الـ«إف بي آي» تريد تصفح الإنترنت من دون مذكرة قضائية في قضايا الإرهاب والجاسوسية

شركات التكنولوجيا: المباحث الفيدرالية تسعى إلى توسيع سلطات المراقبة التي تنتهك خصوصية الأميركيين

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)
TT

الـ«إف بي آي» تريد تصفح الإنترنت من دون مذكرة قضائية في قضايا الإرهاب والجاسوسية

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي وصف التشريع الجديد بأنه حد من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية (واشنطن بوست)

تسعى إدارة الرئيس أوباما إلى تعديل قانون المراقبة، لمنح المباحث الفيدرالية سلطات صريحة للوصول إلى تاريخ التصفح على الإنترنت لأي شخص، وغير ذلك من البيانات الإلكترونية، من دون الحاجة إلى أمر قضائي، ولا سيما في قضايا الإرهاب والجاسوسية.
ولقد اتخذت الإدارة الأميركية قرارا مماثلا قبل 6 سنوات، ولكنها تخلت عنه بعد المخاوف التي أثيرت وقتها من قبل أنصار الخصوصية وصناعة التكنولوجيا.
واعتبر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية جيمس بي كومي التشريع الجديد حلا من حلول «الأخطاء المطبعية» في قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية، الذي يقول عنه إنه دفع بعض شركات التكنولوجيا إلى رفض تقديم البيانات التي طالبها الكونغرس بتقديمها.
ولكن شركات التكنولوجيا وأنصار الخصوصية يقولون إن المباحث الفيدرالية تسعى إلى توسيع سلطات المراقبة التي تنتهك خصوصية المواطنين الأميركيين.
والآن، وبناء على طلب من المباحث الفيدرالية، يقدم بعض المشرعين مشروع قانون جديد من شأنه أن يسمح للمكتب بالحصول على «سجلات معاملات الاتصالات الإلكترونية» باستخدام الاستدعاء الإداري المعروف بخطاب الأمن القومي. وذلك الخطاب يمكن إصداره من قبل العميل الخاص بالمباحث الفيدرالية، والمسؤول عن المكتب الميداني للمباحث، ومن دون أمر قضائي أو موافقة القاضي.
وتشتمل مثل هذه السجلات على عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالشخص المقصود، ومقدار الوقت الذي يقضيه هذا الشخص على موقع معين من المواقع. ولكن تلك السجلات لا تتضمن المحتويات، مثل نص إحدى رسائل البريد الإلكتروني، أو استعلامات البحث على «غوغل». كما أن هناك حدودا لمستوى الرؤية والاطلاع التي يمكن للمباحث الفيدرالية الحصول عليها حول أي جزء من الموقع قد قام الشخص بزيارته. على سبيل المثال، ووفقا لمكتب التحقيقات الفيدرالية، إذا ما زار الشخص أي جزء من موقع صحيفة واشنطن بوست، فإن هيئة إنفاذ القانون لا يمكنها مطالعة سوى موقع (washingtonpost.com) ولا شيء آخر أكثر تحديدا.
وقال السيد كومي إن إدخال هذا التعديل على القانون هو من أهم الأولويات التشريعية للمباحث الفيدرالية خلال هذا العام.
وعدم القدرة على الحصول على البيانات باستخدام خطاب الأمن القومي «يؤثر على عمل المباحث الفيدرالية بصورة كبيرة وعملية للغاية»، كما أخبر لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في فبراير (شباط) الماضي.
ولقد صوتت لجنة مجلس الشيوخ ضد قانون التفويض مع تعديل خطاب الأمن القومي. وتدرس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، خلال هذا الأسبوع، مشروع قانون مماثل مقدم من قبل السيناتور جون كورنين (الجمهوري من ولاية تكساس) بوصفه تعديلا على قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية، وهو القانون الذي يشرف على المراقبة المحلية.
وقال كورنين إن ما وصفه بأنه «الخطأ المطبعي» في القانون «يشكل إعاقة وتعجيزا من دون داع لجهود مكافحة الجاسوسية ومكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة».
ولكن الجماعات المناصرة للخصوصية وشركات التكنولوجيا تحذر مرة أخرى أن توسيع صلاحيات المراقبة من شأنه أن يسبب تآكل في حماية الحريات المدنية.
والإصلاح الذي يسعى إليه مكتب التحقيقات الفيدرالية من شأنه «أن يزيد وبشكل كبير من قدرات المباحث الفيدرالية على الحصول على معلومات حساسة للغاية حول أنشطة المستخدمين على الإنترنت، ومن دون رقابة قضائية»، كما قال تحالف لجماعات الدفاع عن الخصوصية في خطاب أرسل إلى الكونغرس، الاثنين.
والفئات الجديدة من المعلومات التي يمكن جمعها باستخدام خطاب الأمن القومي سوف ترسم صورة حميمة للغاية حول حياة الأشخاص، كما يقول الخطاب المرسل للكونغرس، والموقع بواسطة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، ومنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة، ورابطة صناعة الحواسيب والاتصالات، وشركات «غوغل»، و«فيسبوك»، و«ياهو»، من بين آخرين. على سبيل المثال، فإن تاريخ التصفح للشخص، ومعلومات الموقع، وبيانات البريد الإلكتروني، قد تكشف كثيرا من التفاصيل حول الميول السياسية للشخص المقصود، والحالة الصحية، والدين، والتحركات على مدار اليوم.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لخطاب الأمن القومي أن يصدر برفقة أمر بالتزام الصمت يمنع الشركة من الإفصاح عن أنها قد تلقت طلبا حكوميا بهذا الشأن، كما يقول نيما سينغ غولياني المستشار القانوني للاتحاد الأميركي للحريات المدنية. وأشار الخطاب إلى أنه خلال السنوات العشر الماضية، أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالية أكثر من 300 ألف خطاب للأمن القومي، وأغلبها كانت برفقة أوامر بالتزام الصمت. ويقول السيد غولياني: «إنها بمثابة العاصفة التي ضربت المزيد من المعلومات المتجمعة لديهم، مع مستويات طفيفة من الشفافية، وعدم المساءلة».
ولكن القانون الذي صودق عليه العام الماضي، والمعروف باسم قانون الحريات الأميركية، يطالب وزارة العدل بمراجعة أوامر التزام الصمت بصفة دورية من أجل تقييم إن كان هناك ما يبررها إصدارها في المقام الأول. والتعديل محل النظر، يوم الخميس، من قبل اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ يعد جزءا من جهود أكبر من قبل المشرعين لتحديث قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية لكي يلزم هيئات إنفاذ القانون الحصول على أمر قضائي لمراجعة كافة محتويات البريد الإلكتروني.
وتؤيد الجماعات المناصرة للخصوصية وشركات التكنولوجيا التعديل الموسع على قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية، والإصدارات التي ظل المشرعون يسعون لتمريرها عبر سنوات.
ولكن الجماعات المناصرة للخصوصية وشركات التكنولوجيا قالت في خطابها إلى الكونغرس إنه إذا كان قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية يشتمل على أحكام خطاب الأمن القومي، فسوف يسحبون دعمهم وتأييدهم لمشروع القانون.
ولقد أوضح الرأي الصادر في عام 2008 من قبل المستشار القانوني لوزارة العدل الأميركية أن قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية يسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالية بالحصول، في ظل خطاب الأمن القومي، على 4 أنواع فقط من المعلومات الأساسية للمشترك الواحد من شركات الإنترنت، وهي: الاسم، والعنوان، وطول مدة الخدمة، وسجلات فاتورة الهاتف. ولا توجد إشارة في القانون إلى تاريخ المتصفح، على سبيل المثال. والرأي الصادر عن الوزارة يقول إن الفئات الأربع المذكورة «شاملة».
ويعارض السيناتور باتريك جيه ليهي (الديمقراطي، من ولاية فيرمونت)، العضو البارز عن حزب الأقلية في لجنة الشؤون القضائية بالكونغرس، إلى جانب السيناتور مايك لي (الجمهوري من ولاية يوتاه)، وهو أحد أعضاء اللجنة، التعديل المطلوب من قبل السيد كورنين. ويقولان إنهما سوف يحاولان الحصول على نسخة نظيفة من تحديثات قانون خصوصية الاتصالات الإلكترونية والمشابهة لمشروع القانون الذي أقره مجلس النواب في وقت سابق من هذا العام.

*خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...