الـ«إف بي آي» تريد تصفح الإنترنت من دون مذكرة قضائية في قضايا الإرهاب والجاسوسية

شركات التكنولوجيا: المباحث الفيدرالية تسعى إلى توسيع سلطات المراقبة التي تنتهك خصوصية الأميركيين

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)
TT

الـ«إف بي آي» تريد تصفح الإنترنت من دون مذكرة قضائية في قضايا الإرهاب والجاسوسية

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)

تسعى إدارة الرئيس أوباما إلى تعديل قانون المراقبة، لمنح المباحث الفيدرالية سلطات صريحة للوصول إلى تاريخ التصفح على الإنترنت لأي شخص، وغير ذلك من البيانات الإلكترونية، من دون الحاجة إلى أمر قضائي، ولا سيما في قضايا الإرهاب والجاسوسية.
ولقد اتخذت الإدارة الأميركية قرارا مماثلا قبل 6 سنوات، ولكنها تخلت عنه بعد المخاوف التي أثيرت وقتها من قبل أنصار الخصوصية وصناعة التكنولوجيا.
واعتبر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي التشريع الجديد حلا من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية، الذي يقول عنه إنه دفع بعض شركات التكنولوجيا إلى رفض تقديم البيانات التي طالبها الكونغرس بتقديمها.
ولكن شركات التكنولوجيا وأنصار الخصوصية يقولون إن المباحث الفيدرالية تسعى إلى توسيع سلطات المراقبة التي تنتهك خصوصية المواطنين الأميركيين.
والآن، وبناء على طلب من المباحث الفيدرالية، يقدم بعض المشرعين مشروع قانون جديد من شأنه أن يسمح للمكتب بالحصول على «سجلات معاملات الاتصالات الإلكترونية» باستخدام الاستدعاء الإداري المعروف بخطاب الأمن القومي. وذلك الخطاب يمكن إصداره من قبل العميل الخاص بالمباحث الفيدرالية، والمسؤول عن المكتب الميداني للمباحث، ومن دون أمر قضائي أو موافقة القاضي.
وتشتمل مثل هذه السجلات على عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالشخص المقصود، ومقدار الوقت الذي يقضيه هذا الشخص على موقع معين من المواقع. ولكن تلك السجلات لا تتضمن المحتويات، مثل نص إحدى رسائل البريد الإلكتروني، أو استعلامات البحث على «غوغل». كما أن هناك حدودا لمستوى الرؤية والاطلاع التي يمكن للمباحث الفيدرالية الحصول عليها حول أي جزء من الموقع قد قام الشخص بزيارته. على سبيل المثال، ووفقا لمكتب التحقيقات الفيدرالية، إذا ما زار الشخص أي جزء من موقع صحيفة واشنطن بوست، فإن هيئة إنفاذ القانون لا يمكنها مطالعة سوى موقع (washingtonpost.com) ولا شيء آخر أكثر تحديدا.
وقال السيد كومي إن إدخال هذا التعديل على القانون هو من أهم الأولويات التشريعية للمباحث الفيدرالية خلال هذا العام.
وعدم القدرة على الحصول على البيانات باستخدام خطاب الأمن القومي «يؤثر على عمل المباحث الفيدرالية بصورة كبيرة وعملية للغاية»، كما أخبر لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في فبراير (شباط) الماضي.
ولقد صوتت لجنة مجلس الشيوخ ضد قانون التفويض مع تعديل خطاب الأمن القومي. وتدرس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، خلال هذا الأسبوع، مشروع قانون مماثل مقدم من قبل السيناتور جون كورنين (الجمهوري من ولاية تكساس) بوصفه تعديلا على قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية، وهو القانون الذي يشرف على المراقبة المحلية.
وقال كورنين إن ما وصفه بأنه «الخطأ المطبعي» في القانون «يشكل إعاقة وتعجيزا من دون داع لجهود مكافحة الجاسوسية ومكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة».
ولكن الجماعات المناصرة للخصوصية وشركات التكنولوجيا تحذر مرة أخرى أن توسيع صلاحيات المراقبة من شأنه أن يسبب تآكل في حماية الحريات المدنية.
والإصلاح الذي يسعى إليه مكتب التحقيقات الفيدرالية من شأنه «أن يزيد وبشكل كبير من قدرات المباحث الفيدرالية على الحصول على معلومات حساسة للغاية حول أنشطة المستخدمين على الإنترنت، ومن دون رقابة قضائية»، كما قال تحالف لجماعات الدفاع عن الخصوصية في خطاب أرسل إلى الكونغرس، الاثنين.
والفئات الجديدة من المعلومات التي يمكن جمعها باستخدام خطاب الأمن القومي سوف ترسم صورة حميمة للغاية حول حياة الأشخاص، كما يقول الخطاب المرسل للكونغرس، والموقع بواسطة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، ومنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة، ورابطة صناعة الحواسيب والاتصالات، وشركات «غوغل»، و«فيسبوك»، و«ياهو»، من بين آخرين. على سبيل المثال، فإن تاريخ التصفح للشخص، ومعلومات الموقع، وبيانات البريد الإلكتروني، قد تكشف كثيرا من التفاصيل حول الميول السياسية للشخص المقصود، والحالة الصحية، والدين، والتحركات على مدار اليوم.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لخطاب الأمن القومي أن يصدر برفقة أمر بالتزام الصمت يمنع الشركة من الإفصاح عن أنها قد تلقت طلبا حكوميا بهذا الشأن، كما يقول نيما سينغ غولياني المستشار القانوني للاتحاد الأميركي للحريات المدنية. وأشار الخطاب إلى أنه خلال السنوات العشر الماضية، أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالية أكثر من 300 ألف خطاب للأمن القومي، وأغلبها كانت برفقة أوامر بالتزام الصمت. ويقول السيد غولياني: «إنها بمثابة العاصفة التي ضربت المزيد من المعلومات المتجمعة لديهم، مع مستويات طفيفة من الشفافية، وعدم المساءلة».
ولكن القانون الذي صودق عليه العام الماضي، والمعروف باسم قانون الحريات الأميركية، يطالب وزارة العدل بمراجعة أوامر التزام الصمت بصفة دورية من أجل تقييم إن كان هناك ما يبررها إصدارها في المقام الأول. والتعديل محل النظر، يوم الخميس، من قبل اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ يعد جزءا من جهود أكبر من قبل المشرعين لتحديث قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية لكي يلزم هيئات إنفاذ القانون الحصول على أمر قضائي لمراجعة كافة محتويات البريد الإلكتروني.
وتؤيد الجماعات المناصرة للخصوصية وشركات التكنولوجيا التعديل الموسع على قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية، والإصدارات التي ظل المشرعون يسعون لتمريرها عبر سنوات.
ولكن الجماعات المناصرة للخصوصية وشركات التكنولوجيا قالت في خطابها إلى الكونغرس إنه إذا كان قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية يشتمل على أحكام خطاب الأمن القومي، فسوف يسحبون دعمهم وتأييدهم لمشروع القانون.
ولقد أوضح الرأي الصادر في عام 2008 من قبل المستشار القانوني لوزارة العدل الأميركية أن قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية يسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالية بالحصول، في ظل خطاب الأمن القومي، على 4 أنواع فقط من المعلومات الأساسية للمشترك الواحد من شركات الإنترنت، وهي: الاسم، والعنوان، وطول مدة الخدمة، وسجلات فاتورة الهاتف. ولا توجد إشارة في القانون إلى تاريخ المتصفح، على سبيل المثال. والرأي الصادر عن الوزارة يقول إن الفئات الأربع المذكورة «شاملة».
ويعارض السيناتور باتريك جيه ليهي (الديمقراطي، من ولاية فيرمونت)، العضو البارز عن حزب الأقلية في لجنة الشؤون القضائية بالكونغرس، إلى جانب السيناتور مايك لي (الجمهوري من ولاية يوتاه)، وهو أحد أعضاء اللجنة، التعديل المطلوب من قبل السيد كورنين. ويقولان إنهما سوف يحاولان الحصول على نسخة نظيفة من تحديثات قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية والمشابهة لمشروع القانون الذي أقره مجلس النواب في وقت سابق من هذا العام.

*خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».