«القاعدة» تخطط لجعل سوريا محور انطلاق ضد الغرب

مدير الاستخبارات الأميركية قلق من استخدام التنظيم المركز الجديد لتطوير قدرات المقاتلين

مقاتلون من «جبهة النصرة» الحليف الرئيس لـ«القاعدة» في سوريا.. بالقرب من حلب  في أبريل الماضي (نيويورك تايمز)
مقاتلون من «جبهة النصرة» الحليف الرئيس لـ«القاعدة» في سوريا.. بالقرب من حلب في أبريل الماضي (نيويورك تايمز)
TT

«القاعدة» تخطط لجعل سوريا محور انطلاق ضد الغرب

مقاتلون من «جبهة النصرة» الحليف الرئيس لـ«القاعدة» في سوريا.. بالقرب من حلب  في أبريل الماضي (نيويورك تايمز)
مقاتلون من «جبهة النصرة» الحليف الرئيس لـ«القاعدة» في سوريا.. بالقرب من حلب في أبريل الماضي (نيويورك تايمز)

غادر العشرات من مقاتلي «القاعدة»، ومن بينهم عدد من القيادات الوسطى، باكستان خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يخشى مسؤولو الاستخبارات ومكافحة الإرهاب الأميركيون من أن يكون محاولة لوضع الأساس لهجمات محتملة ضد أوروبا والولايات المتحدة.
وقال جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركي، أمام لجنة مجلس النواب أخيرا: «نحن قلقون حيال استخدام تنظيم القاعدة الأراضي السورية لتجنيد مقاتلين وتطوير قدراته، كي يتمكن من شن هجمات على الأراضي السورية، واستخدامها في الوقت ذاته قاعدة له».
يشكل المتطرفون الذين أثاروا مخاوف برينان جزءا من مقاتلي «القاعدة» في باكستان الذين تعرضوا لخسائر فادحة خلال السنوات العشر الماضية نتيجة غارات الطائرات من دون طيار (الدرونز) الأميركية، لكن المقاتلين لا يزالون ينقلون قدرا كبيرا من المهارات إلى ساحة المعركة، مثل صناعة القنابل، وتكتيكات الأسلحة الصغيرة والخدمات اللوجستية والتخطيط، على الرغم من الاعتقادات بأنهم لا يملكون الخبرة في شن الهجمات في الغرب.
تشكل سوريا قاعدة مغرية لهؤلاء المقاتلين لأنها تقدم لها ملجأ آمنا نسبيا بالنسبة للملاذات التي يملكها المتطرفون - بعيدا عن الطائرات من دون طيار في أفغانستان وباكستان - إضافة إلى الوصول بشكل سريع إلى نحو 1200 مسلم أميركي وأوروبي ذهبوا إلى هناك للقتال ويشكلون جنودا محتملين لتنفيذ هجمات لدى عودتهم إلى بلادهم. وقد عبر مسؤولو مكافحة الإرهاب عن مخاوفهم في الأشهر الأخيرة من أن هؤلاء المقاتلين الغربيين يمكن دفعهم إلى التطرف عبر هذه الحرب الأهلية.
وقد خلصت تقديرات استخباراتية سرية جديدة، اعتمدت على معلومات جرى الحصول عليها عبر التنصت الإلكتروني والعملاء والمشاركات في وسائل الإعلام الاجتماعية، إلى أن القيادة العليا لتنظيم القاعدة في باكستان؛ وعلى رأسهم أيمن الظواهري، وضعوا خطة أكثر منهجية طويلة المدى عما اشتهر عنها في السابق من تكوين خلايا محدودة في سوريا من شأنها تجنيد وتدريب هؤلاء الغربيين.
وكان تنظيم القاعدة قد بارك في السابق إنشاء تنظيمات محلية في أماكن مثل اليمن حاولت شن هجمات على الولايات المتحدة. لكن مسؤولون في مكافحة الإرهاب أشاروا إلى أن المحاولة الأخيرة في سوريا تمثل المرة الأولى التي يحاول فيها كبار قادة «القاعدة» إنشاء جناح خاص بهم خارج باكستان مخصص لتنفيذ هجمات ضد الغرب، ويمتلك في الوقت ذاته القدرة على ضخ دماء جديدة في قيادة «القاعدة» المركزية، التي وصفها الرئيس أوباما بأنها تضاءلت إلى حد بعيد.
بيد أن التقييم الأميركي واجه عددا من الانتقادات حتى بين أقرب شركاء الولايات في مكافحة الإرهاب، الذين يرون أيضا زيادة في ظهور مقاتلي «القاعدة» ذوي الخبرة الذين يتخذون من باكستان مقرا لهم، بين جماعات الثورة السورية، لكنهم يختلفون بشأن تورطهم في وضع خطط منسقة لمهاجمة الغرب.
وقال مسؤول أمني غربي: «على هذه الساحة، هم أقل تنظيما من خطة موجهة، فبعض المقاتلين يذهبون إلى سوريا، لكنهم يذهبون لغرض محدد لا على مستوى منظم».
ومعظم المقاتلين الذين حدد مسؤولو الاستخبارات هوياتهم يصبون تركيزهم باتجاه الهجوم على القوات الحكومية السورية والفصائل الثورية المنافسة. لكن المسؤولين الأميركيين يرون أن ظهور هذا النوع من المقاتلين في سوريا يعد مؤشرا على أن الظواهري يمارس لعبة طويلة اعتمادا على قدرته على الدخول بسهولة إلى العراق ودعم شبكات «القاعدة» هناك، ناهيك بتردد الولايات المتحدة في تنفيذ هجمات بطائرات من دون طيار أو عمليات عسكرية أخرى ضد أهداف في سوريا.
ويقول أحد المسؤولين الأمنيين الأميركيين: «لكن السؤال الرئيس هنا هو كيفية استخدام سوريا بوصفها نقطة انطلاق لشن هجمات ضد الغرب ضمن استراتيجية الظواهري الشاملة وما إذا كان يتحرك ببطء الآن طمعا في تعزيز موقع «القاعدة» في المستقبل. الواضح، أن هناك شدّا وجذبا بين المقاتلين المحليين وقيادة «القاعدة» بشأن التخطيط للهجمات. ولم يتضح مدى سرعة تحرك البندول نحو محاولة شيء ما غير واضحة حتى الآن. ولا يتوقع أن يغير التقييم الجديد من السياسة الأميركية تجاه سوريا في القريب العاجل، لكنه يلقي مزيدا من الضغوط على إدارة أوباما وحلفائها لأنه يثير احتمالية أن تتحول سوريا إلى أفغانستان جديدة.
ويرى مسؤولون كبار في مكتب التحقيقات الفيدرالي والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب ووزارة الأمن الداخلي، أنهم يعملون عن قرب مع حلفائهم الأوروبيين لتعقب المواطنين الغربيين العائدين من سوريا.
ويعتقد مسؤولان بارزان في مكافحة الإرهاب أنه ربما يكون هناك بضع عشرات من مقاتلي «القاعدة» الذين قاتلوا سابقا في أفغانستان وباكستان، في سوريا حاليا، وقال ماثيو أولسن، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، أمام لجنة لمجلس الشيوخ في مارس (آذار) الحالي: «ما شهدناه في سوريا هو التحام مقاتلين مخضرمين تابعين لـ(القاعدة) قدموا من أفغانستان وباكستان مع متطرفين من مناطق أخرى ساخنة مثل ليبيا والعراق. ومن منظور إرهابي، فإن التطور الأكثر إثارة للقلق هو أن تعلن (القاعدة) سوريا أكثر الجبهات أهمية».
وخلال أول كلمة له بصفته وزيرا للأمن الداخلي في فبراير (شباط) الماضي، كان جيه جونسون أكثر صراحة بقوله: «لقد أضحت سوريا قضية أمن داخلي بالنسبة لنا». ويرى مسؤولو مكافحة الإرهاب أن مقاتلي «القاعدة» لديهم مهمات ودوافع متعددة، كحال الآلاف من المقاتلين الأجانب الذين ذهبوا على نفقتهم الخاصة إلى سوريا لقتال حكومة الرئيس بشار الأسد.
وأوضح المسؤولون الأميركيون أن «القاعدة» أرسلت كثيرين من أمثال أبو خالد السوري، العضو البارز في «القاعدة» (السوري المولد) بإيعاز القيادة المركزية لـ«القاعدة» في باكستان في البداية لقتال الأسد، والبدء في الوقت ذاته في وضع الأسس لاستخدام المناطق المعزولة في سوريا لشن هجمات ضد الغرب.
وهناك اعتقادات بأن أبو خالد السوري، الذي كان مقربا من أسامة بن لادن وقاتل ضد القوات الأميركية في أفغانستان والعراق، أرسل لحل الخلاف بين رافد «القاعدة» الرئيس في سوريا، «جبهة النصرة»، والفصيل المتشدد الآخر، «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» التي تبرأت منها «القاعدة». وقد لقي السوري مصرعه في تفجير انتحاري نفذه فصيل منافس.
ويتجمع كثير من مخططي وناشطي «القاعدة» من أفغانستان وباكستان في شرق وشمال غربي سوريا، في المناطق التي تسيطر عليها أو تتمتع فيها «جبهة النصرة» بنفوذ قوي، بحسب مسؤولي الاستخبارات. ويقول ليث الخوري، محلل بارز في شركة «فلاش بوينت غلوبال بارتنرز»، شركة استشارات أمنية تتعقب المواقع الجهادية: «مقاتلو (القاعدة) ربما يكون لهم دور مؤثر في عملية تجنيد وتدريب المقاتلين. وسوف يجري تصويرهم على أنهم أسود بين الصفوف ومجاهدين متمرسين». ورغم مشاركة كبار مبعوثي «القاعدة» في القتال فور وصولهم، ضد القوات السورية، فإن مسؤولي مكافحة الإرهاب قالوا إن لديهم طموحات أوسع نطاقا وأطول مدى.
وقال جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية أمام لجنة مجلس الشيوخ في فبراير (شباط) الماضي إن «نواة صغيرة من مقاتلي (القاعدة) المتمرسين من أفغانستان وباكستان موجودون في سوريا لتنفيذ خطط النصر بشن هجمات في أوروبا والولايات المتحدة». ويتفق تشارلز ليستر، زميل زائر في «مركز بروكينغز - الدوحة» مع هذا الطرح بالقول إن «غالبية القادة المرتبطين بـ(القاعدة) موجودون الآن في سوريا طمعا في أن تكون سوريا الملاذ الآمن الجهادي المقبل».
ويرى حسن أبو هنية، الخبير الأردني في الحركات الإسلامية، أن شن الهجمات على أهداف غربية لا يشكل أولوية بالنسبة لـ«جبهة النصرة» في الوقت الراهن. لكن آيديولوجية الجماعة أو الاعتقاد بأنها تتعرض لتهديد مباشر، قد تؤدي بها إلى شن هجمات على الغرب في النهاية. وقال أبو هنية: «ما إن يجرِ استهدافهم، حتى ينقلوا المعركة خارج الأراضي السورية».

* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.