على الرغم من أن الشاعر يكتب قصيدة نثر، إلا أن ثمة شغفا بفكرة الموسيقى في بنيتها العروضية التقليدية
يهيمن الحب على أجواء ديوان «قمر مفاجئ» للشاعر وليد الخشاب، الصادر حديثا عن دار شرقيات بالقاهرة. ويتجسد هذا الحب بكل تداعياته الإنسانية والمعرفية في إيقاع شعري خاطف، وعبر علامات ودلالات واخزة، تشير إلى أمكنة وأزمة وشخوص ووقائع، لها حضور خاص وفاعل في مرايا الحب المتقلبة، وفي ذاكرة الشاعر نفسه.
ستة عناوين رئيسية ينضوي تحتها الديوان، ونصوص قصيرة لا تتجاوز بضعة أسطر، وأحيانا تأخذ سمتا تلغرافيًا، في سطر واحد، أو اثنين على الأكثر، مثل «دم الزهرة تبَسْمُ شهيد» و«عيناك لا تنطقان إلا عن الهوى» «الكلمات لا ظل لها».. ما يذكرنا بلطشات الفرشاة الارتجالية فوق مسطح اللوحة. وتوسع حالة من السفر الرومانتيكية الخفيفة بين العناصر والأشياء من كينونة فعل الحب نفسه، باعتباره كائنا لطيفا يملك القدرة على مشاكسة الأشياء والعناصر بمحبة خاصة، بينما تومض المرأة وتتخفى في غلالة من المرايا، تراوغ ذاكرة النص، وما ينعكس على صفحته من غبار السنين، ورذاذ العاطفة والذكريات، كأن الأنثى هي أول الحلم، وآخره، مثلما يقول الشاعر في هذا النص:
«أقفلتِ باب الأحلام
وصففتِ آخر حلم
ليس أمامنا إلا الحائط الأبيض
في أقصى الغرفة».
صورة مشهدية يختلط فيها فضاء الحلم باللون، وفي حيز مكاني خاص يوحي بالدفء، ويشف عن استعارات لغوية شيقة، مشرّبة أحيانا بعناصر من مشاهد الطبيعة الحية، على شكل نباتات وزهور وطيور وحيوانات أليفة، تدخل بحيوية في نسيج النص، وتضفي عليه رائحة خاصة.. وهو ما يتجسد على هذا النحو:
«هنا قطٌ
بين أحضانك
صبَّ الغزالَ في عينيك
قطٌ بلون الكحل
سكب نظرته الأبدية على الصمت
فابتسمتِ».
ويراوغ الشاعر فكرة الإيقاع في الديوان. وعلى الرغم من أنه يكتب قصيدة نثر، إلا أن ثمة شغفا بفكرة الموسيقى في بنيتها العروضية التقليدية، لكن هذه المراوغة تظل محدودة في دائرة هذا الشغف، لا تذهب أبعد من معارضات ضمنية عفوية لشذرات شهيرة من تراث الشعر العربي، مثل قوله: «الليل والإسفلت والأشجار تعرفكِ.. والرمح والجرنال والبراد والقلم»، وذلك على غرار بيت المتنبي الشهير «الخيلُ والليل والبيداء تعرفني.. والسيفُ والرمح والقرطاس والقلم».
لكن هذه الشغف بالإيقاع فتح الطريق لبدائل موسيقية أخرى في الديوان، من أبرزها فكرة التنغيم، وذلك باللعب على حروف معينة، ذات جرس ورنين واضحين، وكذلك استخدام التقفية الداخلية الخافتة بديلا لفكرة القافية بنسقها التقليدي الصاخب.. مثل قوله:
«تبسمْ للقمح وللقمر
وابنِ للأمل هرما وهرمين
غنِّ للنجم واهتف
وارفع علما وعلمين
كن مع الناس واحمد الثورة حمدا وحمدين».
يبرز التنغيم هنا عبر فكرة الإصاتة المقطعية، بالاتكاء على بنية المثنى المجرور، بينما تبرز في المقطع التالي في ظل قافية داخلية لها طابع الهمس، وذلك في قوله:
«الهند امرأة
وأنتِ يا ناهد هندُ
وثوبك الأسودُ
ووشاحك الأملسُ
وشفاهك وعدُ».
أيضا، لا ينفصل هذا الشغف بالموسيقى عن عالم الرؤية في الديوان، وما تشي به من لعب آخر على المضمون، ومحاولة تفكيكه وجره إلى منعطف إنساني أكثر إثارة للأسئلة وإعادة النظر والتأمل. لذلك؛ ثمة انفتاح دائما في أغلب نصوص الديوان على طاقة الاحتمال، باعتبارها تنطوي على وشاية بيقين ناقص، أو مبتور، أو مشوّه، يحتمل التشكّل على أوجه متعددة؛ ما يتيح حيوية لافتة في بنية الصورة الشعرية، حتى وهي ترتمي بين قوسي يقين له دلالة محددة، يظل هذا اليقين معلقا باحتمال ما.. مثل قول الشاعر موجها خطابه لحبيبته، حيث تختلط القبلة بالثورة، برشفات وجود، مفتقد الامتلاء الكامل بذاته:
«أقبلك نصف قبلة
تليق بنصف ثورة
نصف حب
لنصف امرأة
نصف عام
تاريخ كامل من أنصاف الاحتمالات».
كما تتكثف هذه الاحتمالية عبر استخدام سلس وتلقائي لبنية المفارقة، وما تطوى عليه من تشتيت للمعنى المألوف، وكسر دلالته المباشرة، عبر جمل شعرية، تنطوي على حسية ما، مشرّبة أحيانا بوخزات تومض فيها روح السخرية والتهكم، من قبيل: «ذلك الحذاء الإيطالي، أدس قدمي فيه، فأطير إلى البندقية»، أو «منسوب الرومانسية انخفض، بزوال سينما الدرجة الثالثة» أو «لم أعد أعرف كيف أقول أحبك، وقد مضى عهد الأبيض والأسود»، وغيرها من الصور.
إن هذه الجمل الشعرية الخاطفة لا تتخلى عن حمولاتها الفكرية، أو وقعها المتخيل، خاصة في الذاكرة الشعبية، لكن وجودها في نصوص الديوان يضيف إلى هذه الحمولة إحساسا آخر بها، غالبا ما يتسم بالمفاجأة، حتى ولو انعكست هذه المفاجأة في شكل قمر، كما يشي عنوان الديوان اللافت.
9:11 دقيقه
حالة شعرية خاطفة على مفترق طرق
https://aawsat.com/home/article/658201/%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%A7%D8%B7%D9%81%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D9%82-%D8%B7%D8%B1%D9%82
حالة شعرية خاطفة على مفترق طرق
وليد الخشاب.. يقلّب مرايا الحب في «قمر مفاجئ»
غلاف المجموعة
- القاهرة: جمال القصاص
- القاهرة: جمال القصاص
حالة شعرية خاطفة على مفترق طرق
غلاف المجموعة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





