حالة شعرية خاطفة على مفترق طرق

وليد الخشاب.. يقلّب مرايا الحب في «قمر مفاجئ»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

حالة شعرية خاطفة على مفترق طرق

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

على الرغم من أن الشاعر يكتب قصيدة نثر، إلا أن ثمة شغفا بفكرة الموسيقى في بنيتها العروضية التقليدية
يهيمن الحب على أجواء ديوان «قمر مفاجئ» للشاعر وليد الخشاب، الصادر حديثا عن دار شرقيات بالقاهرة. ويتجسد هذا الحب بكل تداعياته الإنسانية والمعرفية في إيقاع شعري خاطف، وعبر علامات ودلالات واخزة، تشير إلى أمكنة وأزمة وشخوص ووقائع، لها حضور خاص وفاعل في مرايا الحب المتقلبة، وفي ذاكرة الشاعر نفسه.
ستة عناوين رئيسية ينضوي تحتها الديوان، ونصوص قصيرة لا تتجاوز بضعة أسطر، وأحيانا تأخذ سمتا تلغرافيًا، في سطر واحد، أو اثنين على الأكثر، مثل «دم الزهرة تبَسْمُ شهيد» و«عيناك لا تنطقان إلا عن الهوى» «الكلمات لا ظل لها».. ما يذكرنا بلطشات الفرشاة الارتجالية فوق مسطح اللوحة. وتوسع حالة من السفر الرومانتيكية الخفيفة بين العناصر والأشياء من كينونة فعل الحب نفسه، باعتباره كائنا لطيفا يملك القدرة على مشاكسة الأشياء والعناصر بمحبة خاصة، بينما تومض المرأة وتتخفى في غلالة من المرايا، تراوغ ذاكرة النص، وما ينعكس على صفحته من غبار السنين، ورذاذ العاطفة والذكريات، كأن الأنثى هي أول الحلم، وآخره، مثلما يقول الشاعر في هذا النص:
«أقفلتِ باب الأحلام
وصففتِ آخر حلم
ليس أمامنا إلا الحائط الأبيض
في أقصى الغرفة».
صورة مشهدية يختلط فيها فضاء الحلم باللون، وفي حيز مكاني خاص يوحي بالدفء، ويشف عن استعارات لغوية شيقة، مشرّبة أحيانا بعناصر من مشاهد الطبيعة الحية، على شكل نباتات وزهور وطيور وحيوانات أليفة، تدخل بحيوية في نسيج النص، وتضفي عليه رائحة خاصة.. وهو ما يتجسد على هذا النحو:
«هنا قطٌ
بين أحضانك
صبَّ الغزالَ في عينيك
قطٌ بلون الكحل
سكب نظرته الأبدية على الصمت
فابتسمتِ».
ويراوغ الشاعر فكرة الإيقاع في الديوان. وعلى الرغم من أنه يكتب قصيدة نثر، إلا أن ثمة شغفا بفكرة الموسيقى في بنيتها العروضية التقليدية، لكن هذه المراوغة تظل محدودة في دائرة هذا الشغف، لا تذهب أبعد من معارضات ضمنية عفوية لشذرات شهيرة من تراث الشعر العربي، مثل قوله: «الليل والإسفلت والأشجار تعرفكِ.. والرمح والجرنال والبراد والقلم»، وذلك على غرار بيت المتنبي الشهير «الخيلُ والليل والبيداء تعرفني.. والسيفُ والرمح والقرطاس والقلم».
لكن هذه الشغف بالإيقاع فتح الطريق لبدائل موسيقية أخرى في الديوان، من أبرزها فكرة التنغيم، وذلك باللعب على حروف معينة، ذات جرس ورنين واضحين، وكذلك استخدام التقفية الداخلية الخافتة بديلا لفكرة القافية بنسقها التقليدي الصاخب.. مثل قوله:
«تبسمْ للقمح وللقمر
وابنِ للأمل هرما وهرمين
غنِّ للنجم واهتف
وارفع علما وعلمين
كن مع الناس واحمد الثورة حمدا وحمدين».
يبرز التنغيم هنا عبر فكرة الإصاتة المقطعية، بالاتكاء على بنية المثنى المجرور، بينما تبرز في المقطع التالي في ظل قافية داخلية لها طابع الهمس، وذلك في قوله:
«الهند امرأة
وأنتِ يا ناهد هندُ
وثوبك الأسودُ
ووشاحك الأملسُ
وشفاهك وعدُ».
أيضا، لا ينفصل هذا الشغف بالموسيقى عن عالم الرؤية في الديوان، وما تشي به من لعب آخر على المضمون، ومحاولة تفكيكه وجره إلى منعطف إنساني أكثر إثارة للأسئلة وإعادة النظر والتأمل. لذلك؛ ثمة انفتاح دائما في أغلب نصوص الديوان على طاقة الاحتمال، باعتبارها تنطوي على وشاية بيقين ناقص، أو مبتور، أو مشوّه، يحتمل التشكّل على أوجه متعددة؛ ما يتيح حيوية لافتة في بنية الصورة الشعرية، حتى وهي ترتمي بين قوسي يقين له دلالة محددة، يظل هذا اليقين معلقا باحتمال ما.. مثل قول الشاعر موجها خطابه لحبيبته، حيث تختلط القبلة بالثورة، برشفات وجود، مفتقد الامتلاء الكامل بذاته:
«أقبلك نصف قبلة
تليق بنصف ثورة
نصف حب
لنصف امرأة
نصف عام
تاريخ كامل من أنصاف الاحتمالات».
كما تتكثف هذه الاحتمالية عبر استخدام سلس وتلقائي لبنية المفارقة، وما تطوى عليه من تشتيت للمعنى المألوف، وكسر دلالته المباشرة، عبر جمل شعرية، تنطوي على حسية ما، مشرّبة أحيانا بوخزات تومض فيها روح السخرية والتهكم، من قبيل: «ذلك الحذاء الإيطالي، أدس قدمي فيه، فأطير إلى البندقية»، أو «منسوب الرومانسية انخفض، بزوال سينما الدرجة الثالثة» أو «لم أعد أعرف كيف أقول أحبك، وقد مضى عهد الأبيض والأسود»، وغيرها من الصور.
إن هذه الجمل الشعرية الخاطفة لا تتخلى عن حمولاتها الفكرية، أو وقعها المتخيل، خاصة في الذاكرة الشعبية، لكن وجودها في نصوص الديوان يضيف إلى هذه الحمولة إحساسا آخر بها، غالبا ما يتسم بالمفاجأة، حتى ولو انعكست هذه المفاجأة في شكل قمر، كما يشي عنوان الديوان اللافت.



صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».


سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية
TT

سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون، وذلك بفضل الدعم المالي من راعيته وملهمته الأميركية ماري هاسكل. وشكلت هذه الرحلة المنعطف الأبرز في مسيرته الروحية والفنية، إذ تحول من فنان هاوٍ يعتمد كلياً على موهبته الفطرية، إلى رسام محترف يمتلك رؤية رمزية عميقة. وهناك صقل مهاراته في الرسم بالألوان الباستيلية والزيتية. تشبع جبران بالمدارس الفنية والفلسفية في عاصمة النور؛ فانبهر بلوحات يوجين كارير الرمزية، واكتشف فن ويليام بليك، كما اطلع على أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي تركت أثراً بالغاً على كتاباته اللاحقة. ورغم تأكيده على تأثره العميق بالنحات أوغست رودان الذي التقاه ورسم له بورتريه بالقلم الرصاص ضمن سلسلة وجوه لعدة فنانين، إلا أنه لم تجمعهما علاقة شخصية وطيدة.

ما إن وطئت قدما جبران أرض باريس، حتى أُسر بمشهدها الثقافي. واختار السكن في حي مونبارناس الذي كان يُعرف بكونه ملتقى للفنانين والمبدعين، واستقر تحديداً في 14 شارع مين. وهناك، انخرط بشكل مكثف في دراسته؛ فالتحق بـ«مدرسة الفنون الجميلة» وأكاديمية «جوليان» لتعلم أصول الرسم الأكاديمي والنحت وتدريب عينه على المنظور والتشريح. غير أن جبران سرعان ما شعر بالغربة إزاء التعليم الأكاديمي الصارم، فترك الأكاديمية لينتقل لاحقاً إلى أكاديمية «كولاروسي» بحثاً عن بيئة فنية أكثر حريةً وتجريبيةً. في تلك الأجواء، تأثر بشدة برواد الرمزية، لا سيما الرسام الفرنسي أوجين كاريير الذي استلهم منه الأسلوب الضبابي، وتأثر بالعمق الروحي لأعمال ليوناردو دافنشي، كما تدرب على يد النحات العالمي أوغست رودان الذي ترك أثراً مباشراً في تعزيز ثقة جبران بفنه وتطوير رؤيته.

شهدت إقامة جبران نشاطاً مكثفاً؛ فقد شارك في «معرض الربيع» - أكبر تظاهرة فنية آنذاك - بلوحة زيتية عنوانها «الخريف» لفتت انتباه رودان. كما بدأ مشروعه الفني في رسم وجوه كبار أعلام الفكر والأدب، وتُوجت جهوده بدعوته رسمياً لعرض لوحاته في «معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة». ولم يقتصر إبداعه على الرسم؛ إذ شهدت سنواته الباريسية إصدار كتابه الشهير «الأرواح المتمردة» عام 1908، الذي أحدث ضجة دينية وسياسية واسعة في الشرق.

في وقت لاحق، جاب جبران شوارع لندن بصحبة الكاتب أمين الريحاني، وتقاسما ذكريات الحنين إلى لبنان والانخراط في القضايا الاجتماعية. وفي يونيو (حزيران) 1909، تلقى جبران نبأ وفاة والده، وما خفف من وطأة حزنه إدراكه أن والده باركه قبل رحيله متخلياً عن طباعه الاستبدادية.

حلم يتحقق في «القصر الصغير»

تميزت إقامة جبران بنضج فني كبير، تجلى في رؤيته الرمزية للجسد البشري والطبيعة، وهو التحول الروحي والفلسفي الذي مهد لولادة رائعته الأدبية «النبي» لاحقاً. تُوجت هذه المرحلة بقبول لوحته «الخريف» في معرض الجمعية الوطنية للفنون الجميلة عام 1910، ودعوته للمشاركة بست لوحات في معارض مرموقة أخرى.

«إن من أعز أحلامي هو هذا: في مكان ما، تُعلّق مجموعة من أعمالي، لعلها خمسون أو خمس وسبعون لوحة، معاً في مدينة كبرى، حيث يراها الناس، وربما يحبونها». بهذه الكلمات عبّر جبران عن أعمق أمنياته، وهو الحلم الذي تحقق في الأول من مارس (آذار) عام 2018. فبفضل جهود سينتيا سركيس بيروس (عبر مؤسستها Luxury Limited Edition)، نُظم معرض «حياة جبران» في «القصر الصغير» (Petit Palais) بباريس، تلاه حفل عشاء فخم. سلط المعرض الضوء على النزعة الصوفية في أعماله وشغفه بأسرار الأديان، مجسداً مقولته: «الفن خطوة من المألوف والمعلوم، نحو الخفي والمجهول». وقد رأى هذا الحدث النور بدعم من الراعي أندريه جورج إيليوفيتس، و«لجنة جبران الوطنية» التي ساهمت في إبرازه للعالم كفنان تشكيلي وليس ككاتب فحسب.

التحولات الفنية

كانت باريس نقطة التحول التي نقلت جبران من الهواية إلى الاحتراف الفني، حيث انفتح على آفاق فلسفية أعادت صياغة رؤيته للكون والإنسان. تأثر بالنزعة الصوفية على يد أستاذه في «أكاديمية جوليان» بيير مارسيل بيرونو، وتشرب نظرية «الدفعة الحيوية» للفيلسوف هنري برجسون، وأعاد اكتشاف الرومانسية الفرنسية (روسو وهوغو). كما تأثر بشدة بالنحات أوغست رودان وطريقته الدرامية في تعبير الأجساد، حتى إن رودان شبّهه بالشاعر والفنان البريطاني وليم بليك.

وقد شهدت هذه المرحلة ولادة مجموعة من أبرز أعماله التي عكست نضجه الرمزي والتعبيري، كما في لوحة «الخريف»، وهي عمل زيتي يفيض بالشاعرية والشجن، استخدم فيه جبران درجات الألوان الترابية والدافئة ليعكس ذبول الطبيعة وتداخلها مع المشاعر الإنسانية، مجسداً فكرة الموت البطيء للطبيعة كمقدمة لولادة جديدة. وكذلك في سلسلة «الأرض والأم»، وضمت رسومات منفذة بالفحم والحبر الصيني، تصف أجساداً بشرية عارية وملتفة كالجذور لترمز إلى وحدة الوجود والاتصال الأنطولوجي بالأرض. شكلت هذه الرؤية البصرية الأساس الفني لرسوماته اللاحقة في كتاب «النبي»، وأيضاً في بورتريه الشاعر «أمين الريحاني»، الذي ركز فيه جبران على تصوير الهوية الروحية بدلاً من الملامح الدقيقة، مستخدماً الظلال القوية وضربات الفرشاة العريضة لإبراز عمق التفكير والنزعة المتمردة، مما جعله تجسيداً «للفكر الساكن في الجسد».

نجح جبران في عرض بعض هذه اللوحات في «صالون الفنون الجميلة» (Salon des Beaux-Arts) عام 1910، وهو إنجاز كبير لفنان قادم من الشرق آنذاك.

كانت مقاهي باريس وجسور نهر السين مسرحاً لنقاشات يومية عميقة بين جبران والريحاني حول الفن والدين. وعبر جبران عن ضيقه بالقيود الاجتماعية والدينية في العالم العربي، مبشراً بثورة روحية شكلت النواة الأولى لأفكاره التحررية الصادمة. هناك، اطلع جبران على الفلسفة الحديثة وأفكار نيتشه حول «الإنسان المتفوق»، التي ألهمته كتابة مؤلفات متمردة مثل «المواكب» و«العواصف». كما صقلت حرية العاصمة الفرنسية نزعته الكونية، فبدأ يرى الإنسانية ككل لا يتجزأ، ممهداً لولادة رائعته «النبي».

لعبت ماري هاسكل، مديرة المدرسة الأميركية التي تكبر جبران بأعوام، الدور الأبرز في تمكينه من خوض مغامرته الباريسية. فبفضل إيمانها المطلق بعبقريته الفنية، تحملت كافة نفقات سفره وإقامته؛ إذ تولت دفع تكاليف دراسته في «أكاديمية جوليان»، ووفرت له مخصصات شهرية ثابتة أتاحت له التفرغ الكامل للإبداع بعيداً عن شبح العوز الوشيك.

ذكريات يوسف الحويك

وثّق الفنان اللبناني يوسف الحويك في مذكراته تفاصيل الحياة اليومية لجبران، حيث تشاركا العيش في محترفات متواضعة بحيّ مونبارناس. اقتسم الصديقان قسوة الفقر والقروش القليلة لشراء الخبز وأدوات الرسم، وكان الحويك سنداً لجبران في لحظات كآبته وانعزاله. أما رفيق دربه الحويك، فقد اختار البقاء في باريس لفترة أطول لمتابعة صقل مهاراته في النحت الكلاسيكي قبل عودته لاحقاً إلى لبنان. ورغم الفراق الجغرافي الذي فرضه المحيط الأطلسي، لم ينقطع الرابط الروحي بين الصديقين؛ إذ ظلت رسائلهما المتبادلة تنبض بذكريات أيام الجوع والفن في حي مونبارناس، وهي الصداقة التي توجها الحويك لاحقاً بإصدار كتابه التوثيقي «ذكرياتي مع جبران». تجلى التباين الإبداعي بين الصديقين في طريقة التعامل مع المادة والفكرة؛ فكان جبران يمثل «الرسام الشاعر» الذي يغزل بالفحم والحبر والزيت خطوطاً انسيابية وأجساداً ضبابية تجسد الأفكار الميتافيزيقية بعيداً عن القيود المادية. في المقابل، كان الحويك يمثل «النحات الكلاسيكي» الذي يتعامل مع الصلصال والرخام، باحثاً عن الكتلة، والأبعاد، والتوازن التشريحي، ليركز على الواقعية المحكمة والقوة البدنية للأشكال.

نهاية الرحلة

بحلول خريف عام 1910، شعر جبران أنه استهلك ما يمكن لباريس أن تقدمه له من أدوات تقنية وتيارات فنية، وبات يمتلك الثقة الكاملة في هويته المستقلة بعد مشاركته الناجحة في «صالون الفنون الجميلة».

تزامن هذا النضج الفني مع اشتداد الأزمة المالية؛ فتكاليف الحياة المرتفعة في باريس ورغبة جبران في مساعدة رفاقه جعلت الميزانية تضيق، كما واجهت هاسكل بدورها ضغوطاً مادية في أعمالها التعليمية بأميركا. وبناءً على خطابات صريحة بينهما، اتفق الطرفان على أن الرحلة حققت أهدافها بصقل أدواته. أُضيف إلى ذلك رغبته الملحة في العودة لرعاية شقيقته «ماريانا» التي تُركت وحيدة في بوسطن، وقناعته بأن نيويورك هي الميدان الأرحب لطموحاته. وعليه، أرسلت له هاسكل ثمن تذكرة العودة عبر المحيط الأطلسي، ليغادر باريس في أكتوبر (تشرين الأول) 1910. عاد جبران إلى بوسطن، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً؛ إذ سرعان ما انتقل عام 1911 إلى المركز الثقافي الصاخب «نيويورك». هناك، استأجر محترفه الشهير الذي أطلق عليه اسم «الصومعة» (The Hermitage) في شارع غرب العاشر، وهو المكان الذي قضى فيه بقية حياته، وتحوّل إلى ملتقى للمفكرين والمهاجرين العرب، والشاهد الأول على كتابة روائعه الخالدة.

لم تنس فرنسا زيارة صاحب «النبي»، لذلك احتفت بعبقرية جبران إذ أطلقت العاصمة باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة، ليُعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران» (26 رصيف أندريه سيتروين سابقاً). وقد أشاد عمدة الدائرة، السيد فيليب غوجون، بهذا التكريم، معتبراً إياه احتفاءً بواحد من أبرز شخصيات العالم، وتكريماً لجذوره ووطنه لبنان.

لم تنس فرنسا جبران إذ أطلقت باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة لتعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران»


«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
TT

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها الإسكندرية، من نبرة عاطفية تجاه المدينة التي لا تخفي أنها «لا تحبها بالقدر الكافي»، ولا تعرفها خارج النطاق المحدود لتحركاتها اليومية.

إلا أن لقطة متحفية تقود الكاتبة إلى رحلة بحثية مفصلة، حين تستوقفها تماثيل «تناجرا» الصغيرة، المصنوعة من الطين المحروق، التي ازدهرت صناعتها في العصر الهلنستي، وحاكت في هيئاتها الدقيقة سيدات المدن اليونانية بملابسهن وتسريحات شعورهن... تقودها هذه التماثيل إلى تبني منظور جديد لمدينتها؛ فتنتقل من تأمل التماثيل الساكنة خلف الزجاج إلى «تحريكها» عبر سرد بحثي ذاتي، لتتخيل «تناجرا» رفيقات تخرج معها إلى الشوارع، وتقودها بين طبقات الإسكندرية وتاريخها وثقافتها.

ومن هذه المسافة المحايدة، التي لا تخلو من التخييل، تعيد الكاتبة بناء علاقتها بالمدينة، وتستعيد حياة غابت مبانيها وبقي أثرها في الكتب والتماثيل. وبينما تسير الرحلة إلى الوراء مع عقارب التاريخ، تمضي بها في الاتجاه المقابل وجدانياً؛ فكلما ابتعدت صوب الإسكندرية القديمة، اقتربت من مدينتها المعاصرة، لتتحوّل المسافة الأولى إلى مصالحة، ثم إلى شغف كبير بما اختفى من وجوهها، في استدعاء لظلال قسطنطين كفافيس ومدينته التي لا يتركها المرء خلفه، بل تظل تسكنه وتمضي معه أينما مضى.

«تناجرا» أمام «تناجرا»

تعود بداية الرحلة إلى زيارة «المتحف اليوناني الروماني» بالإسكندرية بعد إعادة افتتاحه، حين استوقفت الكاتبة، داخل القسم اليوناني، تماثيل «تناجرا»، التي حملت اسم مدينة في إقليم «بيوتيا» اليوناني بعدما عُثر على أعداد كبيرة منها في مقابر المنطقة خلال القرن التاسع عشر.

اختزنت تلك التماثيل في هيئاتها وثيابها جانباً من حياة النساء وحدود حركتهن داخل المجتمع اليوناني القديم؛ وكانت الإسكندرية أحد المراكز المهمة لصناعتها، فبدت التماثيل أقرب إلى شواهد صغيرة على نساء المدينة اللواتي غبن عن الروايات الكبرى للتاريخ، بينما بقيت ملامحهن وأزياؤهن ووقفاتهن محفوظة في الطين.

وأمام الخزانة شعرت عبد الله بأنها «تناجرا» أخرى؛ فالتماثيل مقيدة بثيابها وأعراف عصرها، بينما قيدت الكاتبة نفسها بإرادتها داخل دائرة محدودة من المدينة، عندئذ تتحوّل «تناجرا» من موضوع أثري إلى قرينة للكاتبة ومرشدة لها، وتتخيلها تطالب بالخروج من أسر خزانة المتحف الأثري إلى فضاء المدينة.

تحمل الكاتبة رفيقتها المتخيلة بين الأزمنة والأماكن، وتمنحها حرية حركة حُرمت منها نساء الإسكندرية القديمة، وفي الوقت نفسه تحرر ذاتها من المسافة التي قيّدت علاقتها بالمدينة المعاصرة.

«الأجورا» وخريطة المدينة

تحضر أنثوية الإسكندرية في الكتاب بوصفها زاوية للنظر إلى التاريخ، فالمؤلفة لا تكتفي بتتبع الملوك والحروب والمنشآت الكبرى، لكنها تبحث عن أثر الحياة اليومية: أين سكنت النساء؟ وما الأماكن التي أتيح لهن دخولها؟ وكيف تحركن في الشوارع والأسواق؟ وماذا تكشف ملابسهن وحليهن وهيئاتهن عن موقعهن داخل المجتمع؟

تصف عبد الله خطتها الأولى بأنها محاولة لـ«تأنيث المدينة»، أي التعرف إلى أماكن وجود النساء وحياتهن في الإسكندرية القديمة. لكن «تناجرا» المتخيلة تتمرد حتى على هذا الإطار؛ فلا تريد أن تظل أسيرة الأماكن التي سمح المجتمع القديم للنساء بدخولها، بل تطلب أن تمضي في المدينة كلها. وهكذا يتجاوز «تأنيث المدينة» مجرد إضافة النساء إلى التاريخ، ليعيد رسم الخريطة من منظور الحركة والغياب والحق في الوجود داخل الفضاء العام. يعزز ذلك أن الكتاب يعتمد على التفاصيل الصغيرة بوصفها منافذ إلى الصورة الكبرى، فتنتقل الكاتبة إلى طبيعة المجتمع وعاداته ومساحات الحرية المتاحة لأفراده.

تحتل فضاءات المدينة مكانةً مركزيةً في الرحلة، في مقدمتها «الأجورا»، السوق والساحة العامة في المدينة اليونانية، تقرأها عبد الله باعتبارها «غرفة المعيشة المركزية» للإسكندرية القديمة؛ مكاناً للتجارة والتجمع والتواصل والاحتفال، يكشف تصميمه أن العمارة لم تكن مباني جامدة، بل مسرح للحاجات والمشاعر الإنسانية.

ومن دلالة «الأجورا» تذهب الكاتبة إلى مصطلح «الأجورا فوبيا»، أو «رُهاب الخلاء» والأماكن العامة والحشود، في تقاطع بين المكان القديم والخبرة النفسية الحديثة، تجمع هذه المقاربة بين التاريخ المعماري والسؤال الإنساني الذي يحرك الكتاب، وهو كيف تؤثر المدينة في حركة ساكنيها وشعورهم بأنفسهم؟ ومن يملك حق التجول فيها، ومن يقف عند حوافها؟

إلى جوار «الأجورا»، يتطرق الكتاب إلى الحمامات والأسواق والبيوت والكرنفالات، وتقرأ الكاتبة الحمامات، مثلاً، بوصفها مساحة أنثوية كاشفة للذوق والحالة الاقتصادية والعادات الاجتماعية، وتتتبع استمرارها مكوناً رئيساً في الإسكندرية بعد الفتح العربي وخلال العصور الإسلامية اللاحقة.

مدينة من الشِعر

لا تقتصر استعادة الإسكندرية على عمرانها، إنما تمتد إلى ثقافتها ومزاجها الفكري والأدبي، ولذلك تستدعي عبد الله المكتبة القديمة والموسيقيين وشعراء المدينة وعلماءها ومعاركهم، لتستعيد من خلال ذلك الإسكندرية بوصفها مركزاً لإنتاج المعرفة والأشكال الأدبية، لا موقعاً للمباني الأثرية فقط.

ومن أبرز الوجوه التي تتوقف أمامها الشاعر كاليماخوس، أحد أبرز المعبّرين عن روح الشعر السكندري. تتبع مسيرته في المكتبة الكبرى، وانحيازه إلى الإيجاز والنبرة الفردية المبتكرة، وصراعه مع أبولونيوس الروديسي المتمسك بالنموذج الملحمي الهومري.

وتكشف هذه المعركة حيوية المجال الثقافي داخل المدينة؛ فالشعراء يتنافسون، والأشكال الأدبية تتغير، والمكتبة لا تختزن النصوص فحسب، بل تسهم في صناعة ذائقة جديدة. ومن المرثية إلى «الإيجراما» الموجزة، يطل المجتمع السكندري بما فيه من حب وحزن ومنافسات بلاطية ومديح للملوك ووصف لمعالم مثل الفنار.

يمتد الكتاب في رصد طبقات الإسكندرية منذ ما قبل تأسيسها، مروراً بحلم الإسكندر الأكبر، الذي تهدي إليه الكاتبة كتابها، ثم مراحل بناء المدينة وتوسعها، والفنار والمكتبة والحي الملكي والمساكن والمرافق والحياة الفكرية والدينية، وصولاً إلى تحولات العصرين الروماني والمسيحي، والفتح العربي وما أعقبه من تغيرات في هوية المدينة. ومن هذه الطبقات تجمع الكاتبة أجزاء مدينة اختفى معظمها تحت الماء أو التراب، وتحاول استعادتها لا بوصفها خريطة أثرية، بقدر ما هي مكان قابل للتخيّل والحياة.

ويكشف الكتاب أنه بخلاف القاهرة، التي ما زالت عصورها ماثلة في شوارعها ومبانيها، لا تقدم الإسكندرية حكايتها مباشرة، وإنما يستلزم الوصول إليها البحث في الكتب وشهادات المؤرخين وبقايا الآثار وأسماء المناطق؛ فهي مدينة لا يُعثر عليها دفعةً واحدةً، بل يعاد تركيبها من الشذرات.

فهكذا، يحمل عنوان «إسكندرية فين؟» سؤالاً يتجاوز البحث عن موضع المدينة القديمة تحت طبقات المدينة الحديثة؛ إنه سؤال عن اللحظة التي فقدت فيها الإسكندرية قدرتها على التعبير عن تاريخها، وعن المسافة بين صورتها الأسطورية وحاضرها، وكذلك عن موقع المدينة داخل وعي أبنائها. فالكاتبة التي بدأت رحلتها من الاعتراف بأنها لا تعرف الإسكندرية ولا تحبها بما يكفي، تكتشف أن المعرفة نفسها قد تكون طريقاً واسعاً للارتباط بها ومحبتها.