركة «بلاكستون» في مانهاتن (رويترز)

هذا التضارب الصارخ بين محاولات «بلاكستون لشراء الوقت» بضخ السيولة، واعتراف «بلاك روك» بانهيار قيمة الأصول وشطبها تماماً، كان بمثابة «رصاصة الرحمة» التي كشفت للأسواق هشاشة التقييمات الورقية، وأكدت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في النقد، بل هي تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية، وهو ما أجبر شركات أخرى مثل «بلو أول» (Blue Owl) و«كليف ووتر» على تقييد السحب تباعاً.

نظرية «الصراصير»

لم تقتصر التحذيرات على خبراء الاستثمار، بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، على خط الأزمة ليطلق تحذيراً مدوياً وصفه المحللون بـ«توصيف اللحظة»، حيث استند إلى حكمة قديمة في الأسواق المالية قائلاً: «عندما ترى صرصاراً واحداً، فمن المرجح أن هناك الكثير غيره»؛ في إشارة واضحة إلى أن حالات الإفلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل «تريكولور» لبيع السيارات و«فيرست براندز» ليست حوادث فردية، بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.

الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» جيمي ديمون خلال مشاركته في منتدى دافوس (رويترز)

ولم يتوقف «جي بي مورغان» عند حدود التحذير اللفظي، بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس، حيث بادر البنك إلى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات، وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.

هذه الخطوة من أكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بأن المخاطر قد انتقلت بالفعل من «نظام الظل» لتطرق أبواب النظام المصرفي التقليدي، مما وضع ضغوطاً هائلة على مديري الأصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.

فخ قطاع البرمجيات

أحد أكثر التفاصيل إثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات إلى أن قروض البرمجيات تشكل ما يصل إلى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.

ومع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدأت الأسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.

هذا الشك أدى إلى انهيار أسعار أسهم عمالقة الائتمان مثل «كي كي آر» و«أبولو» بنسبة تتراوح بين 30 في المائة إلى 45 في المائة.

المثير للدهشة أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 9.2 في المائة في عام 2025، ومع ذلك، لم تشمل هذه النسبة بعدُ قطاع البرمجيات بشكل كامل، مما يعني أن «موجة التعثر الكبرى» لم تأتِ بعد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تسلل الأزمة للشرايين المصرفية

لم تعد الأزمة حبيسة صناديق الاستثمار، بل بدأت تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. «دويتشه بنك» أصبح المثال الحي لهذا التداخل، حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار، وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من إجمالي قروض البنك.

وتكمن الخطورة في أن هذه القروض مسجلة بـ«التكلفة المطفأة»، أي أنها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.

الفساد وسوء الاكتتاب

تؤكد شركة «بيمكو» أن الأزمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق، بل هي نتيجة «اكتتاب سيئ للغاية» مبني على افتراضات واهمة بأن «الاحتياطي الفيدرالي» لن يرفع الفائدة أبداً.

والأخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخٍ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون أن «الفساد موجود في كل مكان»، مما أدى إلى انهيار الثقة تماماً، وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد (CLO) بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط، بعد أن كانت تحقق مكاسب مستقرة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ما يجعل هذه الأزمة «اجتماعية» بامتياز هو تورط المستثمرين الأفراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل آمن ومدر للدخل، لترتفع حصتهم إلى 16.6 في المائة من السوق. اليوم، هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق «مغلقة البوابات». وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التدهور سيؤدي حتماً إلى «تضيق ائتماني»؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض، وسترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في أسعار الطاقة وشبح «الركود التضخمي».


«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.