القرض الدولي الجديد للعراق مشروط بإدارة الدولة بـ«طريقة سليمة»

السياسات المحلية الفاشلة سبب الكارثة وتنامي الدين الداخلي يخنق بغداد

صندوق النقد الدولي وافق منتصف الشهر الجاري على إقراض العراق بشروط وضوابط (رويترز)
صندوق النقد الدولي وافق منتصف الشهر الجاري على إقراض العراق بشروط وضوابط (رويترز)
TT

القرض الدولي الجديد للعراق مشروط بإدارة الدولة بـ«طريقة سليمة»

صندوق النقد الدولي وافق منتصف الشهر الجاري على إقراض العراق بشروط وضوابط (رويترز)
صندوق النقد الدولي وافق منتصف الشهر الجاري على إقراض العراق بشروط وضوابط (رويترز)

أكد اقتصاديون عراقيون أن القرض الدولي الجديد الذي حصل عليه العراق مؤخرًا بحاجة إلى سلسلة إجراءات صعبة لتفعيله تتضمن تخفيض الموازنة التشغيلية، ومن أهمها تخفيض رواتب موظفي الدولة المتضخمة وتجميد أو تعليق مستحقات الدول العربية والأجنبية لدى العراق، إضافة إلى حاجة البلد إلى إدارة صحيحة للملفين السياسي والمالي وفق معايير الحوكمة في البلاد، ولفتوا إلى أن السياسة المحلية الفاشلة هي السبب في النتائج الكارثية التي وصل لها العراق.
وأعلنت الحكومة العراقية عن موافقة صندوق النقد الدولي في 15 مايو (أيار) على إقراض العراق 5.4 مليار دولار، وهو القرض الذي سيسمح بتأمين مساعدات مالية تصل إلى 15 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة. موضحة أن مبلغ الفائدة السنوية قدره 1.5 في المائة، لكن صندوق النقد وضع موافقته على القرض شريطة تخفيض النفقات العامة بنحو 13 تريليون دينار (نحو 12 مليار دولار)، وإخضاع مخصصات «كبار الموظفين» إلى ضريبة الدخل.
وتقوم الحكومة العراقية بإجراءات استباقية لخفض حجم الموازنة بنحو 13 تريليون دينار عراقي من خلال خفض أسعار النفط المتوقعة من 45 إلى 40 دولارا، لا سيما مع وجود توقعات في أسواق النفط العالمية بمزيد من الهزات.
ويعيش العراق، الذي يعتمد في موازنته العامة على النفط كمصدر أساسي، وضعًا اقتصاديًا صعبًا بعد تراجع أسعار النفط العالمية، في وقت بلغ فيه العجز بموازنة 2015 التي قدرت بنحو 84 تريليون دينار عراقي (نحو 72 مليار دولار)، أكثر من 30 في المائة، أي ما يعادل 29 تريليون دينار عراقي (نحو 25 مليار دولار)، بعدما احتسبت على أساس سعر 45 دولارًا لبرميل النفط، بمعدل تصدير 3.6 ملايين برميل.
وخلال ندوة اقتصادية نظمها معهد التقدم للدراسات الإنمائية، وهو أحد المعاهد الاقتصادية غير الحكومية، وحضرتها «الشرق الأوسط»، يقول النائب في مجلس النواب العراقي الدكتور مهدي الحافظ «هناك جدل كبير في الأوساط الاقتصادية حول القرض الدولي الذي سيمنح للعراق، فهناك من يرفض وهناك من يقبل، لكن الظروف غير الطبيعية التي يمر بها البلد هي التي دعته للاقتراض.. وينبغي معالجتها في إطار السياسات الاقتصادية المدروسة».
وأضاف الحافظ أن «البلد يواجه حالة صعبة وسيئة جدا، ولا يمكنه أن يخرج من هذا الوضع السيئ من دون وجود إدارة سليمة، ومراجعة حقيقية للإدارة السياسية والمالية».. مشيرا إلى أن «العراق في وضعه الحالي غير قادر على أن يقرر أي شيء بسبب أزمة النظام السياسي غير القادر على أن يقرر مصلحة البلد وفق المعايير الموضوعية.. وهذه مشكلة كبيرة».
المستشار المالي لرئيس الوزراء الدكتور مظهر محمد صالح، تحدث عن تفاصيل القرض الدولي، مبينا أن «العراق عضو مؤسس في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي منذ عام 1944. لكن العلاقة بدأت تتعثر في عام 1977 بعد أن قرر النظام السابق عدم تزويد الصندوق بأي بيانات تتعلق بالاقتصاد العراقي».
وأشار صالح إلى أن بدايات عودة التعامل مع الصندوق والبنك الدوليين كانت عام 2003 من خلال «مؤتمر مدريد» للدول المانحة، ولكن العمل الرئيس بدأ من تسوية ديون العراق في «نادي باريس» بعد أن أجرى صندوق النقد الدولي عملا مهما لصالح العراق من خلال إعداد جداول تحديد تحمل الدين، فكان مستوى تحمل العراق للدين بمستوى دولة رواندا؛ أي إنه لا يستطيع تسديد أكثر من 10 في المائة من الديون.. وهذا الذي دفع الصندوق إلى دعوة دول نادي باريس إلى إطفاء 90 في المائة من ديون العراق، شريطة أن يدخل العراق في إطار اتفاقية
«البلدان ما بعد الصراعات».
وأضاف صالح أن مسارات الاتفاق مع الصندوق والبنك الدوليين كانت تسير بنحو جيد، لا سيما في الجزء المتعلق بالديون، لحين انتهاء عمر اتفاقية الاستعداد الائتماني الثانية عام 2013.. واليوم دخل العراق في الاتفاقية الثالثة. لافتا إلى أن «البنك الدولي» طلب من العراق إعداد كشف تفصيلي بإمكاناته الاقتصادية وحصر الأموال والأرصدة المتوفرة لدى مؤسسات الدولة، وكذلك معرفة تفاصيل مستحقات المقاولين البالغة 7.6 تريليون دينار، وكذلك حوكمة أداء وزارة المالية وإعادة هيكلة مصرفي الرشيد والرافدين، وإنشاء شركة لضمان الودائع وضمان الرعاية الاجتماعية والبطاقة التموينية والمهجرين والنازحين.
ولفت صالح إلى أن الحصول على القرض الدولي لا يتم بسهولة، إنما يجب على العراق أن يتخذ سلسلة من الإجراءات، من بينها الاطلاع من قبل صندوق النقد الدولي على صافي الصرف الحقيقي للعراق خلال عام 2015. وعند الاطلاع عليه اكتشفوا أن الرواتب متضخمة جدا لدرجة المبالغة، فضلا عن تضخم فقرات أخرى، الأمر الذي دفع الصندوق والبنك الدوليين إلى الطلب من العراق احتساب النفط بسعر 35 دولارا بدلا من 45. وبتصدير 3.6 ملايين برميل يوميا، لتصل الفجوة أو العجز إلى 11 مليار دولار. وبعد حذف الكثير من الفقرات، تتبقى 6 مليارات دولار في السنة يتكفل الصندوق والبنك الدوليان بسدها.
وأشاد بموقف دولة الكويت الداعم للعراق بعد مفاتحتها بتعليق مستحقاتها المترتبة على العراق، وباقتراح من كندا تم تجميد فوائد ديون نادي باريس البالغة 800 مليون دولار (خدمات الدين) لغاية 2019. لافتا إلى أن العراق ليس في منطقة الخطر فيما يتعلق بالدين الخارجي، ولكن المشكلة في الدين الداخلي الذي يتنامى باستمرار، والبالغ 25 تريليون دينار عبارة عن حوالات الخزينة. وفي هذا العام سيصدر البنك حوالات خزينة بقيمة 13 تريليون دينار ووافق عليها البنك الدولي.
وأفاد صالح أن «إدارة الدين صعبة، لا سيما مع اقترابنا من خرق منطقة الأمان التي تصل إلى 60 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي»، مشيرا إلى أن العراق محظوظ، ولكننا بحاجة إلى مساعدة أنفسنا لاستثمار الدعم الدولي، فقد أعلنت الدول الصناعية السبع أخيرا عن تقديم قرض مقداره 3.4 مليون يورو. موضحا أن العراق سيحصل على نحو 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات. وأن من شروط «صندوق النقد الدولي» هي حوكمة أداء وزارة المالية من خلال تقديم كل فصل من فصول المصروفات والنفقات حسب الاتفاق إلى مجلس الوزراء ليصادق عليها ويرفعها إلى مجلس النواب، والشرط الثاني هو تطبيق قانون ضريبة الدخل على موظفي الدولة، كما طلب الصندوق من العراق تقديم حسابات فصلية تثبت عدم وجود أي تلاعب بمنظومة الحماية الاجتماعية والنازحين والبطاقة التموينية وتسديد مستحقات الشركات النفطية.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».