«المتحف الفلسطيني» يواجه الاعتراضات ويمضي قدمًا

عمر القطان: افتتحناه الآن لنواجه الإحباط ونبث الأمل في قلوب الشباب

أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان
أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان
TT

«المتحف الفلسطيني» يواجه الاعتراضات ويمضي قدمًا

أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان
أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان

بالانتقادات والاعتراضات تمت مواجهة «المتحف الفلسطيني» في بعض الصحف الغربية. وإن كان هذا طبيعيًا حين يتعلق الأمر بذاكرة شعب يتمنى له البعض لو يختفي أثره من الوجود، فإن المستغرب هو أن تشارك أصوات فلسطينية في حملة غير مبررة، لا حجة لها سوى الاعتراض على افتتاح المتحف قبل أن يصبح زاخرًا بالمقتنيات أو يتمكن من تنظيم معرض ما.
يستغرب رئيس فريق عمل المتحف عمر القطان من «حملة مغرضة وظالمة، لا تقدر الجهود التي بذلت، لإقامة هذا المتحف، وسط ظروف صعبة واستثنائية. فمجرد بناء متحف لفلسطين هو إنجاز، فما بالك حين يكون قطعة فنية في هندسته، على أرض، تعيش تحديات خاصة جدًا منذ أكثر من ستة عقود». لم يأت الافتتاح مصادفة ولا ضرب عشواء «قررنا أن نفتتحه في الوقت الحالي، لأن الظروف صعبة. ثمة إحباط ويأس، خصوصًا عند الشباب. هناك عدم ثقة بالأفق السياسي، مع انقسام عميق وحروب أهلية وتشرذم وتدمير ذاتي. ارتأينا، أن وجود مشروع جميل أمر يبعث على الأمل والتفاؤل». ويضيف القطان: «تفاجأنا بالهجوم وشراسته. نيويورك تايمز، مثلاً، رأت أننا، من خلال المتحف، نعكس الفشل العام الموجود في السلطة. هذا أمر غريب. إنه مشروع خاص لا علاقة للسلطة فيه. وقد تأخرنا في العمل بسبب عدم وجود مختصين، ولأن الشخص المسؤول لم يكن يقدم ما طلب منه، وما يرضي تطلعاتنا، وليس عيبًا أن نقول إننا أخطأنا في خيارنا، وعلينا أن نصحح الخطأ، وقمنا بتعيين مسؤول جديد هو محمود هواري، والعمل تتم متابعته، والمعارض ستأتي في الشهور المقبلة».
في الثامن عشر من مايو (أيار) الماضي، صار لفلسطين متحفها على أرضها، بالقرب من جامعة بيرزيت، على تلة مرتفعة مشرفة، تحيط به حدائق لا تقل أهمية في مهمتها التوثيقية للنباتات عن الغاية التي من أجلها أنشئ المتحف نفسه.
فكرة المتحف قديمة، تعود إلى عام 1997، يوم كان أعضاء مؤسسة «التعاون» يتشاورون حول الطريقة التي يمكن من خلالها إحياء ذكرى النكسة الـ98، وطرح إبراهيم أبو اللغد اقتراحًا بإنشاء نصب تذكاري، مما طرح نقاشات طويلة، وارتأى البعض يومها، أن يتم العمل على فكرة لا تعود إلى الماضي وتتوقف عند البكاء على الأطلال، وإنما تعيش الحاضر، وتضيء على المستقبل. وحين تبلورت فكرة المتحف، دبت الحيرة، حول المكان الأفضل لإقامته، هل في القدس؟ حيث يستحيل على أهل الضفة والشتات أن يزوروه؟ خصوصًا أن إسرائيل من المحال أن تسمح بإقامته على أراضي 48، كما أن دخول فلسطينيي 67 إلى تلك المناطق أصبح معقدًا جدًا إن لم يكن مستحيلاً بعد أوسلو، وتكاثف عدد الحواجز التي قطعت أوصال فلسطين. العمل فعليًا لم يبدأ إلا من ثلاث سنوات ونصف السنة، حيث تم استئجار أرض بالقرب من جامعة بيرزيت لمدة 99 سنة، وأطلقت مسابقة دولية لاختيار التصميم، فاز بها مكتب آيرلندي هو «هينفان بينغ».
«التكنولوجيا ساعدتنا، وانطلقنا من فكرة لها علاقة بالخيال العلمي» يقول عمر القطان، الذي يتحدث عن المتحف بحماسة من يرى فيه حلمًا تحقق، «قررنا في النهاية أن نقيم سفينة ترسو في مكان معين ولها أقمار وشراكات وفروع حول العالم. ففي سنتياغو مثلاً يوجد 400 ألف فلسطيني، هؤلاء يجب أن نصل إليهم، وأن نلم الشتات عبر فكرة المتحف الذي يخص كل فلسطيني في العالم». ويكمل القطان شرحه بالقول إن «المتحف الذي افتتح على بعد 25 كيلومترًا من القدس هو السفينة الأم، والأقمار الاصطناعية هي المعارض التي سنقيمها عبر شركائنا حول العالم، باسم المتحف، كان أولها هو الذي يقام حاليًا في بيروت للتطريز الفلسطيني، مع دار نمر». المتحف على شفا إتمام اتفاق مع مؤسسة «طراز» التي تملك أكثر من 20 في المائة من مجموعة الأثواب التراثية العربية لسوريا ولبنان وفلسطين والعراق. و«وداد قعوار كانت لديها الرغبة في إعطائنا المجموعة، لكن نقل أي معروضات إلى الأراضي الفلسطينية، أمر يجب أن ندرسه في كل مرة بعناية. نحن نريد أن نحافظ على مقتنياتنا، ونجد لها المكان الأكثر أمنًا». على أي حال، نقل أي مجموعات من الخارج هو أمر صعب، ودونه تعقيدات. في فلسطين مجموعات شبه جاهزة للمتحف، منها صور إميل حبيبي التي حصل عليها، ومجموعة ملصقات من السبعينات إلى يومنا هذا. ويتم العمل على جمع أرشيف، في مواضيع كثيرة. فقد تم البدء بجمع ألبومات العائلات للصور الفوتوغرافية، بحيث يطلب من الناس، أن يزودوا المتحف بما لديهم بدل أن يرموها. هناك أيضًا فكرة جمع لفيديوهات الأعراس التي هي مهمة جدًا للتاريخ والتوثيق وبعض الدراسات، وأرشفة التسجيلات الصوتية، هذا عدا الوثائق المطبوعة وتلك التي بخط اليد، وهناك الصحف التي لا يهتم أحد بها.
يحدثك عمر القطان عن مشاريع تدرك أنها تحتاج عملاً تراكميًا لسنوات كثيرة مقبلة، ومساحة جغرافية تتجاوز 3500 متر التي تشكل سعة المتحف الحالي. ولذلك فالاتفاق مع جامعة بيرزيت يسمح بإقامة مبنى ثانٍ يلحق بالمتحف بمجرد أن تستدعي الحاجة وتسنح الفرصة. الرؤيا المرسومة، ليست رهن زمن محدد وقصير، التطلع هو لإقامة قاعدة معرفية توثيقية، عليها تبني أجيال مقبلة. هناك مشروع أطلق عليه اسم المسرد الزمني، سيتم إنجازه مع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» يقوم على بناء رحلات فلسطينية عبر الزمن، للتعرف على المحطات المهمة، بطريقة «الفيزيو ليرنينغ»، وذلك منذ عام 1936 إلى اليوم، بشكل سلس ومتعمق. بحيث يتمكن الزائر إذا ما أراد التمعن في محطة ما أن يتوقف عندها ويسافر في أحداثها، وعندما ينتهي يعود إلى الخط الزمني ليكمل رحلته. لا يراد لهذا المتحف أن يكون مجرد مكان لعرض بعض المحتويات ورفع العتب، إنه نقطة مركزية لحركة نشطة تسعى لفهم وقراءة فلسطين حاضرًا وماضيًا، وكيف يمكنها أن تكون مستقبلاً. عمر القطان بالجهد الذي يبذله، وهو يسافر من مكان إلى آخر، مؤمن بأن «البلاد المكسورة تستطيع أن تقاوم بأنماط جديدة شديدة الحداثة، بعيدًا عن المبارزة المتواصلة والعقيمة مع خطاب صهيوني، لا تؤدي إلى شيء سوى المراوحة في الدائرة نفسها». «محطات تاريخية كثيرة لا تزال ضبابية مثل الفتح الإسلامي لفلسطين» يقول القطان، «نحن بحاجة لعمل كثير كي نجلي الغموض عن أحداث طويلة مرت بها المنطقة العربية».
يعمل المتحف وفق سياسة أفقية، أي التمدد جغرافيًا إلى كل أرض فيها فلسطيني. يصف عمر القطان هذه الاستراتيجية بأنها «تحدٍ للحدود السياسية المفروضة على الناس داخل فلسطين وخارجها، يكون المركز هو المتحف، لكنه يجد اكتماله في المعارض والنشاطات المرتبطة به التي ستقام في دول كثيرة أخرى».
الحدائق مهمة، بل تكاد توازي المتحف في أهميتها، فقد صممت لتقدم رواية للتاريخ النباتي في فلسطين، صممتها لارا زريقات، بحيث يبدأ الزائر زيارته من أسفل التلة صعودًا إلى المتحف، ليبدأ بالنباتات الأصيلة التي وجدت في فلسطين تاريخيًا، يقرأ حكايتها، ويتدرج في التعرف إليها ليصل إلى تلك التي تم استيرادها بمرور الوقت، وأصبحت جزءًا من المزروعات الفلسطينية.
المتحف افتتح، الاعتراضات لن تقف في وجه العاملين عليه، المهمة بالكاد بدأت والعمل لا يزال طويلاً ومضنيًا، ويحتاج مثابرة وكدًا.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.