استعدادات صحية ضرورية قبل السفر وأثناءه

جاء الصيف وحان وقت الرحلة

استعدادات صحية ضرورية قبل السفر وأثناءه
TT

استعدادات صحية ضرورية قبل السفر وأثناءه

استعدادات صحية ضرورية قبل السفر وأثناءه

في الوقت الذي لا تحتاج فيه الرحلات السياحية السريعة التي تستغرق أسبوعا أو أسبوعين إلى كثير من الاستعدادات الطبية، خصوصا إذا كانت لوجهات سفر قريبة، فإن السفر في رحلات تستغرق عدة أسابيع أو شهور أو تطوف وجهات كثيرة حول العالم يتطلب استعدادات طبية متعددة حتى يتجنب المسافر المتاعب أثناء سفره. ويتعين الاهتمام بالنواحي الصحية لدى السفر إلى وجهات سفر بعيدة تقع تحت مناخ استوائي في بيئات قد تكون أقل عناية صحية من بيئة بلد المسافر.
وليس من الضروري القلق على الصحة العامة قبل السفر، وإنما اتخاذ بعض الإجراءات الضرورية مثل التطعيم ضد الأمراض السائدة في وجهات السفر خصوصا لو كانت استوائية، ومراقبة قواعد النظافة العامة والحرص من بعض الأعراض التي ينبغي استشارة طبيب لدى حدوثها.
وتبدأ الاستعدادات الطبية للسفر بمراجعة طبيب قبل السفر بشهر للكشف على حالة الصحة العامة، وبعدها يمكن إجراء التطعيم اللازم. وبعض أنواع التطعيم لا يمكن تعاطيها في حالات تناول بعض العقاقير أو الإصابة بالبرد.
وبعد الطبيب والتطعيم قد يكون من الأفضل استشارة طبيب أسنان أيضًا قبل السفر، فلا أسوأ من التعرض لآلام الأسنان في بلد غريب. وعلاج الأسنان قبل السفر أرخص من قطع الرحلة والعودة للتخلص من آلام الأسنان.
ولمن يستخدم النظارات أو العدسات اللاصقة لا بد من توفير نظارة إضافية وعدد كاف من العدسات لفترة الرحلة. ويمكن زيارة طبيب العيون لترتيب ذلك قبل السفر بفترة. ومن الأفضل الاستعانة بنظارة طبية بالإضافة إلى العدسات اللاصقة حيث بعض الأجواء الحارة والمتربة لا تناسبها هذه العدسات. ويمكن للمسافر الاحتفاظ بنسخة من روشتة العيون معه ضمن وثائق السفر لاستخراج نظارة طبية في حالات فقدان النظارة الأصلية.
وللمسافرين في رحلات طويلة حول العالم لا بد من حمل بعض المعلومات الضرورية التي تصلح في أوقات الطوارئ ومنها أقارب يمكن الاتصال بهم عند الحاجة، وفصيلة الدم، وأنواع الحساسية التي قد يعاني منها المسافر، والأمراض المستعصية التي قد يعاني منها المسافر ورقم هاتف طبيبه الخاص ومعلومات وثيقة التأمين الصحي بالإضافة إلى لائحة الأدوية التي يتعاطاها المسافر.
ومن السهل تعاطي التطعيم اللازم في العيادات الطبية المتخصصة التي توفر اللقاحات اللازمة لكل منطقة أو دولة في العالم. وتمنح هذه العيادات شهادات تطعيم تكون لازمة عند السفر إلى بعض الدول الأفريقية أو اللاتينية. ولا بد من ذكر وجهات السفر بدقة وفترات الإقامة في هذه المناطق. ومن الضروري اتخاذ الاحتياطات اللازمة من مرض الملاريا في الدول التي ينتشر فيها. وفي حالات الحاجة إلى تناول حبوب مضادة للملاريا، يجري تناول هذه الحبوب قبل السفر بفترة طويلة حتى يكتمل مفعولها عند السفر.
ويحتاج بعض أنواع التطعيم إلى ثلاث جرعات على فترة ستة أشهر، ولذلك قد تمتد فترة الاستعدادات الطبية إلى شهور قبل السفر وليس أسابيع. وأحيانا لا يمكن تلقي التطعيم لأكثر من مرض في وقت واحد. كما لا يجب تلقي التطعيم بالجملة لكل الأمراض لأن لهذا تأثيره السلبي على الجسم.
وبالطبع لا يقي التطعيم ضد كثير من المخاطر وأنواع العدوى الأخرى، فهو لا يمثل وقاية ضد الإيدز أو أنواع الحساسية أو بعض الأمراض المستوطنة مثل البلهارسيا وفيروس «سي». وكل من هذه الأخطار تتطلب نوعا مختلفا من الوقاية. وفي حالة البلهارسيا مثلا يتعين تجنب الخوض في المياه الراكدة مثل الترع والقنوات، بينما يجب تجنب عدوى فيروس هيباتايتاس سي الذي ينتقل عن طريق الدم بتجنب الحقن غير المعقمة وحلاقة الشعر ومعاودة بعض عيادات الأسنان في المناطق الموبوءة.
اللياقة البدنية تلعب دورا في الحفاظ على الصحة أثناء السفر. وفي كل الحالات يفرض السفر أعباء جسمانية على المسافر لا يتعرض له في حياته العادية، ولذلك فمن الأفضل الاستعداد لأعباء السفر بإجراء بعض التمرينات الرياضية لزيادة اللياقة حتى ولو كان ذلك برياضة المشي لفترات محدودة يوميًا.
ويمكن إعداد حقيبة إسعافات أولية للاستعانة بها أثناء السفر، ويجب أن تحتوي على عدة لوازم ضرورية مثل كريم مضاد لحروق الشمس وآخر مضاد للدغ الحشرات وسوائل مطهرة ولواصق (بلاستر) للجروح، وبعض الأدوية الأساسية مثل الأسبرين وأقراص ضد الإسهال.
وفي حالة تناول أدوية دورية مثل أقراص ضغط الدم لا بد من الاحتفاظ بها في حقيبة اليد أثناء السفر الجوي، لتجنب المتاعب في حالات فقدان الحقائب أو تأخر وصولها. ولكن السوائل والأدوات الحادة لا بد أن تدخل ضمن حقائب الشحن حيث يمنع حملها على الطائرات ضمن إجراءات الأمن. وفي كل الحالات لا بد من حمل الروشتة الطبية حتى يمكن الحصول بها على بدائل للأدوية في حالات الطوارئ.
من المخاطر التي يتعرض لها المسافرون جوًا لفترات تزيد عن ثماني ساعات خطر الإصابة بتجلط الدم في الساقين، وهي تزيد في حالات المسافرين الذين عانوا منها من قبل أو النساء الحوامل أو اللاتي يتناولن حبوب منع الحمل أو المدخنين. وفي هذه الحالات يجب استشارة الطبيب قبل السفر حيث يمكن تلقي بعض الأدوية التي تمنع هذه الحالة. ومن أجل المزيد من الوقاية لا بد من تناول كثير من السوائل أثناء السفر الجوي وارتداء ملابس فضفاضة وإجراء بعض التمرينات أو المشي داخل الطائرة أثناء السفر كل عدة ساعات.
وأثناء السفر لا بد من الوقاية ضد الأخطار العامة مثل ضربات الشمس التي تحتاج إلى كريم مضاد للشمس والتعرض التدريجي لها. كما يتعين حمل سائل رش مضاد للحشرات والبعوض.
من الحالات السائدة بين المسافرين أيضًا التسمم الغذائي والنزلات المعوية وهي ناتجة عن أطعمة أو مشروبات غير نظيفة.
وللتأقلم على متاعب فروق التوقيت (Jet Lag) يجب الالتزام بتوقيت جهة الوصول فور ركوب الطائرة وتناول الطعام أو النوم بما يتناسب مع جهة الوصول.
والنصيحة العامة في هذه الحالات هي تناول مشروبات معقمة مثل زجاجات المياه المعدنية وعلب العصير المغلقة وعلب المشروبات الغازية وتجنب مياه الصنبور والعصائر غير المعقمة. ويمكن تناول المشروبات الساخنة مثل الشاي والقهوة لأن المياه التي تحضر بها تكون مغلية. ولا يجب إضافة أي ثلج للمشروبات، لأنه محضَّر من مياه صنابير وقد يحمل ميكروبات.
من ناحية الطعام يمكن الاعتماد على الطعام المطهي وتجنب الأطعمة غير المطبوخة والسلطات. وفي الأجواء الحارة يجب تجنب الأطعمة التي تترك لفترة في درجة حرارة الغرفة خصوصا الأطعمة البحرية التي تفسد بسرعة. أما الفواكه، فيمكن تناولها بعد غسلها جيدا والأفضل تناول الأنواع التي يمكن تقشيرها مثل الموز والبرتقال والمانجو. أيضًا يجب تجنب الأطعمة التي تباع في الشوارع.
ولا يجب الوثوق دائما في المطاعم أو الفنادق حيث يمكن أن يفسد الطعام أثناء فترة إعداده. وقد نشر الإعلام كثيرًا من حالات التسمم الجماعي في فنادق راقية وأحيانا في سفن الكروز أيضًا، وهي من أرقى مستويات الإقامة.
وبصفة عامة لا بد من تناول الوجبات الطازجة التي تطبخ وتقدم فورا وتكون ساخنة جدا عند تقديمها. من ناحية أخرى يجب العناية بالنظافة الشخصية بغسل اليدين قبل تناول الطعام.
من أبسط الإجراءات الأخرى للحفاظ على الصحة العامة أثناء السفر اتخاذ الاحتياطات الأساسية التي يتبعها المسافر في بلد إقامته مثل ارتداء أحزمة الأمان عند قيادة أو ركوب السيارات واتباع إرشادات السلامة والملابس الواقية عند القيام بنشاطات معينة مثل ركوب الدراجات أو الغوص أو الطيران الشراعي. وبصفة عامة يجب عدم الإقبال على مخاطر غير ضرورية، والعناية بالصحة العامة من أجل سفر ممتع.
وتنصح مصادر طبية رسمية بأن يتجنب المسافرون التعرض لضربات الشمس لأنها من أكثر الإصابات انتشارا بين السياح المسافرين صيفًا. وتشمل النصيحة تجنب التعرض لأشعة الشمس بين الحادية عشرة صباحا والثالثة عصرا، واستخدام كريم الحماية وتغطية الرأس والكتفين.
لدى السفر إلى بعض الدول، مثل الولايات المتحدة، يكون المسافر مسؤولاً عن جميع تكاليف علاجه في المستشفيات، ولذلك لا بد من استخراج وثيقة تأمين صحي قبل السفر. ويمكن لوكالة السفر أن توفر مثل هذه الوثيقة ضمن وثائق السفر الأخرى مثل تذاكر الطائرة ووثائق الإقامة في الفنادق.
ووفقًا للإحصاءات يتعرض ربع عدد السياح سنويا إلى متاعب صحية. ومن أبرز المتاعب التي يتعرض لها المسافرون بعد الوصول إلى جهة السفر هي ضربات الشمس والإسهال والنزلات المعوية ولدغات البعوض. وأهم ما يمكن للسياح القيام به فور الوصول هو تنظيم روتين معين لنشاطات اليوم يمكن من خلاله تجنب ضربات الشمس والاهتمام بنوعيات الطعام والشراب التي تجنبهم متاعب الجهاز الهضمي.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.