الخوف من كارثة محدقة في خضم القتال بالفلوجة

توقعات بمعركة طويلة تمتد لأشهر.. ومنظمات الإغاثة في سباق مع الزمن لتفادي حمام دم

الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
TT

الخوف من كارثة محدقة في خضم القتال بالفلوجة

الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)

على طول خط المعركة في شمال الفلوجة، تمطر وحدات صغيرة من المقاتلين الشيعة المدينة، وقاطنيها من مقاتلي «داعش»، بكثير من قذائف الهاون والصواريخ.
وتنتشر الكتابات الجدارية ذات الطلاء الأحمر البارز عبر شبكة ممتدة من الحوائط المنخفضة التي تهدمت بفعل الرصاص والقنابل، في حين تنطلق صفارات سيارات الإسعاف التي تلهث في سباق محموم لنقل الجرحى والمصابين لتلقي العلاج في المواقع الخلفية البعيدة عن الجبهة الأمامية.
صارت معركة الفلوجة من المعارك القوية والشرسة داخل المدينة كما هي الحال في خارجها؛ حيث أحاطت القوات العراقية بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم في الوقت الذي تلقى فيه هجمة مرتدة شرسة من قبل مقاتلي «داعش». ولقد تمكن بعض المدنيين من الفرار من الأتون المشتعل في داخل المدينة مع اشتداد أوار المعارك هناك، ولكن مصير عشرات الألوف من المدنيين المحاصرين في المدينة بات من التساؤلات الملحة التي ظلت من دون إجابة شافية حتى هذه اللحظة.
تتناثر أشجار النخيل المثمرة ومساحات من المراعي الخضراء على طول بعض من أجزاء المعركة المستعرة، وهي من المشاهد المألوفة لكل من يتابع المشاهد التلفزيونية لجنود المارينز الأميركيين الذين كانوا يقاتلون على الأرض نفسها منذ قرابة عشر سنوات. ولكن في غالب الأمر، صارت الأراضي بنية اللون وشديدة الجفاف؛ حيث تضررت للغاية إثر القتال المستمر منذ سنوات. وهناك دبابة متفحمة ومجزأة إلى قسمين تستقر عند مفترق أحد الطرق بالمدينة، في حين تتصاعد أعمدة الدخان الأسود على مسافة الرؤية الواضحة بسبب إحدى الغارات الجوية، أو قذيفة من قذائف الهاون، أو سيارة من السيارات المفخخة.
ومما يزيد من كآبة المشهد، تلك السلسلة المعقدة من الأنفاق، التي تعرض بعض منها للقصف الشديد من الغارات الجوية الأميركية خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تمكن تنظيم داعش من حفرها أثناء سيطرته على المنطقة لما يربو على العامين.
وللاقتراب من الجبهة، تقابل فريق المراسلين التابعين لصحيفة «نيويورك تايمز» مع مسؤولين من «منظمة بدر»، وهي من الميليشيات الشيعية الشهيرة التي تتلقى دعما مباشرا من إيران، وذلك عند ناصية أحد الشوارع في بغداد خارج أحد مطاعم الوجبات الشعبية في صباح يوم الأحد الماضي. وقد انضمت سياراتنا مع سياراتهم حتى كونت قافلة صغيرة، وعبر المرور على مختلف نقاط التفتيش المتناثرة عبر الطرق المزدحمة هناك، وصلنا في نهاية المطاف إلى إحدى القواعد الواقعة في شرق الفلوجة، في رحلة استغرقت نحو الساعة أو يزيد.
وفي داخل تلك القاعدة، كانت قوات الأمن العراقية المتنوعة تسيطر على مختلف المناطق؛ فهناك الميليشيات المدعومة من إيران في أحد الأماكن، وهناك قوات النخبة العراقية المتخصصة في مهام مكافحة الإرهاب، التي تعمل عن كثب مع الولايات المتحدة، في مكان آخر، وهناك أيضا قوات الشرطة السنية من الفلوجة، وهم المكلفون بحماية أمن الفلوجة بمجرد استردادها من التنظيم الإرهابي، ويوجدون في مكان آخر بالقاعدة، وبعض الرجال يتضاحكون أعلى إحدى الدبابات الرابضة أثناء تصليح بعض العربات العسكرية المتضررة.
وعلى مقربة من الجبهة الأمامية، تحدث أحد مقاتلي «منظمة بدر» الشيعية، عن التقدم الذي أحرزته القوات العراقية في المناطق النائية من الفلوجة، حيث قال: «إنني مندهش من التقدم الذي أحرزوه حتى الآن، لقد توقعنا أن تكون معركة طويلة وشرسة. ومع ذلك، فإن القتال الحقيقي (يعني السيطرة على المدينة بأسلوب قتال الشوارع) لم يبدأ بعد»، وقال إنهم قد يعمدون إلى الإبطاء من وتيرة القتال الرئيسي حتى يسمحوا للمدنيين بالمغادرة في أمان.
وأضاف قائلا: «لدينا قلق وخوف كبير على حياة المدنيين داخل الفلوجة، وقد يكون هناك تأخير في بدء أعمال القتال الرئيسية حتى نسمح للمدنيين بالمغادرة»، وهو يضع في اعتباره التوترات الطائفية التي ارتفعت وتيرتها بشدة مع بدء القتال، ولا سيما مع اقتراب القوات الشيعية الكبيرة من المدينة السنية.
ومن شأن ذلك أن يعيد إلى الأذهان ذكريات معركة الفلوجة الأولى التي كانت في شهر أبريل (نيسان) من عام 2004، عندما شرعت القوات الأميركية في شن هجومها على المدينة، ثم عمدت إلى التراجع بسبب ازدياد المخاوف على أرواح المدنيين الذين لقوا مصرعهم آنذاك. وبعد ذلك، صارت الفلوجة مرادفا وثيق الصلة بالفشل الأميركي في إخماد التمرد المندلع هناك، ولم يتمكن أي من جنود المارينز من دخول شوارع المدينة وتطهيرها إلا بعد مرور سبعة أشهر كاملة، وتحديدا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، في معركة حصدت أرواح ما يقرب من مائة جندي أميركي.
ومعركة الفلوجة الثانية التي حان موعدها، تقاتل فيها مجموعة من القوات الحكومية العراقية، والميليشيات الشيعية ومقاتلي العشائر السنية. وهم يضيقون الخناق الآن على المدينة من طرفيها الشمالي والجنوبي، غير أنهم لم يبدأوا حتى الآن في القتال وصولا لمركز المدينة.
ولا يزال هناك ما يقرب من 50 ألف مدني يقطنون الفلوجة، ولقد انقطعت عنهم منذ فترة طويلة إمدادات الغذاء والدواء بسبب الحصار الحكومي، ويعيشون الآن تحت قصف وحدات المدفعية مع إحكام خطوط القتال الأمامية حول المدينة.
حذر المجلس النرويجي للاجئين يوم الثلاثاء الماضي من «الكارثة التي بدأت تتكشف في الفلوجة»، حيث قال المجلس إن الأوضاع الإنسانية في المدينة باتت تتدهور بوتيرة مخيفة مع اقتراب واشتداد القتال حولها. كما حذرت الأمم المتحدة يوم الثلاثاء أيضا، استنادا إلى معلومات مراسليها في المدينة، من تعرض المدنيين للقتل بسبب القصف الذي تشنه القوات الموالية للحكومة العراقية على المدينة، بما في ذلك سبعة من أفراد عائلة واحدة لقوا مصرعهم قبل بضعة أيام.
وقالت لايز غراندي، المسؤولة عن الملف الإنساني للأمم المتحدة في العراق، عبر مقابلة شخصية أجريت معها: «إنني أشعر بقلق شديد حول ما يجري للمدنيين في الفلوجة الآن».
وأضافت السيدة غراندي قائلة إن المراسلين داخل المدينة قد أخبروا الأمم المتحدة أن مقاتلي «داعش» كانوا ينقلون العائلات إلى مركز المدينة ليتخذوا منهم دروعا بشرية أثناء القتال. وقالت بعض العائلات التي تمكنت من مغادرة المدينة إن هناك مخاوف من تفشي وباء الكوليرا بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية والمياه النظيفة.
وأفادت الأمم المتحدة أن هناك ما يقرب من 3700 مواطنا، وأغلبهم من المناطق النائية المحيطة بالفلوجة، قد تمكنوا من الوصول إلى المناطق الآمنة خلال الأسبوع الماضي. وهناك 500 رجل وصبي فوق سن الـ15 عاما قد تمكنوا من الوصول إلى الخطوط الحكومية، ولكنهم قيد احتجاز السلطات العراقية لاستجوابهم حول أي صلات محتملة مع تنظيم داعش الإرهابي.
وعُزلت مدينة الفلوجة عن العالم منذ سيطرة تنظيم داعش عليها قبل عامين ماضيين، وكانت تعتبر في أدبيات التنظيم موطئ قدم راسخة لمزيد من الفتوحات في شمال وغرب العراق. وبرزت إلى النور لمحة من لمحات الظلام الذي ظل يكتنف مختلف أرجاء المدينة في وقت مبكر من يوم الثلاثاء الماضي، عندما تمكنت امرأتان من الأقلية الإيزيدية الدينية من الوصول إلى المناطق الآمنة عن طريق عبور نهر الفرات في أحد القوارب، وكان السلطات تعتقد بإلقاء التنظيم الإرهابي القبض عليهما في شمال العراق، واعتقلا في الفلوجة ربما سبايا لدى مقاتلي التنظيم.
وقد انتقلت فيان دخيل، وهي من أعضاء البرلمان العراقي عن الطائفة الإيزيدية، إلى العاصمة بغداد يوم الثلاثاء لمقابلة المرأتين، وقالت إنها تعتقد أن هناك مزيدا من النساء الإيزيديات المعتقلات داخل المدينة. وصرحت في مقابلة شخصية تقول: «لا علم لدي بالرقم الحقيقي، ولكنني متأكدة من أنهن كثيرات للغاية».
وقال العقيد صادق خليل، من الشرطة الاتحادية العراقية، يوم الأحد الماضي حيث كان يقف في أحد بساتين النخيل، إن تنظيم داعش أطلق العنان لكامل ترسانته من الأسلحة لرجاله: من حيث القناصة، والمنازل المفخخة، والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق.
وأكد العقيد خليل على أن رجاله، وكانوا عبارة عن فريق لقذائف الهاون مجتمع حوله، وسط صناديق متعددة مفتوحة تحمل قذائف الهاون، كانوا يتقدمون تقدما حثيثا من أجل حماية المدنيين. وقال العقيد خليل مضيفا: «كان القتال شرسا للغاية»، ولكنه سرعان ما استطرد مضيفا: «المعارك في المناطق المأهولة سوف تكون الأصعب والأشرس»، في إشارة إلى القلب المكتظ بالسكان من الفلوجة.
يعتقد المسؤولون العاملون في مجال الإغاثة الإنسانية في العراق أنهم في سباق مع الزمن لتفادي ما يخشون أن يكون حماما من الدم ما إن شنت القوات العراقية هجومها على مركز المدينة. ولقد ازدادت مثل تلك المخاوف صبيحة يوم الاثنين الماضي عندما غادرت قوات مكافحة الإرهاب العراقية المدعومة من الولايات المتحدة قواعدها وتقدمت صوب جنوب المدينة ونحو مركزها.
وقد أكدت التصريحات التي أفاد بها القادة العسكريون لمختلف وسائل الإعلام – زورا – أن قوات مكافحة الإرهاب قد دخلت المدينة بالفعل وبدأت تقاتل دفاعا عنها. ولكن بدا الأمر واضحا يوم الثلاثاء من أن تقدم تلك القوات قد توقف في مواجهة المقاومة العنيفة من قبل مقاتلي «داعش».
جذبت المعركة من أجل الفلوجة انتباه وسائل الإعلام في أعقاب سلسلة من الاضطرابات السياسية التي شهدت احتجاجات ضخمة عصفت بالمنطقة الخضراء في العاصمة بغداد ومبنى البرلمان. ووفقا لذلك، كانت هناك حرب أخرى تدور رحاها في وسائل الإعلام العراقية، حيث حافظت مختلف القوى المؤثرة على حرب البيانات والتصريحات السياسية التي تزعم تحقيق النجاحات العسكرية في ميدان القتال، وبعض منها، كما كان الأمر يوم الاثنين، لم يكن قد بدأ بعد.
وكما أصبح واضحا، كما كان بعد ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي، فإنه ما من شيء يسمى النصر السريع في الفلوجة. وحثت قيادة العمليات العسكرية المشتركة، وهي مركز قيادة الجيش العراقي، إلى جانب قوات الشرطة الاتحادية، وقيادة الميليشيات الشيعية، مختلف وسائل الإعلام على أن تتوخى الحذر فيما تنشره من أخبار حول معركة الفلوجة، وعدم التسرع في نشر المعلومات والأنباء قبل مراجعة المصادر والتحقق منها قبل نشرها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



اجتماع وزاري عربي الأحد لمناقشة الاعتداءات الإيرانية

جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)
جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي الأحد لمناقشة الاعتداءات الإيرانية

جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)
جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)

يعقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري اجتماعاً في دورة غير عادية عبر الاتصال المرئي، يوم الأحد المقبل، لمناقشة الاعتداءات الإيرانية السافرة.

وذكرت الجامعة العربية أن الاجتماع الوزاري يأتي بناءً على طلب من السعودية والأردن والبحرين وعمان وقطر والكويت ومصر، ويبحث الاعتداءات الإيرانية على دول عربية في انتهاك سافر للقوانين والمواثيق الدولية ومبادئ حسن الجوار.

كان أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية، وصف في تصريح صحافي، الأربعاء، الوضع مع الهجمات الإيرانية ضد دول عربية بأنه «خطير»، مؤكداً أنها «مدانة بالكامل، وهي ليست فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لكنها اعتداء على مبادئ حسن الجوار، وتخلق حالة غير مسبوقة من العداوة بين إيران ودول الجوار العربي، وتحدث شرخاً عميقاً سيترك أثراً في مستقبل الأيام».

وأضاف أبو الغيط: «لا أحد يُقلِّل من ويلات الحرب التي تواجهها إيران، ولكن لا يوجد في الوقت ذاته أي تبرير يمكن أن يكون مقبولاً لقيامها باستهداف دول عربية جارة بهدف جرها إلى حرب ليست حربها، خاصة أن عدداً منها عمل بلا كلل من أجل تجنب وقوع هذه الحرب الكارثية»، مؤكداً «هذا خطأ إيراني استراتيجي بالغ أتمنى أن يتداركوه، وأن يوقفوا هجماتهم فوراً».

واختتم الأمين العام تصريحه بالقول: «من الخطورة بمكان أن يتم توسيع الصدام الحالي، وأن تستمر تلك الأوضاع دون تصحيح سريع من جانب إيران»، مشدداً على أنه «لابد أن يستفيقوا ويُصحِّحوا الوضع مع جميع الدول المستهدفة قبل فوات الأوان».


العليمي يقود تدابير يمنية لتجنب تداعيات التصعيد الإقليمي

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)
TT

العليمي يقود تدابير يمنية لتجنب تداعيات التصعيد الإقليمي

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق تشهده منطقة الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من انعكاساته على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، كثفت السلطات اليمنية اجتماعاتها الاقتصادية والقطاعية لتحصين الجبهة الداخلية، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية، وصرف الرواتب، والحفاظ على استقرار العملة الوطنية بإسناد سعودي.

ويأتي هذا التحرك ضمن مقاربة حكومية شاملة تربط بين إدارة الأزمات الاقتصادية، وتسريع الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الدعم السعودي المستمر.

وفي هذا السياق ترأس رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، اجتماعاً للجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، وقيادات مالية ونقدية وخدمية، بينهم محافظ البنك المركزي أحمد غالب المعبقي، ووزراء المالية والنفط والنقل، ورئيس مجلس إدارة شركة الخطوط الجوية اليمنية.

حسب الإعلام الرسمي، خصص الاجتماع لمراجعة المؤشرات المالية والنقدية، وخطط الاستجابة الحكومية للحد من التداعيات المباشرة للتطورات الأمنية الإقليمية، خصوصاً على إمدادات الغذاء والدواء والوقود، وأسعار السلع والخدمات الأساسية.

ووفق الإحاطات المقدمة، فإن المخزون السلعي في اليمن ما زال عند مستويات آمنة تكفي لفترات تتراوح بين أربعة وستة أشهر، في ظل ترتيبات استباقية لتأمين الشحنات، وتنويع مصادر الاستيراد.

وأكد العليمي أولوية حماية سبل العيش والعملة الوطنية، وتحييد البلاد قدر الإمكان عن ارتدادات الصراع الإقليمي، مشدداً على الجاهزية الكاملة للتعامل مع أي سيناريوهات محتملة، بما يضمن وفاء الدولة بالتزاماتها الحتمية، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين، وضمان استمرار تدفق الواردات الأساسية.

ووجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني برفع تقارير دورية حول مؤشرات الأسواق والمخزون، وتحديث الإجراءات الاقتصادية بشكل مستمر، مع تكثيف التنسيق مع الشركاء لتأمين الممرات المائية ومكافحة التهريب والإرهاب، بما يعزز الثقة بالاقتصاد الوطني ويحد من المضاربات.

دعم سعودي للمالية العامة

تزامن الحراك الرئاسي اليمني مع تحركات مالية في الرياض، حيث بحث وزير المالية مروان بن غانم مع الفريق الفني للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن آليات استيعاب منحة الدعم الجديدة المقدمة من السعودية، البالغة 1.3 مليار ريال سعودي (نحو 347 مليون دولار)، والمخصصة لتغطية رواتب موظفي الدولة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

اللقاء ناقش كذلك خطة وزارة المالية للمرحلة المقبلة، في إطار مرجعيات خطة التعافي الاقتصادي 2025 - 2026، وأولويات الإصلاحات الشاملة المعتمدة بقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025. وتركز الخطة على تطوير الموارد العامة، وضبط الإنفاق، ورقمنة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

وأكد الوزير بن غانم التزام الوزارة بتنفيذ برنامج الحكومة وفق المسارات الستة المعتمدة، مع العمل على توحيد الجهود للاستفادة المثلى من المنح والمساعدات الخارجية، بما يسهم في تقليص عجز الموازنة، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم العملية التنموية.

وشدد على ضرورة تمكين وزارة المالية من أداء دورها الرقابي على المنح، تفادياً لأي اختلالات محتملة، مشيراً إلى الحاجة إلى دعم سياسي وفني لتعزيز قدرات الكوادر، وتحديث البنية المؤسسية، بما يواكب متطلبات المرحلة الانتقالية.

ويُنظر إلى الدعم السعودي باعتباره ركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار المالية العامة، خصوصاً في ظل تراجع الإيرادات المحلية، وتحديات تصدير النفط، وارتفاع كلفة الاستيراد نتيجة اضطراب الملاحة الإقليمية.

إصلاحات موازية

على صعيد الخدمات، بحث وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف مع الممثل المقيم لـبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، سبل تعزيز التعاون في قطاع الطاقة، لا سيما مشاريع الطاقة المتجددة وبناء القدرات المؤسسية.

وأكد الوزير أهمية تنظيم العلاقة المؤسسية بما يضمن تنفيذ مشاريع مستدامة ذات أثر مباشر على المواطنين، مع توجيه الدعم نحو أولويات الطاقة النظيفة وكفاءة الاستخدام.

المسؤولة الأممية، من جهتها، أشارت إلى أن تحسن الظروف الراهنة قد يسهم في جذب مزيد من المانحين، خصوصاً في مشاريع الطاقة المتجددة، مؤكدة استعداد البرنامج لتقديم الدعم الفني وحشد الموارد بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.

جانب من اجتماع ترأسه في عدن وزير الاتصالات في الحكومة اليمنية (سبأ)

وفي قطاع الاتصالات، شدد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور شادي باصرة على ضرورة بناء شبكة وطنية قوية وآمنة تواكب التطورات التقنية، وتلبي احتياجات المرحلة. وأكد خلال اجتماع موسع في عدن أهمية تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع استثمارية تعزز موارد الدولة، وتدعم الاستدامة المالية.

الوزارة تعمل، وفق الوزير باصرة، على مراجعة أوضاع الشركات المخالفة، وتجديد التراخيص وفق الأطر القانونية، بما يعزز الشفافية وتكافؤ الفرص، وينظم السوق، ويرفع كفاءة الخدمات. ويُعد قطاع الاتصالات من القطاعات القادرة على رفد الخزينة بإيرادات مهمة إذا ما أُحسن تنظيمه واستثماره.

نحو اللامركزية

في سياق الإصلاح المؤسسي، أعلن وزير الإدارة المحلية في الحكومة اليمنية المهندس بدر باسلمة الاستعداد لإطلاق استراتيجية متكاملة للحكم الرشيد، تتضمن إنشاء أكاديمية للحكم المحلي، وبرنامجاً وطنياً لتقييم أداء السلطات المحلية، بما يسهم في تحسين الخدمات ورفع جودة الإدارة.

وخلال لقاء مرئي مع نائب رئيس منتدى الفيدراليات، ومقره كندا، جرى بحث آليات دعم مسار اللامركزية وتمكين السلطات المحلية، انسجاماً مع توجهات مجلس القيادة الرئاسي نحو ترسيخ اللامركزية المالية والإدارية.

وزراء الحكومة اليمنية الجديدة يقودون جهود الإصلاحات (سبأ)

الاستراتيجية المرتقبة ترتكز على نقل تدريجي للصلاحيات وفق معايير الكفاءة والجاهزية، وتطوير منظومة تقييم تستند إلى مؤشرات دقيقة تعزز الشفافية والمساءلة، مع اعتماد نماذج تطبيق مرحلية تراعي الفوارق بين المحافظات.

ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من معالجة الاختلالات الهيكلية، وتخفيف الضغط عن المركز، وتمكين السلطات المحلية من إدارة مواردها بفاعلية، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.


دعم سعودي واسع لمكافحة الملاريا في اليمن

السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)
السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)
TT

دعم سعودي واسع لمكافحة الملاريا في اليمن

السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)
السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)

في إطار الدعم الذي تقدمه السعودية لليمن في المجالات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، تسلّمت الحكومة الشرعية أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا، مقدمة من برنامج «الملك سلمان للأعمال الإنسانية»، على أن تتولّى منظمة الصحة العالمية تنفيذ حملة المعالجة بها في بلد يُسجل سنوياً أكثر من مليون إصابة.

ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية وبرامج مكافحة الملاريا في وزارة الصحة اليمنية، يُقدَّر أن البلد يُسجل سنوياً بين 1 و1.5 مليون حالة مشتبه بها أو مؤكدة في السنوات الأخيرة؛ حيث يُصنَّف بوصفه واحداً من البلدان عالية الإصابة بالملاريا في إقليم شرق المتوسط، لأن أكثر من 60 في المائة من السكان يعيشون في مناطق معرضة للإصابة بهذا المرض، وقد فاقمت الأمطار والفيضانات وتدهور الخدمات الصحية والنزوح الداخلي من انتشاره.

وأشرف وزير الصحة اليمني قاسم بحيبح، في العاصمة المؤقتة عدن، على توزيع الشحنة التي تنفذها منظمة الصحة العالمية بالتنسيق مع الوزارة، والمدعومة من مركز «الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، والتي تتضمن 171 ألفاً و450 جرعة من العلاجات المركبة القائمة على مادة الأرتيميسينين، و125 ألف قرص من دواء بريماكين، إضافة إلى 15 ألف حقنة أرتيسونات مخصصة للحالات الشديدة، بما يُسهم في خفض المضاعفات والوفيات، خصوصاً بين الأطفال والحوامل والفئات الأشد ضعفاً.

200 مديرية في 15 محافظة يمنية تستفيد من الدعم الصحي السعودي (إعلام حكومي)

وأشاد الوزير اليمني بالدعم السخي المقدم من «مركز الملك سلمان للإغاثة»، وقال إن هذا الدعم يعكس عمق الشراكة الإنسانية والتنموية مع السعودية، وحرصها الدائم على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف، مؤكداً عمل وزارته على تكامل الجهود بين العلاج والوقاية والترصد، وتسعى لضمان وصول الأدوية والفحوصات إلى كل مريض محتاج في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة.

وتعهّد بأن تتابع الوزارة عملية التوزيع ميدانياً لضمان الاستخدام الأمثل للإمدادات وتعزيز كفاءة الكوادر الصحية في التشخيص المبكر والعلاج وفق البروتوكولات المعتمدة، بما يُسهم في الحد من مقاومة الأدوية وتحسين مؤشرات السيطرة على الملاريا.

بدوره، أكد ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن أن المشروع يهدف إلى تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للأمراض المنقولة بالنواقل وفق أولويات الاحتياج، مشيراً إلى أن التنسيق مع وزارة الصحة اليمنية يضمن توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر تضرراً.

إمدادات وقائية

وحسب وزارة الصحة اليمنية، فإن هذه الإمدادات تأتي ضمن حزمة متكاملة أوسع تشمل مليون فحص تشخيص سريع للملاريا، و500 ألف جرعة علاج مركب قائم على مادة الأرتيميسينين، و100 ألف فحص تشخيص سريع لحمى الضنك، إلى جانب 1.8 مليون ناموسية مشبعة طويلة الأمد، وأكثر من 29 طناً من مبيدات الصحة العامة المستخدمة في مكافحة نواقل الأمراض، وهو ما يعكس توجهاً استراتيجياً يجمع بين الوقاية والعلاج والترصد الوبائي والمكافحة المجتمعية.

فرق ميدانية وصلت إلى المناطق النائية في اليمن لتقديم الرعاية الطبية (إعلام حكومي)

وأكد البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل أن عملية التوزيع ستشمل مختلف المحافظات المستهدفة بعموم اليمن وفق آلية فنية تضمن إيصال الأدوية والمستلزمات إلى المرافق الصحية ذات الأولوية، مع التركيز على المديريات ذات الكثافة السكانية العالية ومناطق توطن المرض، بما يُحقق عدالة التوزيع، ويُعزز فاعلية التدخلات الصحية.

وذكر أن هذا الدعم يأتي في إطار المرحلة الثانية من مشروع تعزيز مكافحة الملاريا والوقاية منها في اليمن الذي تنفذه منظمة الصحة العالمية، ويغطي 15 محافظة يمنية وأكثر من 200 مديرية، مستهدفاً ملايين المستفيدين من خلال حزمة تدخلات تشمل توفير الأدوية والفحوصات، وبناء قدرات الكوادر الصحية، وتعزيز أنظمة الترصد والاستجابة السريعة، وتنفيذ حملات رش ومكافحة مجتمعية للحد من انتشار البعوض الناقل للمرض.

تحديات ميدانية

ويُنتظر أن تُسهم هذه الإمدادات في تعزيز الجهود اليمنية للسيطرة على الملاريا وتقليل عبئها الصحي والاقتصادي، ودعم مسار التعافي الصحي بما يُعزز صمود النظام الصحي وقدرته على الاستجابة للتحديات الراهنة والمستقبلية.

وتُشكل الملاريا تهديداً صحياً كبيراً في اليمن؛ حيث يُصاب أكثر من مليون شخص سنوياً، ويعيش أكثر من نصف السكان في مناطق معرضة للإصابة، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزوح والتغيرات المناخية، وسط انهيار النظام الصحي وتفاقم الأوضاع.

وتعد محافظة الحديدة، بالإضافة إلى المحويت وعمران وحجة وصنعاء، من المناطق الأعلى خطورة وتفشياً للمرض، كما أن النساء الحوامل والأطفال دون سن الخامسة والنازحين هم الأكثر عرضة للمضاعفات والوفاة.

ردم المستنقعات وتجمعات المياه المولدة للبعوض الناقل للملاريا (إعلام محلي)

ويعود أسباب تفشي هذا الوباء إلى محدودية الخدمات الصحية وتكاثر البعوض نتيجة الأمطار والسيول، فيما تُحذر التقارير من أن استمرار الحرب يضعف الجهود الرامية للقضاء على هذا المرض الفتّاك.

ووفق مكتب منظمة الصحة العالمية في إقليم شرق المتوسط، فإن مرض الملاريا يفرض عبئاً ثقيلاً على المجتمعات الضعيفة في جميع أنحاء اليمن، ولا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها. وإذ يؤدي ضعف النظام الصحي، نتيجة سنوات من الصراع وتغير المناخ، إلى زيادة مستوى التحديات.

وقال إنه، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة والسكان وشركائها، يجري تعزيز الجهود لتقديم تدخلات منقذة للحياة، مصممة بشكل خاص للوضع الحالي، وضمان الوصول إلى تشخيص فعال وعلاج في الوقت المناسب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended