الخوف من كارثة محدقة في خضم القتال بالفلوجة

توقعات بمعركة طويلة تمتد لأشهر.. ومنظمات الإغاثة في سباق مع الزمن لتفادي حمام دم

الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
TT

الخوف من كارثة محدقة في خضم القتال بالفلوجة

الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)
الدخان يتصاعد على أطراف الفلوجة المحاصرة من كل الجهات من القوات العراقية (رويترز)

على طول خط المعركة في شمال الفلوجة، تمطر وحدات صغيرة من المقاتلين الشيعة المدينة، وقاطنيها من مقاتلي «داعش»، بكثير من قذائف الهاون والصواريخ.
وتنتشر الكتابات الجدارية ذات الطلاء الأحمر البارز عبر شبكة ممتدة من الحوائط المنخفضة التي تهدمت بفعل الرصاص والقنابل، في حين تنطلق صفارات سيارات الإسعاف التي تلهث في سباق محموم لنقل الجرحى والمصابين لتلقي العلاج في المواقع الخلفية البعيدة عن الجبهة الأمامية.
صارت معركة الفلوجة من المعارك القوية والشرسة داخل المدينة كما هي الحال في خارجها؛ حيث أحاطت القوات العراقية بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم في الوقت الذي تلقى فيه هجمة مرتدة شرسة من قبل مقاتلي «داعش». ولقد تمكن بعض المدنيين من الفرار من الأتون المشتعل في داخل المدينة مع اشتداد أوار المعارك هناك، ولكن مصير عشرات الألوف من المدنيين المحاصرين في المدينة بات من التساؤلات الملحة التي ظلت من دون إجابة شافية حتى هذه اللحظة.
تتناثر أشجار النخيل المثمرة ومساحات من المراعي الخضراء على طول بعض من أجزاء المعركة المستعرة، وهي من المشاهد المألوفة لكل من يتابع المشاهد التلفزيونية لجنود المارينز الأميركيين الذين كانوا يقاتلون على الأرض نفسها منذ قرابة عشر سنوات. ولكن في غالب الأمر، صارت الأراضي بنية اللون وشديدة الجفاف؛ حيث تضررت للغاية إثر القتال المستمر منذ سنوات. وهناك دبابة متفحمة ومجزأة إلى قسمين تستقر عند مفترق أحد الطرق بالمدينة، في حين تتصاعد أعمدة الدخان الأسود على مسافة الرؤية الواضحة بسبب إحدى الغارات الجوية، أو قذيفة من قذائف الهاون، أو سيارة من السيارات المفخخة.
ومما يزيد من كآبة المشهد، تلك السلسلة المعقدة من الأنفاق، التي تعرض بعض منها للقصف الشديد من الغارات الجوية الأميركية خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تمكن تنظيم داعش من حفرها أثناء سيطرته على المنطقة لما يربو على العامين.
وللاقتراب من الجبهة، تقابل فريق المراسلين التابعين لصحيفة «نيويورك تايمز» مع مسؤولين من «منظمة بدر»، وهي من الميليشيات الشيعية الشهيرة التي تتلقى دعما مباشرا من إيران، وذلك عند ناصية أحد الشوارع في بغداد خارج أحد مطاعم الوجبات الشعبية في صباح يوم الأحد الماضي. وقد انضمت سياراتنا مع سياراتهم حتى كونت قافلة صغيرة، وعبر المرور على مختلف نقاط التفتيش المتناثرة عبر الطرق المزدحمة هناك، وصلنا في نهاية المطاف إلى إحدى القواعد الواقعة في شرق الفلوجة، في رحلة استغرقت نحو الساعة أو يزيد.
وفي داخل تلك القاعدة، كانت قوات الأمن العراقية المتنوعة تسيطر على مختلف المناطق؛ فهناك الميليشيات المدعومة من إيران في أحد الأماكن، وهناك قوات النخبة العراقية المتخصصة في مهام مكافحة الإرهاب، التي تعمل عن كثب مع الولايات المتحدة، في مكان آخر، وهناك أيضا قوات الشرطة السنية من الفلوجة، وهم المكلفون بحماية أمن الفلوجة بمجرد استردادها من التنظيم الإرهابي، ويوجدون في مكان آخر بالقاعدة، وبعض الرجال يتضاحكون أعلى إحدى الدبابات الرابضة أثناء تصليح بعض العربات العسكرية المتضررة.
وعلى مقربة من الجبهة الأمامية، تحدث أحد مقاتلي «منظمة بدر» الشيعية، عن التقدم الذي أحرزته القوات العراقية في المناطق النائية من الفلوجة، حيث قال: «إنني مندهش من التقدم الذي أحرزوه حتى الآن، لقد توقعنا أن تكون معركة طويلة وشرسة. ومع ذلك، فإن القتال الحقيقي (يعني السيطرة على المدينة بأسلوب قتال الشوارع) لم يبدأ بعد»، وقال إنهم قد يعمدون إلى الإبطاء من وتيرة القتال الرئيسي حتى يسمحوا للمدنيين بالمغادرة في أمان.
وأضاف قائلا: «لدينا قلق وخوف كبير على حياة المدنيين داخل الفلوجة، وقد يكون هناك تأخير في بدء أعمال القتال الرئيسية حتى نسمح للمدنيين بالمغادرة»، وهو يضع في اعتباره التوترات الطائفية التي ارتفعت وتيرتها بشدة مع بدء القتال، ولا سيما مع اقتراب القوات الشيعية الكبيرة من المدينة السنية.
ومن شأن ذلك أن يعيد إلى الأذهان ذكريات معركة الفلوجة الأولى التي كانت في شهر أبريل (نيسان) من عام 2004، عندما شرعت القوات الأميركية في شن هجومها على المدينة، ثم عمدت إلى التراجع بسبب ازدياد المخاوف على أرواح المدنيين الذين لقوا مصرعهم آنذاك. وبعد ذلك، صارت الفلوجة مرادفا وثيق الصلة بالفشل الأميركي في إخماد التمرد المندلع هناك، ولم يتمكن أي من جنود المارينز من دخول شوارع المدينة وتطهيرها إلا بعد مرور سبعة أشهر كاملة، وتحديدا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، في معركة حصدت أرواح ما يقرب من مائة جندي أميركي.
ومعركة الفلوجة الثانية التي حان موعدها، تقاتل فيها مجموعة من القوات الحكومية العراقية، والميليشيات الشيعية ومقاتلي العشائر السنية. وهم يضيقون الخناق الآن على المدينة من طرفيها الشمالي والجنوبي، غير أنهم لم يبدأوا حتى الآن في القتال وصولا لمركز المدينة.
ولا يزال هناك ما يقرب من 50 ألف مدني يقطنون الفلوجة، ولقد انقطعت عنهم منذ فترة طويلة إمدادات الغذاء والدواء بسبب الحصار الحكومي، ويعيشون الآن تحت قصف وحدات المدفعية مع إحكام خطوط القتال الأمامية حول المدينة.
حذر المجلس النرويجي للاجئين يوم الثلاثاء الماضي من «الكارثة التي بدأت تتكشف في الفلوجة»، حيث قال المجلس إن الأوضاع الإنسانية في المدينة باتت تتدهور بوتيرة مخيفة مع اقتراب واشتداد القتال حولها. كما حذرت الأمم المتحدة يوم الثلاثاء أيضا، استنادا إلى معلومات مراسليها في المدينة، من تعرض المدنيين للقتل بسبب القصف الذي تشنه القوات الموالية للحكومة العراقية على المدينة، بما في ذلك سبعة من أفراد عائلة واحدة لقوا مصرعهم قبل بضعة أيام.
وقالت لايز غراندي، المسؤولة عن الملف الإنساني للأمم المتحدة في العراق، عبر مقابلة شخصية أجريت معها: «إنني أشعر بقلق شديد حول ما يجري للمدنيين في الفلوجة الآن».
وأضافت السيدة غراندي قائلة إن المراسلين داخل المدينة قد أخبروا الأمم المتحدة أن مقاتلي «داعش» كانوا ينقلون العائلات إلى مركز المدينة ليتخذوا منهم دروعا بشرية أثناء القتال. وقالت بعض العائلات التي تمكنت من مغادرة المدينة إن هناك مخاوف من تفشي وباء الكوليرا بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية والمياه النظيفة.
وأفادت الأمم المتحدة أن هناك ما يقرب من 3700 مواطنا، وأغلبهم من المناطق النائية المحيطة بالفلوجة، قد تمكنوا من الوصول إلى المناطق الآمنة خلال الأسبوع الماضي. وهناك 500 رجل وصبي فوق سن الـ15 عاما قد تمكنوا من الوصول إلى الخطوط الحكومية، ولكنهم قيد احتجاز السلطات العراقية لاستجوابهم حول أي صلات محتملة مع تنظيم داعش الإرهابي.
وعُزلت مدينة الفلوجة عن العالم منذ سيطرة تنظيم داعش عليها قبل عامين ماضيين، وكانت تعتبر في أدبيات التنظيم موطئ قدم راسخة لمزيد من الفتوحات في شمال وغرب العراق. وبرزت إلى النور لمحة من لمحات الظلام الذي ظل يكتنف مختلف أرجاء المدينة في وقت مبكر من يوم الثلاثاء الماضي، عندما تمكنت امرأتان من الأقلية الإيزيدية الدينية من الوصول إلى المناطق الآمنة عن طريق عبور نهر الفرات في أحد القوارب، وكان السلطات تعتقد بإلقاء التنظيم الإرهابي القبض عليهما في شمال العراق، واعتقلا في الفلوجة ربما سبايا لدى مقاتلي التنظيم.
وقد انتقلت فيان دخيل، وهي من أعضاء البرلمان العراقي عن الطائفة الإيزيدية، إلى العاصمة بغداد يوم الثلاثاء لمقابلة المرأتين، وقالت إنها تعتقد أن هناك مزيدا من النساء الإيزيديات المعتقلات داخل المدينة. وصرحت في مقابلة شخصية تقول: «لا علم لدي بالرقم الحقيقي، ولكنني متأكدة من أنهن كثيرات للغاية».
وقال العقيد صادق خليل، من الشرطة الاتحادية العراقية، يوم الأحد الماضي حيث كان يقف في أحد بساتين النخيل، إن تنظيم داعش أطلق العنان لكامل ترسانته من الأسلحة لرجاله: من حيث القناصة، والمنازل المفخخة، والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق.
وأكد العقيد خليل على أن رجاله، وكانوا عبارة عن فريق لقذائف الهاون مجتمع حوله، وسط صناديق متعددة مفتوحة تحمل قذائف الهاون، كانوا يتقدمون تقدما حثيثا من أجل حماية المدنيين. وقال العقيد خليل مضيفا: «كان القتال شرسا للغاية»، ولكنه سرعان ما استطرد مضيفا: «المعارك في المناطق المأهولة سوف تكون الأصعب والأشرس»، في إشارة إلى القلب المكتظ بالسكان من الفلوجة.
يعتقد المسؤولون العاملون في مجال الإغاثة الإنسانية في العراق أنهم في سباق مع الزمن لتفادي ما يخشون أن يكون حماما من الدم ما إن شنت القوات العراقية هجومها على مركز المدينة. ولقد ازدادت مثل تلك المخاوف صبيحة يوم الاثنين الماضي عندما غادرت قوات مكافحة الإرهاب العراقية المدعومة من الولايات المتحدة قواعدها وتقدمت صوب جنوب المدينة ونحو مركزها.
وقد أكدت التصريحات التي أفاد بها القادة العسكريون لمختلف وسائل الإعلام – زورا – أن قوات مكافحة الإرهاب قد دخلت المدينة بالفعل وبدأت تقاتل دفاعا عنها. ولكن بدا الأمر واضحا يوم الثلاثاء من أن تقدم تلك القوات قد توقف في مواجهة المقاومة العنيفة من قبل مقاتلي «داعش».
جذبت المعركة من أجل الفلوجة انتباه وسائل الإعلام في أعقاب سلسلة من الاضطرابات السياسية التي شهدت احتجاجات ضخمة عصفت بالمنطقة الخضراء في العاصمة بغداد ومبنى البرلمان. ووفقا لذلك، كانت هناك حرب أخرى تدور رحاها في وسائل الإعلام العراقية، حيث حافظت مختلف القوى المؤثرة على حرب البيانات والتصريحات السياسية التي تزعم تحقيق النجاحات العسكرية في ميدان القتال، وبعض منها، كما كان الأمر يوم الاثنين، لم يكن قد بدأ بعد.
وكما أصبح واضحا، كما كان بعد ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي، فإنه ما من شيء يسمى النصر السريع في الفلوجة. وحثت قيادة العمليات العسكرية المشتركة، وهي مركز قيادة الجيش العراقي، إلى جانب قوات الشرطة الاتحادية، وقيادة الميليشيات الشيعية، مختلف وسائل الإعلام على أن تتوخى الحذر فيما تنشره من أخبار حول معركة الفلوجة، وعدم التسرع في نشر المعلومات والأنباء قبل مراجعة المصادر والتحقق منها قبل نشرها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.