عثمان مجلي لـ «الشرق الأوسط»: دور الأمم المتحدة «ضبابي».. وتقدم ملحوظ بملف الأسرى والمعتقلين

وزير الدولة اليمني قال إن الانقلاب ما زال متواصلاً مع مرجعياته في إيران ولبنان

الوزير عثمان مجلي
الوزير عثمان مجلي
TT

عثمان مجلي لـ «الشرق الأوسط»: دور الأمم المتحدة «ضبابي».. وتقدم ملحوظ بملف الأسرى والمعتقلين

الوزير عثمان مجلي
الوزير عثمان مجلي

اعتبر عثمان مجلي وزير الدولة اليمني لشؤون مجلسي النواب والشورى، عضو وفد الحكومة اليمنية في مشاورات السلام، دور الأمم المتحدة فيما يتعلق بمشاورات السلام التي تجري برعايتها «ضبابيا».
وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» أمس، عن تقدم فيما يتعلق بملف المعتقلين والأسرى، خصوصًا الأطفال الذين جندتهم القوى الانقلابية، مؤكدًا أن الحكومة لا تنظر لهم على أساس أنهم أسرى، بل تعمل على توفير دور إيواء لهم وتبذل جهودًا لإعادة تأهيلهم، منوهًا في السياق ذاته إلى مخاوف تساور الحكومة الشرعية من معاودة الميليشيات الضغط على الأطفال مجددًا لتعيدهم إلى ميدان القتال.
وأوضح مجلي، أن الأمم المتحدة لم تحدد سقفًا زمنيًا لمشاورات السلام بالكويت، لافتًا إلى أن قيادات القوى الانقلابية لا تمتلك وحدها تنفيذ القرارات الأممية وإنما هي على تواصل مستمر حتى الآن مع مرجعياتها في إيران ولبنان.
وقال عضو وفد المفاوضات عن الحكومة الشرعية، إن الحكومة زودت المبعوث الأممي بأسماء الأفراد الذين اعتقلتهم القوى الانقلابية، مشيرًا إلى أن وفد الحكومة بذل كل ما بوسعه من أجل الشعب اليمني، وعدم إفشال مشاورات السلام، مشددًا على أن التصعيد العسكري الأخير بتعز هو محاولة لنسف أي حل سياسي. وفيما يلي نص الحوار:
* في البداية، هل تضعونا في صورة مشاورات السلام اليمنية - اليمنية برعاية الأمم المتحدة التي تجري في الكويت، وأنتم أحد أعضاء الوفد الحكومي الشرعي، وإلى أين وصلت؟
- الجميع يتابع منذ بداية المشاورات مماطلة الوفد الانقلابي في الحضور وفقًا للموعد المحدد، وعدم مصداقيته فيما يتعلق بتطبيق القرارات الأممية والاعتراف بها، وعدم الاكتراث بالحكومة الشرعية، ومحاولة نسف شرعيتها الدولية والإقليمية، وفي المقابل لا يزال إسماعيل ولد الشيخ أحمد، المبعوث الأممي الخاص لليمن والدول الراعية، يبذلون جهودًا لمحاولة إيجاد حلول لتنفيذ القرارات الأممية، ولكن الطرف الآخر أي الانقلابيين يؤكدون عبر خروقاتهم والتصعيد العسكري، حديثا، بتعز، أن مشروعهم في اليمن تدمير البلاد، ونهب مقدراتها كافة، وهو ما يحمل الحكومة الشرعية مسؤولية تاريخية للوقوف أمام هذه الانتهاكات والتصعيد.
* لماذا لا يزال الوفد الحكومي مستمرًا في المشاورات إذن؟
- نحن أتينا للكويت من أجل إحلال السلام في البلاد، لا لأجل التدمير، وتنفيذ القرارات الأممية، والآلية المناسبة لتنفيذ القرار مجلس الأمن، ومرجعياته المعروفة، المتمثلة في القرار 2216 ومخرجات الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية، وسنستمر في تلك المشاورات.
* ما الذي ينقص إحلال السلام في البلاد؟
- بلا شك، هو الطرف الآخر المتمثل في الميليشيات الحوثية وأتباع المخلوع صالح، التي لا تبالي ولا تكترث بالقرارات الأممية، وليس لديها أدنى مسؤولية تجاه الشعب اليمني الذي عانى من بطش تلك العصابات.
* منذ بدء المشاورات لماذا لم يتم أخذ أي قرار أو البت فعليًا في قضية محددة؟
- نعم لم ينفذ منها أي شيء، لأن القوى الانقلابية ليست لديها نية في تنفيذ القرارات، كما أن أحد أسباب عدم تنفيذ القرار هو عدم اعتراف الانقلابيين بتلك القرارات الأممية صراحة، حتى ينفذوها، وقدومهم للكويت هو لكسب الوقت فقط.
* قلتم في تصريحات سابقة لكم إن الانقلابيين لا يصدرون القرارات بأنفسهم وإنما لهم مرجعيات خارج اليمن، من تقصد تحديدًا؟
- نعم، مرجعيات القوى الانقلابية الكل يعرفها، ومرجعياتهم التي يتشاورون معها في لبنان وإيران، ومشروع إيران في المنطقة هدفه نزع الأمن باليمن والعمل على زعزعة الاستقرار.
* هل لا تزال اتصالاتهم مستمرة حتى الآن؟
- أكيد هذا أمر واضح لدينا في الحكومة الشرعية.
* ماذا بشأن اتفاقيات الإفراج عن المعتقلين قبل دخول شهر رمضان، لماذا لم يتم التقدم بهذا الملف؟
- القوى الانقلابية مطالبة بتنفيذ القرارات الأممية، وتم تزويدهم بقوائم الأسماء المطلوب الإفراج عنها، كما أنه لا يوجد مسوغ قانوني يسمح لتلك القوى الانقلابية باعتقال المدنيين كما هو متبع، والسبب في عدم إحراز أي تقدم هو محاولة الانقلابيين فرض أجنداتهم بالقوة على الشعب اليمني الذي يرفض الانقلاب وتصرفاتهم.
* ما خيارات الحكومة اليمنية في مشاورات السلام بالكويت؟
- لا تزال المشاورات مستمرة، ونحن أتينا للكويت من أجل السلام وإحلاله في البلاد، وتنفيذ القرارات الأممية، وبذلنا كل ما بوسعنا من صبر وحلم من أجل الشعب اليمني، ومن أجل عدم إفشال مشاورات السلام برعاية الأمم المتحدة، وسنستمر في المشاورات، رغم أننا نواجه طرفًا لا يستجيب لأي ظرف إنساني ولا يسمح بإدخال المساعدات.
* كيف تقرأ جهود الأمم المتحدة، ومبعوثها الخاص إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، هل تطالبون بتطبيق فعلي للقرارات الأممية بشكل أقوى مما هو عليه حاليًا؟
- شخصيًا، اعتبر دور الأمم المتحدة ضبابيًا.
* لماذا تستمر المشاورات السلام اليمنية - اليمنية برعاية الأمم المتحدة في الكويت حتى الآن على عكس ما كان عليه في جنيف وبيال ما الذي اختلف هنا؟
- الجهود الدولية حثيثة أكثر مما عليه سابقًا، ودولة الكويت قامت بجهدٍ عالٍ، وتسعى بالتعاون مع الأمم المتحدة، وسفراء الداعمين لليمن الـ18 وسفراء دول مجلس التعاون الخليجي، لبذل جهود كبيرة في النواحي السياسية، ومحاولة التأثير في تنفيذ القرارات الأممية، ولكن القوى الانقلابية تبادل هذه الجهود بعدم الاحترام واللامسؤولية، ولا تهتم بمعاناة الشعب اليمني جراء تصرفاتها الوحشية.
* هل يمكن إعطاؤنا شكل الخيارات التي تواجه الحكومة الشرعية اليمنية في مشاورات السلام بالكويت؟
- نحن أتينا لمشاورات السلام من أجل إحلاله في البلاد، ولم نأت لشرعنة الانقلاب، وأتينا للكويت بعد أن قدمت إلينا دعوة من الأمم المتحدة وفقًا للمرجعيات المحددة المتمثلة في القرار الأممي 2216 والنقاط الخمس، ومرجعيات الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية، والالتزام بتنفيذها، والحكومة الشرعية ليست مطالبة بشيء أكثر مما قدمته من صبر وحكمة والتزام وتجاوب مع المبعوث الأممي لليمن، ولا يزال وفدنا الحكومي ماضيا في كل ما من شأنه أن يجنب البلاد الدمار، والسعي المتواصل لإنهاء التمرد، وعلينا أيضًا التحلي بالصبر.
* هل هناك سقف زمني لمشاورات الكويت؟
- لم يحدد شكل زمني لمشاورات الكويت، وتعليق المشاورات يقررها المبعوث الأممي، وهنا أشير إلى أن الأمم المتحدة تلمح إلى تعنت القوى الانقلابية في تطبيق القرارات الأممية، كما أن هناك مؤشرات حقيقية ليست مطمئنة حيال تصرفاته القوى الانقلابية الأخيرة، ومنها زيادة الاختراقات واستهداف الأطفال والنساء في اليمن.
* إلى ماذا تعزون التصعيد الأخير في تعز تحديدًا؟
- هذا ما ظهر لوسائل الإعلام، وما خفي من اعتقالات واختفاء قسري أعظم، وأؤكد أن الأرقام في هذا الجانب أكثر من المعلنة، والتصعيد العسكري الأخير محاولة لنسف أي حل سياسي يمكن تطبيقه في البلاد، ونسف القرارات الأممية.
* هل دار تقدم فيما يتعلق بلجنة الأسرى والمعتقلين في مشاورات السلام؟
- هناك بعض النقاشات فيما يتعلق بهذا الملف، والجانب الحكومي أبلغ المبعوث الأممي إلى اليمن أنه سيجد من الوفد الشرعي أمرًا إيجابيًا، لتسريع فك الأسرى الذين نفذوا الانقلاب والتمرد على الشرعية، والحكومة نظرت بعين الوعي لهم خاصة أن القوى الانقلابية جندت كثيرًا من الأطفال، وشرعت الحكومة في بناء مراكز إيواء وتأهيل كجانب إنساني؛ وذلك ليعلم العالم أن هناك ما نطلق عليه اصطلاحًا أسرى ونعاملهم بكل احترام وتقدير، كما أن أعمارهم لم تتجاوز عشرة أعوام، ما يؤكد أن ما تقوم به القوى الانقلابية من تجنيد للأطفال جريمة إنسانية، والدولة اليمنية ماضية في مسألة العناية بالأطفال الذين تم تجنيدهم، والعمل على إعادتهم لحياتهم الطبيعية، وهناك خطوات متقدمة في شأن تسليم جزء كبير من الأطفال الذين تم تجنيدهم للأمم المتحدة عبر المنظمات الإنسانية الأخرى مثل الصليب الأحمر، وهنا ألفت الانتباه إلى أنه في حال تسليمهم لأهاليهم قد تمارس القوى الانقلابية الضغط عليهم مجددًا لتعيدهم إلى ساحة المعركة.
* تشير تصريحات إسماعيل ولد الشيخ أحمد إلى أن اليمن أقرب من أي وقت مضى لإحلال السلام هل تشاطرونه هذا الكلام؟
- نعم نشاطره ذلك، بالنظر إلى الإلحاح الكبير والدولي لإنجاح مشاورات السلام اليمنية - اليمنية برعاية الأمم المتحدة في الكويت، وهناك اهتمام أكبر بالخروج بحل ينهي الأزمة في اليمن.
* ما الرسائل التي توجهونا للشعب اليمني والقوى الانقلابية؟
- نطلب من الشعب اليمني أن يتحلى بالصبر في مواجهة تصرفات القوى الانقلابية الغاشمة، وأن يثق بالحكومة اليمنية، كما نتمنى عودة تلك القوى إلى رشدها والتجاوب مع القرارات الأممية، ومعرفة أن كل ما يقومون به هو تخريب للبلاد.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.