آخر الإيرادات تؤكد: لا سينما عالمية سوى الأميركية

الصين عوضت انحسار الإقبال الأوروبي

«سبايدر مان المذهل 2» من عروض «سينما كون»  -  «سباسيفيك ريم»: ترنـح أميركيا ونجح صينيا
«سبايدر مان المذهل 2» من عروض «سينما كون» - «سباسيفيك ريم»: ترنـح أميركيا ونجح صينيا
TT

آخر الإيرادات تؤكد: لا سينما عالمية سوى الأميركية

«سبايدر مان المذهل 2» من عروض «سينما كون»  -  «سباسيفيك ريم»: ترنـح أميركيا ونجح صينيا
«سبايدر مان المذهل 2» من عروض «سينما كون» - «سباسيفيك ريم»: ترنـح أميركيا ونجح صينيا

كان للمنتج والمخرج الراحل مصطفى العقاد رأي أثار حفيظة كل من لم يوافقه عليه (وكانوا كثرا): «لا توجد سينما عالمية سوى السينما الأميركية. هي وحدها العالمية».
تأكيدا، كل يوم هناك ملايين البشر يدخلون صالات السينما ونحو 60 في المائة منهم وما فوق يشاهدون أفلاما أميركية. من الصين إلى جنوب أفريقيا، ومن الإمارات العربية المتحدة إلى الأرجنتين، ومن أستراليا إلى كل بقاع أوروبا، الفيلم الأميركي طاغ، ونسبة حضوره بين الجمهور عالية، تتراوح، حسب الدولة وتسهيلاتها، من 55 في المائة إلى 75 في المائة كوضع نسبي.
والأرقام التي أعلنت قبل يومين في لاس فيغاس، حيث أقيم حتى يوم أمس الخميس مؤتمر «سينما كون» السنوي، تؤكد ذلك:
لقد أنجزت السينما الأميركية أعلى إيراد تحقق لها في تاريخها: 35 مليارا و900 مليون دولار. أي قرابة 36 مليارا، بزيادة أربعة في المائة عما كان الوضع عليه قبل سنة عندما أعلنت مجمل إيرادات الأفلام الأميركية عن عام 2012 (34 مليارا و700 مليون دولار).
من بين النتائج الجديدة أن إيرادات الدول خارج أميركا الشمالية (وأميركا الشمالية تتألـف من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) بلغت 25 مليارا، أي بزيادة 4‪.‬6 في المائة عما كان عليه الوضع عام 2012.
هذا يعني أن حصـة الأسواق الأميركية بلغت عشرة مليارات و920 مليون دولار، بزيادة واحد في المائة عما جرى تسجيله عن عام 2012 التي كانت شهدت ارتفاعا قدره ستة في المائة عن عام 2011.

* العنصر الصيني
أحد أسباب هذا النمو الرئيسة يكمن في الصين، التي أنجزت وحدها للفيلم الأميركية ثلاثة مليارات و600 مليون دولار في العام الماضي، أي بزيادة 27‪.‬5 في المائة عما كانت أنجزته في العام الأسبق.
كريس دود، رئيس «موشن بيكتشرز أسوسياشن أوف أميركا»، وهي الهيئة المخولة رصد الحياة الإنتاجية والصناعية للفيلم الأميركي على نحو يومي، ذكر في خطابه أمام منتجي هوليوود والإعلاميين الذين دعوا إلى لاس فيغاس كما العادة السنوية منذ عقود، أن هذا النجاح الكبير إنما كان يمكن أن يكون أكبر من ذلك لولا أن العائدات الأوروبية المسجـلة عام 2013 جاءت أقل من المتوقع بسبب انحسار الإقبال في الكثير من دولها، في المقدمة فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، أي أربعة من أهم مراكز العروض العالمية للفيلم الأميركي.
لكن بما يخص الصين، فإن الأمر مختلف. هناك صالة يجري إنشاؤها كل يوم في بيكينغ وخمس عشرة صالة تنطلق كل يوم في كل ربوع الصين. الموقف الحكومي هناك يقوم على تلبية حاجة الصينيين وشغفهم بالفيلم الترفيهي الأميركي، المختلف قوامه وأسلوبه وطروحاته عن الفيلم الترفيهي الصيني. ليس أن كل الأفلام الأميركية تجد طريقها إلى الصين، لكن كل الأفلام الأميركية باتت تتمنـى لو أنها تعرض في الصين.
الرسميون المعنيون في العاصمة الصينية يمنحون مباركتهم لنحو 35 فيلما أميركيا كل عام. حتى الأشهر الأولى من عام 2013، كان العدد لا يزيد على 20 فيلما فقط. هوليوود السعيدة بهذه الزيادة تستطيع التكيـف جيـدا مع هذا العدد من الأفلام المسموح بعرضها، لسبب جيد وبسيط: عدد الأفلام الكبيرة (بالبعدين الفني والتجاري) التي تخاطر بها الاستديوهات كل سنة لا يزيد كثيرا على هذا العدد، ومنها الأفلام ذات الطموح الأوسكاراتي والأفلام ذات الطموح الترفيهي البحت، ومن بين هذه الأخيرة الإنتاجات الضخمة التي تطلقها في مطلع كل صيف.
حسب «وول ستريت جورنال» قبل نهاية العام الماضي، فإن هوليوود سجلت حضورا متزايدا بين مجمل ما تعرضه صالات السينما الصينية. هذا بدأ عام 2012 عندما حققت الأفلام الأميركية - ولأول مرة - 51 في المائة من الإيرادات، تاركة 49 في المائة للعروض الصينية (وبينها نسبة ضئيلة لا تتجاوز الأربعة في المائة لأفلام من جنسيات أخرى).
الصين استخدمت هذا لمنح مخرجيها ومنتجيها حوافز جديدة. من العام ذاته، وفي مقابل «مهمـة مستحيلة 4» و«المنتقمون» و«التحري الشاب دي» وما سواها من الأفلام التي تجاوزت المعهود الصيني على صعيدي التقنية والتنفيذ. على سبيل المثال، لم تهرع السينما الصينية لإنجاز أفلام بالأبعاد الثلاثة إلا من بعد أن أطلقت هوليوود أفلامها في هذا الاتجاه من أواخر العقد الماضي، وإذ فعلت، جلبت لإحدى باكوراتها في هذا الاتجاه المخرج الأميركي مايكل فرنش ليصنع لها «إمبراطوريات العمق» عام 2012. وقدم الصيني نتائج مبهرة، تقنيا، حين قام بتحقيق «سيوف طائرة عند بوابة التنين» الذي بوشر عرضه في أواخر عام 2011 وامتد لأشهر عدة في عام 2012. وفي الفترة ذاتها تقريبا، عرض المخرج تشينغ سيو تونغ «الساحر والأفعى البيضاء».
وفي الإعداد للعام المقبل، «كونغ فو باندا 3» الذي هو إنتاج مشترك بين الصين والولايات المتحدة، تحققه الصينية جنيفر يو ليعرض في مطلع العام المقبل.

* الفن في التنفيذ
في العام الماضي، وبينما كان الفيلم الصيني «رحلة إلى الغرب: مبارزة الشياطين» ينجز قرابة 205 ملايين دولار في أنحاء الصين، كان الفيلم الأميركي «أيرون مان 3» ينجز 124 مليونا ويحل في المركز الثاني. فيلم «باسيفيك ريم» الذي لم ينجز نجاحا جيـدا لا في أميركا ولا في أوروبا، لكنه أنجز 114 مليون دولار في الصين، مما جعله قادرا على الخروج من عنق الزجاجة. ربما بعض السبب يكمن في إسناد أدوار رئيسة لممثلين صينيين.
«سينما كون» هو المكان المناسب لتلقـف هذه الأنباء. كان اسمه حتى أربع سنوات سابقة «شو وست»، لكنه لا يزال مؤتمرا (وليس مهرجانا) لعرض الجديد المقبل من الأفلام الكبيرة تمهيدا لطرحها قبل موسم الصيف. وتقيم هذا اللقاء الذي تدعو إليه صحافيين ونقادا ومنتجين ومخرجين وعاملين آخرين في الصناعة وحقل الترويج، «الجمعية الوطنية لمالكي القاعات» (اختارها «ناتو» لكنها بالطبع لا علاقة لها بذلك «الناتو» الأعلى شهرة).
هذا العام، على سبيل المثال، شاهدنا «سبايدر مان» الجديد... ثلاثون دقيقة من مغامرات، جرى بذل آخر تقنيات الإثارة: «لا تسأل عن الفن» يقول المخرج مارك وب لهذا الناقد قبل أيام قليلة من توجهه إلى «سينما كون» عندما سأله إذا ما كان ينوي ذات مرة العودة إلى أفلامه الفنية الأولى: «الفن هنا هو فن التنفيذ الجيـد لتحقيق فيلم ترفيهي بمستوى تقني متقدم. أعني أن هذا هو أيضا فن ولو أنه يختلف عن تعريف البعض للكلمة».
عرض «سينما كون» الفصل الأول لهذا الفيلم ثم مقتطفات من فصول أخرى، كذلك الحال بالنسبة لأفلام منتظرة في صيف ستتطاحن فيه الأعمال الضخمة كالعادة، ومنها «رجال إكس: أيام المستقبل الماضي» و«موكينغجاي» و«آني» و«سن سيتي 2». كل هذه الأفلام بالأبعاد الثلاثة، الذي رغم انحسار الإقبال عليه (تبعا لسعر التذكرة) فإنه لا يزال معمولا به (وللسبب ذاته: القدرة على رفع سعر تذكرته وإنجاز إيراد أعلى).
إذا ما كانت السمة الأكثر تميـزا للسينما الأميركية هي الحفاظ على أولويتها حول العالم عبر ضخ منتوج تجاري الغاية بطبيعة الحال، ألا يزال غريبا أنها السينما العالمية الوحيدة فعلا؟ هذا ما يعيدنا إلى كلمات مصطفى العقاد، فهي تصف واقعا صرفا وليس مجموعة من الأماني والأحلام. تورد حقيقة وليس وهما رغم ما تثيره تلك الحقيقة من ردود فعل معظمها يؤمن بالرغبة المناوئة عوض الاعتراف بالواقع كما هو.

* الوضع في روسيا
*‫ لم تتعرض الأفلام الأميركية إلى تراجع الإيرادات في روسيا العام الماضي، بل سجـلت أفلامها مليارا و300 مليون دولار، مما رفع نصيب تلك الأفلام من مجموع حصيلة الصالات الروسية يصل إلى 70 في المائة. حاليا تتدارس الحكومة الروسية القيام بعملية تحديد لعدد ما يعرض من الأفلام الأميركية بهدف تعزيز تلك المحلية على غرار ما تفعله السينما الصينية.‬



«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.