الفوضى الأمنية تقود مدنًا حدودية مع ليبيا إلى الاحتضار البطيء

أسواق السلوم التي كانت تعج بالرواج أصبحت فارغة.. وانتعشت فيها حركة تهريب الأسلحة والممنوعات

منظر لمدينة السلوم التي تحولت إلى مؤشر على تدهور حركة التجارة والسفر بين ليبيا وجيرانها («الشرق الأوسط»)
منظر لمدينة السلوم التي تحولت إلى مؤشر على تدهور حركة التجارة والسفر بين ليبيا وجيرانها («الشرق الأوسط»)
TT

الفوضى الأمنية تقود مدنًا حدودية مع ليبيا إلى الاحتضار البطيء

منظر لمدينة السلوم التي تحولت إلى مؤشر على تدهور حركة التجارة والسفر بين ليبيا وجيرانها («الشرق الأوسط»)
منظر لمدينة السلوم التي تحولت إلى مؤشر على تدهور حركة التجارة والسفر بين ليبيا وجيرانها («الشرق الأوسط»)

«هذه واحدة من مدن تشبه مقياس الحرارة. فهي تنتعش إذا كانت الأوضاع مستقرة، لكنها تنتكس إذا كانت الأحوال ليست على ما يرام، كما هي الحال اليوم». إنها مدينة السلوم، التي تقع على سفح تحت جبل على حدود مصر مع ليبيا، وتتبع إداريا لمحافظة مطروح. الرياح الجنوبية الحارة والمحملة بالغبار تضرب بقايا الأسواق الفارغة. شوارع مهجورة وبوابات أمنية، وجنود يدققون في هوية المسافرين خوفا من تسلل أي إرهابيين.
يقول العمدة شعيب بوالحنفة، أحد وجهاء القبائل في السلوم وفي مدينة براني المجاورة لها أيضا، إن محافظة مطروح «خالية من حواضن للمتطرفين، لكن بسبب الفوضى في ليبيا أصبح اقتصاد السلوم، للأسف، مدمرا». ومن جانبه يرى الخبير الاقتصادي الليبي عمرو فركاش أن حالة السلوم تنطبق، في الغالب، على مدن أخرى تقع على حدود ليبيا، وبعض مدن مصر وتونس، مثل مدينة أمساعد الليبية في الشرق، ومدينة جربة التونسية في الغرب.
وزاد تنظيم داعش من تعقيد الأمور في ليبيا وبعض دول شمال أفريقيا، حيث انهارت عدة أسواق ونزحت ألوف العائلات بحثا عن ملاذ آمن. ومن بينهم تاجر أقمشة من مدينة الإسكندرية كان يدير عملية تصدير واستيراد بين مصر وليبيا انطلاقا من السلوم، بيد أنه اضطر إلى إغلاق مكتبه وتغيير وجهة تجارته إلى القاهرة، بعد أن كان يستورد من ليبيا الملابس التركية لصالح تجار تجزئة داخل مصر، ثم يقوم بتصدير فرش البيوت إلى الليبيين.
لكن هذا الوضع لم يمنع من ظهور تجارة أخرى. وبهذا الخصوص يقول الخبير فركاش: «لقد انتعشت حركة تهريب الأسلحة والممنوعات، وفي المقابل تراجع نشاط تبادل السلع».
ووفقا لتقارير تخص النشاط على الحدود، فقد سجلت السلطات الجزائرية نحو عشرة آلاف قضية تجارة أسلحة خلال السنوات الخمس الأخيرة، كان العدد الأكبر منها على الحدود مع ليبيا وتونس. كما أثرت الفوضى الليبية على مصر بشكل سلبي بسبب تهريب الأسلحة أيضا. أما تسلل المتطرفين وتهريب الأسلحة على الحدود مع تونس، فحدث ولا حرج. وفي هذا الإطار يشير فركاش إلى أن الانفلات الأمني جعل أي خطوة على الحدود تخضع لحسابات دقيقة، سواء بين مصر وليبيا، أو بين ليبيا وتونس، والمثال على ذلك فقد كان هناك تجار ليبيون يعتمدون على السوق التونسية، لكن هذا أصبح من الماضي. وفي هذا السياق يقول النائب عاطف مخاليف، وكيل لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري، إن «الحل يكمن في إيجاد بدائل» لحل مآسي المدن الحدودية المجاورة لليبيا.
ويؤكد فركاش أن مدينة السلوم تعرضت هي الأخرى لضربة أطاحت بأحلامها خلال السنوات الخمس الأخيرة، موضحا أنه «كان من الممكن أن تكون السلوم منطقة سياحية، خصوصا أن حركة الاستثمار السياحي في مصر يبدو أنها تتجه غربا، أي من مرسى مطروح حتى السلوم. ولو لم تقع أحداث 2011 لأصبحت منطقة البردي في ليبيا مع السلوم مقصدا سياحيا متكاملا، خصوصا أنه توجد مطارات وطرق جيدة في غرب مصر».
وينظر ابن السلوم إبراهيم الزوَّام، الوكيل السابق للمجلس المحلي بمحافظة مطروح، إلى مدينته باعتبارها سيئة الحظ. فقد عاشت المدينة بعدد سكانها الذي لا يزيد على عشرة آلاف نسمة، سنوات وهي تدفع ضريبة التقلبات السياسية. وحين غزا صدام حسين الكويت عام 1990 وقعت خلافات حول التعاطي مع القضية بين حسني مبارك ومعمر القذافي. وحينها دفعت السلوم الثمن عاليا، حيث اختفت شاحنات نقل البضائع بين البلدين، وتمكَّن الفقر منها لعدة أشهر.
ومنذ أواخر الثمانينات أرادت كثير من الدول العربية خوض تجربة التحالفات المستوحاة من «مجلس التعاون الخليجي» الذي تأسس في الرياض عام 1981. وكانت مصر قد بدأت تعود إلى الحظيرة العربية بعد سنوات من القطيعة بسبب اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب، وظهر للنور لأول مرة «مجلس التعاون العربي»، الذي يضم مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي حينذاك، وأعقبه «الاتحاد المغاربي» للدول العربية في شمال أفريقيا.
وهذا النوع من التحالفات، يقول فركاش، أدى في ذلك الوقت إلى انتعاش الأسواق وفتح آمالا جديدة في المستقبل، رغم أن «مجلس التعاون العربي» لم يستمر إلا بضعة أشهر بسبب غزو الكويت. ومع ذلك فتح التجار في ذلك الوقت أسواقا كبيرة، وبدأت عائلات تستوطن المدن الحدودية، ضمن زخم عام عن التكامل الاقتصادي العربي وخطط لفتح مدن حرة لتيسير التجارة، وجذب الاستثمار في الصناعة والسياحة. كما تأسست أسواق مثل «سوق ليبيا» شمال غربي مصر. وبهذا الخصوص يقول زكريا مريزيق، رجل الأعمال من أبناء السلوم، إنه منذ بداية التسعينات كان الكل يستثمر أمواله متطلعا إلى غدٍ جديد، وبدأت المنتجات تأتي للأسواق الحدودية من ليبيا ومن تونس والجزائر والمغرب، ومنها تنتقل إلى القاهرة. وفي المقابل أخذت منتجات مصرية طريقها إلى المغرب العربي، عبر مدن مرسى مطروح والسلوم وبراني.
لكن الفوضى التي تضرب ليبيا اليوم جعلت السلوم، مثل كثير من المدن الحدودية الأخرى بين ليبيا وجيرانها، تعاني في صمت، وكل يوم تهجرها عائلات، بعد أن كانت السلوم المطلة على خليج خلاب على البحر المتوسط، تعتمد اعتمادا كليا على التجارة العابرة بين الجانبين المصري والليبي، وكانت تنتظر المستثمرين العرب والخليجيين.
تقع السلوم على بعد نحو 720 كيلومترا شمال غربي القاهرة. وهي بلدة صحراوية تعتمد على مياه الأمطار في الزراعة والرعي، مثل غالبية البلدات الواقعة على الحدود مع ليبيا. وقد زاد سوء المناخ وندرة الأمطار في السنوات الأخيرة من معاناة السكان. وبينما تحولت التجارة إلى ملاذ في سنوات الجدب، أدت الفوضى في ليبيا إلى عرقلة هذا الخيار. ولذلك يعد معبر السلوم اليوم في حكم المنفذ «المغلق»، وبات يخضع المرور منه لإجراءات صارمة.
وحول هذا الوضع يقول العمدة بوالحنفة: «بغض النظر عن هذا، فمن المستثمر الذي يمكن أن يغامر ويضع أمواله في منطقة حدودية مهددة. حتى الناس بدأوا يهجرون المدينة، خصوصا بعد انتشار الأنباء عن نشاط الدواعش في ليبيا.. لقد كانت السلوم مهيأة لكي تصبح منطقة حرة ومدينة استثمارية عالمية».
ومثلما هي الحال بين سكان المدن الحدودية، تنتشر المصاهرة والامتدادات العائلية والقبلية بين جانبي البلدين. وقد كان هذا الواقع مصدرا لتيسير العلاقات السياسية والأمنية عبر الحدود، لكنه تحول بعد ثورات «الربيع العربي» إلى مصدر إزعاج للسلطات، خوفا من استغلال المجموعات المتطرفة لهذه العلاقات الاجتماعية في التسلل لتنفيذ أعمال إرهابية، كما حدث في تونس مؤخرا، مما أدى إلى تفكير السلطات هناك في بناء سياج عازل.
أما على الجانب المصري من الحدود، فقد كانت التجارة تنصب على المواد الغذائية. يقول محمود القناشي، وهو ناشط في مركز إعداد القادة بمطروح، إن شاحنات محملة بمنتجات مصرية كانت تستريح في السلوم، قبل عبور الحدود وهي محملة بالألبان والأرز والزيوت والعصائر ومواد البناء وغيرها.. «وهذا كان ينعش المصانع في مصر وينعش السلوم أيضا. لكن كل هذا اختفى الآن. نستطيع أن نقول إن السلوم تحتضر. وهذا ينطبق على حركة المسافرين أيضا».
ومقارنة بما كان عليه عدد الزوار في السابق، فإن الرقم اليوم يبدو ضئيلا للغاية. ويوضح الزوَّام قائلا إنه في السابق كان عدد المسافرين بين جانبي البلدين يصل إلى الآلاف يوميا، أما الآن فلا يزيد العدد عن عدة عشرات في اليوم، مشيرا إلى تأثر القطاع الخدمي في السلوم، نتيجة للواقع الجديد، موضحا أن «مكاتب الاستيراد والتصدير والمقاهي والفنادق وسيارات النقل، كلها شبه متوقفة.. وحتى عدد شاحنات مواد البناء القادمة من القاهرة تراجعت إلى حد كبير».
يجري تنظيم عملية السفر بين البلدين عبر منفذ السلوم، عن طريق كشوف خاصة تخضع لتدقيق أمني. وتقتصر الموافقات الأمنية على حالات حرجة تتطلب العلاج أو لأقارب على جانبي الحدود. ويقول بوالحنفة إن الكشف اليومي يضم 150 فردا على الأكثر من أبناء محافظة مطروح، ومثلهم من ليبيا، و«تكون لحالات استثنائية مثل زيارات عائلية أو علاج أو حضور مراسم زفاف أو مآتم أو حل مشكلات قبلية».
ومن جانبه، يضيف النائب مخاليف أنه في حالة مدينة السلوم فإنه لا بد من تنشيط السياحة الداخلية والتجارة المحلية واستزراع الأراضي بالمياه الجوفية، بالإضافة إلى تحريك الاستثمار العقاري، مشيرا إلى أن المشكلة لم تتأثر بها المدن الحدودية فقط، لكن «مصر كلها تأثرت بسبب القوى العاملة التي كانت تعتمد على السوق الليبية».



أزمة جديدة بالصومال... ولاية «جنوب الغرب» تعلِّق تعاونها مع الحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

أزمة جديدة بالصومال... ولاية «جنوب الغرب» تعلِّق تعاونها مع الحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أزمة جديدة تواجهها الحكومة الفيدرالية الصومالية عقب تعليق ولاية «جنوب الغرب» تعاونها معها إثر اتهامات نفتها مقديشو بالتدخل العسكري والسياسي في شؤونها.

تلك الأزمة التي تنضم لأزمات عدة، منها مواجهة «حركة الشباب» المتشددة والخلافات مع المعارضة ومع ولايتي جوبالاند وبونتلاند، «تعكس تحديات بنيوية في النظام الفيدرالي الصومالي»، بحسب خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن هذا «اختبار حقيقي للنظام يحتاج حواراً وطنياً شاملاً، ووضوحاً في تعزيز الصلاحيات وتعزيز الثقة باتفاقات ملزمة».

ووسط اشتباكات مسلحة جارية، أعلنت حكومة ولاية «جنوب غرب» الصومال تعليق تعاونها مع الحكومة الفيدرالية.

وأفاد بيان صحافي صادر عن حكومة الولاية، الثلاثاء، بأن الحكومة الفيدرالية حشدت قواتها في مناطق الجنوب الغربي، وأن وزراء من الحكومة متورطون في الأحداث الجارية، مشيراً إلى أنهم لم يستجيبوا لمحاولات التواصل معهم.

بالمقابل، أكدت وزارة الشؤون الداخلية والفيدرالية الصومالية في بيان، الأربعاء، أن الحكومة الفيدرالية «ليست طرفاً في حالة عدم الاستقرار في بعض مناطق ولاية جنوب الغرب»، موضحة أن الحكومة «تعمل جاهدة لإنهاء النزاع وحل الخلافات عبر الحوار، حفاظاً على المكاسب التي تحققت في مكافحة الإرهاب».

وأدانت الحكومة الصومالية القرار الصادر عن رئاسة ولاية «جنوب الغرب» بتعليق التعاون معها، مؤكدة أن مؤسساتها تفي بالتزاماتها الدستورية والقانونية تجاه مناطق الولاية وسكانها، وفق بيان الوزارة.

ودعت الوزارة إدارة ولاية «جنوب الغرب» إلى مواصلة المشاركة في عملية المصالحة والديمقراطية، مطالِبة سكان الولاية بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يهدد الأمن والسلامة العامة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «منتدى الإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

وقال الخبير في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، إن تعليق ولاية «جنوب غرب» الصومال التعاون مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو «يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز مجرد خلاف إداري، ويعكس تحديات بنيوية في النظام الفيدرالي الصومالي».

ويضيف أن القرار يشير إلى أن العلاقة بين المركز والولايات لا تزال غير مستقرة، وأن الولايات بدأت تتصرف باستقلالية أكبر، ما قد يُضعف وحدة القرار الوطني، ويعكس أزمة ثقة حقيقية وعميقة، تتجلى في اتهامات متبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية.

يأتي هذا التطور وسط انخراط مقديشو في أزمات أخرى، بعضها عسكري وبعضها سياسي، كان أحدثها عدم اعتراف المعارضة بالدستور الجديد الذي أُقر مؤخراً وسط خلافات بشأن المسار السياسي المقبل، إلى جانب تصاعد المواجهات بين مقديشو و«حركة الشباب».

ويضاف لذلك أزمة اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي أرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط خلافات لم تنتهِ بين الحكومة الفيدرالية وولايتي جوبالاند وبونتلاند بشأن الصلاحيات.

وبحسب بري، فإن هذه الأزمة الجديدة توسع الخلافات داخل الصومال، وتؤكد على ضرورة العمل سريعاً لتسويتها، خاصة أن تداعياتها قد تخلق فراغات أمنية من الممكن أن تستغلها جماعات مثل «حركة الشباب»، وقد تُشتت الجهود العسكرية وتحولها إلى صراعات سياسية.

ويشير إلى إمكانية أن تشكل هذه الأزمة فرصة لإعادة التفاوض حول أسس النظام الفيدرالي «إذا تم التعامل معها بحكمة وإجراء حوار وطني شامل وواضح في توزيع الصلاحيات وتعزيز الثقة باتفاقات ملزمة بين الحكومة والولايات»، مؤكداً أن ما يحدث هو اختبار حقيقي لقدرة الصومال على إدارة نظامه الفيدرالي.


اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.