شرشر زوجة العادلي تعود للصحافة بمنصب رئيس مجلس إدارة

إعلاميون اعتبروها تحديًا للجو الصحافي العام.. وتبني أفكار ما قبل ثورة يناير

غلاف العدد الثالث من صحيفة «الزمان» - إلهام شرشر رئيس مجلس إدارة  «الزمان» زوجة حبيب العادلي
غلاف العدد الثالث من صحيفة «الزمان» - إلهام شرشر رئيس مجلس إدارة «الزمان» زوجة حبيب العادلي
TT

شرشر زوجة العادلي تعود للصحافة بمنصب رئيس مجلس إدارة

غلاف العدد الثالث من صحيفة «الزمان» - إلهام شرشر رئيس مجلس إدارة  «الزمان» زوجة حبيب العادلي
غلاف العدد الثالث من صحيفة «الزمان» - إلهام شرشر رئيس مجلس إدارة «الزمان» زوجة حبيب العادلي

أبدى إعلاميون وصحافيون تخوفهم من عودة رموز نظام مبارك الذي قامت ضدهم ثورة «25 يناير» في مصر، عقب قيام قرينة حبيب العادلي وزير داخلية حسني مبارك بإصدار صحيفة جديدة تحمل اسم «الزمان»، فضلا عن «البدء في تدشين موقع إلكتروني وقناة فضائية»، مؤكدين أن «الزمان» تمثل «تحديا للجو الصحافي العام الذي يعاني أزمة حادة مع وزارة الداخلية»، فضلا عن تبني أفكار ما قبل «ثورة يناير»، وعودة لوزير داخلية مبارك (الذي كان محبوسا في قضية قتل متظاهري الثورة وقضايا مالية أخرى) للمشهد العام من جديد.
ويؤكد خبراء الإعلام، أنه لا يوجد قانون يجرم من سبق اتهامهم في قضايا أخلاقية وجنائية بألا يمتلكوا وسائل إعلام، مطالبين بأن «يضم قانون الإعلام الجديد مدة زمنية معينة تقدر بنحو 10 سنوات لمنع امتلاك من كانوا محبوسين على ذمة قضايا قنوات ووسائل إعلامية؛ منعا للشبهات ومنعا لمحاولات غسل الأموال».
وأثار صدور جريدة «الزمان» كثيرا من التساؤلات، بداية من اسم رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة، وهي الكاتبة الصحافية إلهام شرشر، زوجة العادلي سابقا، مرورا بظهور اسم نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد مستشارا للصحيفة، انتهاء بتأكيدات رددها البعض بأن الصحيفة ستكون جواز مرور لرجال مبارك إلى الساحة الإعلامية من جديد.
وقال الدكتور إسماعيل إبراهيم، المشرف على قسم الصحافة في كلية الإعلام وفنون الاتصال جامعة 6 أكتوبر، إنه «بصدور جريدة (الزمان) عاد بنا الزمان إلى الوراء، وعادت الأوضاع إلى ما قبل 25 يناير (كانون الثاني)، وكأن مصر لم تقم فيها ثورة ضد نظام مبارك، ولم يضح شباب بأنفسهم»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنه «بصدور الجريدة التي يعتقد أن من يمولها العادلي وزير الداخلية الأسبق، الذي كانت مظالمه وطريقة إدارته جهاز الشرطة وقمعها للشعب المصري، هي سبب أساسي فجّر غضب الجماهير».
بينما قالت مصادر صحافية، إن «زوجة العادلي تقود تحركا على نطاق واسع من أجل تدشين شبكة إعلامية كبرى خلال الفترة المقبلة بموقع إلكتروني وقناة فضائية إلى جانب الصحيفة وجميعهم يحملون اسم (الزمان)، وهي تحمل رؤية واضحة لعودة رجال الحزب الوطني المنحل إلى الحياة السياسية من جديد»، لافتة إلى أن الهدف الرئيسي للتحرك الإعلامي هو «إيجاد مسلك شعبي لعودة رموز مبارك للمشاركة في الحياة السياسية؛ وذلك باحتواء القناة المزمع تدشينها على برامج تخدم ذلك التوجه، وكذلك احتواء الجريدة على مادة تسير في ذلك الاتجاه».
وأكدت المصادر، أن «تلك التحركات تبلورت على أرض الواقع، وذلك بقيام شرشر بإجراء لقاءات على نطاق محدود وسري بعدد من كبار الصحافيين والكتاب من أجل الاتفاق على كيفية الإعداد لخروج الشبكة الإعلامية إلى النور».
إلهام شرشر زوجة العادلي دافعت عن نفسها بقولها: إنها أصدرت الصحيفة لتمارس عملها الصحافي الذي انقطعت عنه لفترة بعد ثورة يناير.. وعنونت في مقال افتتاحي بصحيفتها الجديدة تقول «منذ زمن وأنا معنية بهموم أمتي التي أعتز بالانتماء إليها والانتساب لها، أمتي العربية والإسلامية؛ لذلك فـ(الزمان) منبر لمواجهة قوى الشر والظلام التي هبت من أماكن متعددة ومختلفة يجمعها هدف واحد، هو موالاة الضربات والطعنات ضد مصر».
الصحيفة الجديدة يكتب فيها كتاب ومفكرون مصريون بارزون، مثل الداعية خالد الجندي، ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس، والكاتب الصحافي مفيد فوزي، بجانب نقيب الصحافيين الأسبق.
من جانبه، قال الدكتور إسماعيل إبراهيم، وهو مدير تحرير «الأهرام» الأسبق، المشرف على قسم الصحافة بإعلام أكتوبر: «عندما يصدر العادلي جريدة ترأس مجلس إدارتها وتحريرها زوجته إلهام شرشر، فهذا يمثل قمة التحدي لإرادة المصريين، وإن كان من حق العادلي أن يصدر جريدة ويدشن إمبراطورية إعلامية، ما دامت المحاكم قد برأته في إطار موسم (البراءة للجميع) من نظام مبارك؛ إلا أن صدور هذه الجريدة يأتي متزامنا مع أزمة نقابة الصحافيين، وبدء محاكمة نقيب الصحافيين يحيى قلاش ووكيل النقابة وسكرتيرها العام، في واقعة غير مسبوقة في تاريخ النقابات المهنية، وهذا في حد ذاته تحدٍ للجو الصحافي العام».
وتابع إسماعيل بقوله، إن «وجود اسم الكاتب الصحافي مكرم محمد أحمد على هذه الجريدة مستشارا للتحرير لهو دليل آخر وتأكيد على أن الزمن يعود إلى الوراء، وأن (إعلام مبارك) قادم، وهو الذي سيتسيد المشهد؛ فالعادلي لن يكتفي بصحيفة ورقية، وإنما سيطلق فضائية وموقعا إلكترونيا.. أي أنه سيكون له أزرع إعلامية تتبنى فكره وفلسفة النظام الذي كان يمثله، وحارس أمنه سنوات طويلة، وكان مسؤولا عن إسكات كل معارض له، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة». وقال إبراهيم، إن «تصفح مواد العدد الأول يؤكد كل ما نقوله؛ فهي صحيفة أفكار ما قبل يناير، وهي ضد كل ما قامت من أجله ثورة الشباب.. ولا أدري من أين حصل العادلي على الأموال التي تمكنه من الصرف على هذه الإمبراطورية الإعلامية؟، فلا يعقل أن مسؤولا حكوميا كان يتقاضى راتبا يمكن أن تكون لديه كل هذه الأموال التي ينفق منها على صحيفة وفضائية وموقعا إلكترونيا»، مؤكدا أنه لا سبيل إلا بحماية المجتمع من مثل هذه الصحف؛ لأنها ستتكاثر في الفترة المقبلة، فقد خرج معظم نظام مبارك من السجون، وعادوا من خلف ستار حمايتهم، الذي اختبأوا فيه من غضبة الشعب؛ فهم عادوا لينتقموا، وخاصة من شباب (25 يناير)، والأمل في صحافة حرة موضوعية تستطيع مواجهة صحافة الزيف التي عاد زمانها».أما الإعلامي أحمد يوسف، مذيع بقناة النيل الثقافية بالتلفزيون المصري، فقال «لا توجد صناعة تتغير في مصر أو كل الوطن العربي مثل صناعة الإعلام في مصر التي تتغير بسرعة رهيبة، فبعد انفتاح القنوات الخاصة بأمر من صفوت الشريف وزير إعلام مبارك آنذاك مع مطلع الألفية ثم انفجار كم ضخم منها بعد ثورة يناير، أضحت الأمور الآن أشد دراماتيكية، فمن وقع عليهم المحاكمات الشعبية والقانونية من أسباب الغضب المصري العام والذي بسببهم قامت الثورة بدأوا يلجأون للإعلام لغسل سمعتهم».
مضيفا، «رأينا أحمد عز، أحد أركان نظام مبارك، بعد خروجه من السجن ترددت الأخبار عن استثماره في سلسلة قنوات، والآن العادلي، الحقيقة أنه لا يوجد قانون يجرم من اتهموا في قضايا سابقة، ألا يمتلكوا وسائل إعلام، وفي اعتقادي أنه لا بد أن تحدد فترة زمنية تقدر بنحو 10 سنوات، لمن يشرع بعد خروج من السجن في إصدار قنوات أو وسائل إعلامية»، لافتا إلى أنه «قانون مهم يجب أن ينضم لقانون الإعلام الجديد منعا للشبهات، ومنعا لمحاولات غسل الأموال والسمعة».
واستطرد يوسف بقوله لـ«الشرق الأوسط» «لكن من الناحية القانونية لا يوجد ما يمنع ذلك، ورغم أن السخط الشعبي المصري كبير على مثل هذه المحاولات؛ لكن المخاوف الكبرى أن المواطن المصري متساهل من جهة فلو انطلقت فضائية العادلي سيتابعها المواطنون حتى وإن سخروا في باطنهم من الشخص وجرائمه، من جهة أخرى ينقص مصر والوطن العربي منظمات مجتمع مدني تحافظ على المهنة وعلى حقوق المشاهدين من الضحك عليهم، سواء في الجانب الإعلاني أو الإعلامي، وهو ما نحاول تأسيسه حاليا لإنشاء منظمة مجتمع مدني إعلامية احتراما لعقول المشاهدين».
مصدر مطلع بالمجلس الأعلى للصحافة (المسؤول عن إصدار تراخيص الصحف في مصر)، قال إن «العادلي لم يتقدم بطلب لإصدار الصحيفة؛ لكن ما قدم للمجلس طلب يحمل اسم شخص آخر وليس شرشر زوجة العادلي للحصول على ترخيص لإصدار الجريدة منذ مارس (آذار) الماضي، ويتضمن الطلب أسماء 10 مساهمين لشركة «إس إتش» التي تصدر عنها (الزمان).
في السياق ذاته، قال الدكتور حسام شاكر، عضو هيئة تدريس بكلية الإعلام جامعة الأزهر لـ«الشرق الأوسط»، إن «سيطرة فئة ممن يطلق عليهم رموز النظام السابق على مجموعة إعلامية من قناة وصحيفة وموقع يضع السلطة الحالية في موقف حرج، لأن المتلقي عندما يسمع بأن رموز نظام مبارك خلف هذه المجموعة بأموالهم ورجالهم فسيتبادر إلى ذهنه بأن عملية غسل للأفكار ستحدث لتجميل نظام مبارك، خاصة أن الإعلام له مفعول السحر في توجيه الرأي العام وقلب الحقائق وتصوير ما ليس له وجود على أنه واقع لا بد منه».



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».