«هذه واحدة من مدن تشبه مقياس الحرارة. فهي تنتعش إذا كانت الأوضاع مستقرة، لكنها تنتكس إذا كانت الأحوال ليست على ما يرام، كما هي الحال اليوم». إنها مدينة السلوم، التي تقع على سفح تحت جبل على حدود مصر مع ليبيا، وتتبع إداريا لمحافظة مطروح. الرياح الجنوبية الحارة والمحملة بالغبار تضرب بقايا الأسواق الفارغة. شوارع مهجورة وبوابات أمنية، وجنود يدققون في هوية المسافرين خوفا من تسلل أي إرهابيين.
يقول العمدة شعيب بوالحنفة، أحد وجهاء القبائل في السلوم وفي مدينة براني المجاورة لها أيضا، إن محافظة مطروح «خالية من حواضن للمتطرفين، لكن بسبب الفوضى في ليبيا أصبح اقتصاد السلوم، للأسف، مدمرا». ومن جانبه يرى الخبير الاقتصادي الليبي عمرو فركاش أن حالة السلوم تنطبق، في الغالب، على مدن أخرى تقع على حدود ليبيا، وبعض مدن مصر وتونس، مثل مدينة أمساعد الليبية في الشرق، ومدينة جربة التونسية في الغرب.
وزاد تنظيم داعش من تعقيد الأمور في ليبيا وبعض دول شمال أفريقيا، حيث انهارت عدة أسواق ونزحت ألوف العائلات بحثا عن ملاذ آمن. ومن بينهم تاجر أقمشة من مدينة الإسكندرية كان يدير عملية تصدير واستيراد بين مصر وليبيا انطلاقا من السلوم، بيد أنه اضطر إلى إغلاق مكتبه وتغيير وجهة تجارته إلى القاهرة، بعد أن كان يستورد من ليبيا الملابس التركية لصالح تجار تجزئة داخل مصر، ثم يقوم بتصدير فرش البيوت إلى الليبيين.
لكن هذا الوضع لم يمنع من ظهور تجارة أخرى. وبهذا الخصوص يقول الخبير فركاش: «لقد انتعشت حركة تهريب الأسلحة والممنوعات، وفي المقابل تراجع نشاط تبادل السلع».
ووفقا لتقارير تخص النشاط على الحدود، فقد سجلت السلطات الجزائرية نحو عشرة آلاف قضية تجارة أسلحة خلال السنوات الخمس الأخيرة، كان العدد الأكبر منها على الحدود مع ليبيا وتونس. كما أثرت الفوضى الليبية على مصر بشكل سلبي بسبب تهريب الأسلحة أيضا. أما تسلل المتطرفين وتهريب الأسلحة على الحدود مع تونس، فحدث ولا حرج. وفي هذا الإطار يشير فركاش إلى أن الانفلات الأمني جعل أي خطوة على الحدود تخضع لحسابات دقيقة، سواء بين مصر وليبيا، أو بين ليبيا وتونس، والمثال على ذلك فقد كان هناك تجار ليبيون يعتمدون على السوق التونسية، لكن هذا أصبح من الماضي. وفي هذا السياق يقول النائب عاطف مخاليف، وكيل لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري، إن «الحل يكمن في إيجاد بدائل» لحل مآسي المدن الحدودية المجاورة لليبيا.
ويؤكد فركاش أن مدينة السلوم تعرضت هي الأخرى لضربة أطاحت بأحلامها خلال السنوات الخمس الأخيرة، موضحا أنه «كان من الممكن أن تكون السلوم منطقة سياحية، خصوصا أن حركة الاستثمار السياحي في مصر يبدو أنها تتجه غربا، أي من مرسى مطروح حتى السلوم. ولو لم تقع أحداث 2011 لأصبحت منطقة البردي في ليبيا مع السلوم مقصدا سياحيا متكاملا، خصوصا أنه توجد مطارات وطرق جيدة في غرب مصر».
وينظر ابن السلوم إبراهيم الزوَّام، الوكيل السابق للمجلس المحلي بمحافظة مطروح، إلى مدينته باعتبارها سيئة الحظ. فقد عاشت المدينة بعدد سكانها الذي لا يزيد على عشرة آلاف نسمة، سنوات وهي تدفع ضريبة التقلبات السياسية. وحين غزا صدام حسين الكويت عام 1990 وقعت خلافات حول التعاطي مع القضية بين حسني مبارك ومعمر القذافي. وحينها دفعت السلوم الثمن عاليا، حيث اختفت شاحنات نقل البضائع بين البلدين، وتمكَّن الفقر منها لعدة أشهر.
ومنذ أواخر الثمانينات أرادت كثير من الدول العربية خوض تجربة التحالفات المستوحاة من «مجلس التعاون الخليجي» الذي تأسس في الرياض عام 1981. وكانت مصر قد بدأت تعود إلى الحظيرة العربية بعد سنوات من القطيعة بسبب اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب، وظهر للنور لأول مرة «مجلس التعاون العربي»، الذي يضم مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي حينذاك، وأعقبه «الاتحاد المغاربي» للدول العربية في شمال أفريقيا.
وهذا النوع من التحالفات، يقول فركاش، أدى في ذلك الوقت إلى انتعاش الأسواق وفتح آمالا جديدة في المستقبل، رغم أن «مجلس التعاون العربي» لم يستمر إلا بضعة أشهر بسبب غزو الكويت. ومع ذلك فتح التجار في ذلك الوقت أسواقا كبيرة، وبدأت عائلات تستوطن المدن الحدودية، ضمن زخم عام عن التكامل الاقتصادي العربي وخطط لفتح مدن حرة لتيسير التجارة، وجذب الاستثمار في الصناعة والسياحة. كما تأسست أسواق مثل «سوق ليبيا» شمال غربي مصر. وبهذا الخصوص يقول زكريا مريزيق، رجل الأعمال من أبناء السلوم، إنه منذ بداية التسعينات كان الكل يستثمر أمواله متطلعا إلى غدٍ جديد، وبدأت المنتجات تأتي للأسواق الحدودية من ليبيا ومن تونس والجزائر والمغرب، ومنها تنتقل إلى القاهرة. وفي المقابل أخذت منتجات مصرية طريقها إلى المغرب العربي، عبر مدن مرسى مطروح والسلوم وبراني.
لكن الفوضى التي تضرب ليبيا اليوم جعلت السلوم، مثل كثير من المدن الحدودية الأخرى بين ليبيا وجيرانها، تعاني في صمت، وكل يوم تهجرها عائلات، بعد أن كانت السلوم المطلة على خليج خلاب على البحر المتوسط، تعتمد اعتمادا كليا على التجارة العابرة بين الجانبين المصري والليبي، وكانت تنتظر المستثمرين العرب والخليجيين.
تقع السلوم على بعد نحو 720 كيلومترا شمال غربي القاهرة. وهي بلدة صحراوية تعتمد على مياه الأمطار في الزراعة والرعي، مثل غالبية البلدات الواقعة على الحدود مع ليبيا. وقد زاد سوء المناخ وندرة الأمطار في السنوات الأخيرة من معاناة السكان. وبينما تحولت التجارة إلى ملاذ في سنوات الجدب، أدت الفوضى في ليبيا إلى عرقلة هذا الخيار. ولذلك يعد معبر السلوم اليوم في حكم المنفذ «المغلق»، وبات يخضع المرور منه لإجراءات صارمة.
وحول هذا الوضع يقول العمدة بوالحنفة: «بغض النظر عن هذا، فمن المستثمر الذي يمكن أن يغامر ويضع أمواله في منطقة حدودية مهددة. حتى الناس بدأوا يهجرون المدينة، خصوصا بعد انتشار الأنباء عن نشاط الدواعش في ليبيا.. لقد كانت السلوم مهيأة لكي تصبح منطقة حرة ومدينة استثمارية عالمية».
ومثلما هي الحال بين سكان المدن الحدودية، تنتشر المصاهرة والامتدادات العائلية والقبلية بين جانبي البلدين. وقد كان هذا الواقع مصدرا لتيسير العلاقات السياسية والأمنية عبر الحدود، لكنه تحول بعد ثورات «الربيع العربي» إلى مصدر إزعاج للسلطات، خوفا من استغلال المجموعات المتطرفة لهذه العلاقات الاجتماعية في التسلل لتنفيذ أعمال إرهابية، كما حدث في تونس مؤخرا، مما أدى إلى تفكير السلطات هناك في بناء سياج عازل.
أما على الجانب المصري من الحدود، فقد كانت التجارة تنصب على المواد الغذائية. يقول محمود القناشي، وهو ناشط في مركز إعداد القادة بمطروح، إن شاحنات محملة بمنتجات مصرية كانت تستريح في السلوم، قبل عبور الحدود وهي محملة بالألبان والأرز والزيوت والعصائر ومواد البناء وغيرها.. «وهذا كان ينعش المصانع في مصر وينعش السلوم أيضا. لكن كل هذا اختفى الآن. نستطيع أن نقول إن السلوم تحتضر. وهذا ينطبق على حركة المسافرين أيضا».
ومقارنة بما كان عليه عدد الزوار في السابق، فإن الرقم اليوم يبدو ضئيلا للغاية. ويوضح الزوَّام قائلا إنه في السابق كان عدد المسافرين بين جانبي البلدين يصل إلى الآلاف يوميا، أما الآن فلا يزيد العدد عن عدة عشرات في اليوم، مشيرا إلى تأثر القطاع الخدمي في السلوم، نتيجة للواقع الجديد، موضحا أن «مكاتب الاستيراد والتصدير والمقاهي والفنادق وسيارات النقل، كلها شبه متوقفة.. وحتى عدد شاحنات مواد البناء القادمة من القاهرة تراجعت إلى حد كبير».
يجري تنظيم عملية السفر بين البلدين عبر منفذ السلوم، عن طريق كشوف خاصة تخضع لتدقيق أمني. وتقتصر الموافقات الأمنية على حالات حرجة تتطلب العلاج أو لأقارب على جانبي الحدود. ويقول بوالحنفة إن الكشف اليومي يضم 150 فردا على الأكثر من أبناء محافظة مطروح، ومثلهم من ليبيا، و«تكون لحالات استثنائية مثل زيارات عائلية أو علاج أو حضور مراسم زفاف أو مآتم أو حل مشكلات قبلية».
ومن جانبه، يضيف النائب مخاليف أنه في حالة مدينة السلوم فإنه لا بد من تنشيط السياحة الداخلية والتجارة المحلية واستزراع الأراضي بالمياه الجوفية، بالإضافة إلى تحريك الاستثمار العقاري، مشيرا إلى أن المشكلة لم تتأثر بها المدن الحدودية فقط، لكن «مصر كلها تأثرت بسبب القوى العاملة التي كانت تعتمد على السوق الليبية».
الفوضى الأمنية تقود مدنًا حدودية مع ليبيا إلى الاحتضار البطيء
أسواق السلوم التي كانت تعج بالرواج أصبحت فارغة.. وانتعشت فيها حركة تهريب الأسلحة والممنوعات
منظر لمدينة السلوم التي تحولت إلى مؤشر على تدهور حركة التجارة والسفر بين ليبيا وجيرانها («الشرق الأوسط»)
الفوضى الأمنية تقود مدنًا حدودية مع ليبيا إلى الاحتضار البطيء
منظر لمدينة السلوم التي تحولت إلى مؤشر على تدهور حركة التجارة والسفر بين ليبيا وجيرانها («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







