مدينة الموصل في رواية إماراتية

«حارس الشمس» لإيمان يوسف تطرح أسئلة الغياب العراقي

تدمير «داعش» لآثار الموصل
تدمير «داعش» لآثار الموصل
TT

مدينة الموصل في رواية إماراتية

تدمير «داعش» لآثار الموصل
تدمير «داعش» لآثار الموصل

في معرض لندن للكتاب، وفي جناح مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، عرضت دار نشر قنديل آخر الإصدارات الروائية في منطقة الخليج، ومنها رواية «حارس الشمس» للكاتبة والمهندسة الإماراتية إيمان اليوسف التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة «جائزة الإمارات للرواية» مناصفة مع رواية الكاتب سعيد البادي «مدن ونساء».
استوقفني الإهداء: (إلى الآثار العراقية ما كان منها موجودا وما اختفى إلى الأبد)، وجرني إلى قراءة الرواية في غضون يومين، ترى ما الذي يجعل مهندسة إماراتية وكاتبة شابة تختار بيئة غير بيئتها كي تكتب عنها؟! الكتابة هي إذعان لحلم ما، وفي حالة إيمان يوسف الكتابة عن العراق، في أزمته الحالية، وتحديدا عن مدينة الموصل، هي انقياد نحو الكابوس بكل معانيه.
«حارس الشمس» قُسّمت 30 فصلا، الفصل الأخير من الرواية يدور على مقربة من جامع النبي يونس لحظة تفجيره من قبل عصابات «داعش»، وأعتقد أن الكاتبة اختارت خاتمة روايتها قبل الشروع في بدايتها.. النهاية لحظة توتر جوهرية والحدث الذروة، وكل أحداث الرواية ستبنى باتجاه هذه النهاية.
بطل «حارس الشمس» هو حسين منصور، عراقي من أهالي الموصل، حارس ليلي وسادن في جامع النبي يونس، قليل الكلام وقليل الحظ، يحلم بقطعة أرض يزرعها بزهور دوار الشمس؛ كي يستدل على الضوء الذي ستدير له دوار الشمس أعناقها، وكي تقيه الأرض مذلة التشرد في وطنه. هو بلا ذرية ولا زوجة، وحيد إلا من رحمه (أمه المحتضرة، ومدينته الموصل). جامع النبي يونس هو بطل الرواية أيضا، يقصده الناس للتبرك وطلبا للشفاء والاستجمام. حسين منصور سيظل مخدرا بضعفه وحيرته، مأزوما بفشله وإحباطاته وخساراته يتخذ من الجامع (البطل) مسكنا له.
الكاتبة وظفت الكثير من الميثولوجيا المحلية والعادات الشعبية في إثراء تفاصيل السرد، وهذا واضح منذ الصفحات الأولى، كما في ص 18 فهناك اعتقاد لدى أهل الموصل أن المرأة حين ترمي عباءتها من مئذنة جامع النبي يونس وتسقط العباءة بجانب ولد أو رجل من المارة، فستلد تلك المرأة ولدا. ونجحت في تطريز السرد بنوادر باللهجة الموصلية (لغاد، أمك عتموت...)، والحلويات والأطعمة الموصلية (من السما، لقم). كذلك أغنت الكاتبة السرد بالحقائق التاريخية عن الموصل وجوامعها ومئذنة الحدباء وجسورها عبر شخصية مليكة (الجزائرية- الفرنسية)، وهي باحثة في هندسة القباب والمنارات الإسلامية ترافق زوجها (الفرنسي - العراقي) يحيى في رحلة العودة إلى الموصل لبيع أرضه، الشعرة الأخيرة التي تربطه ووالديه بالوطن، حيث تلاشى كل أمل بعودة المهاجرين.
محور الرواية هي الأرض التي يحلم حسين بشرائها، ويحلم يحيى ومليكة باستردادها وجني المال من بيعها، والأرض التي سيعود إليها جواد ابن المرأة الشيعية الفقيرة الذي فُقد في الحرب، كأن الأرض هي الأم وهي التي ستستقبل الغائبين عند إيابهم.
الرواية تلاحق كل أشكال المعاناة العراقية وتحاول تضمينها بالسرد، زمن الديكتاتور والحروب والغزو الأميركي والاقتتال الطائفي والتهجير...إلخ. بصفتنا قراء تواجهنا حيرة في هذه الرواية، وهي تماهي الظالم والمظلوم وتبادل الأدوار بينهما، لا يوجد ظالم ولا مظلوم، الكل ضحايا مأزق العيش في وطن مستباح بالحروب والغياب.
استخدمت الكاتبة أسلوب الراوي العليم الذي يصف الشخصيات والأحداث بلغة شعرية حادة، شعرت أحيانا بأني أقرأ قصائد نثرية متكاملة وأحيانا خذلت النبرة الشعرية العالية بساطة السرد، وجعلت القارئ يتأرجح بين جمل معقدة الوصف ومفردات ثقيلة الوطء على مجريات الحدث. لكن هناك تقاطعات جميلة بين استرداد الماضي بفقرة، ووصف الحاضر بفقرة تليها مباشرة كما في ص 64. الكاتبة امتازت بالوصف الديناميكي والجمل القصيرة المتلاحقة في وصف المشاهد؛ مما جعلنا نتخيل ما نقرأه كأنه شريط سينمائي.
الأسماء في الرواية رغم محليتها فهي ذات دلالات واضحة: حسين منصور، علاء الجندي المسيحي، أم جواد الأرملة الشيعية البصرية، دجلة زوجة حسين منصور المختفية، دجلة رمز الماء، والحياة تختفي باختفاء الماء، وماء الحياة هو الأمان أيضا، اختيار هذا الاسم موفق جدا لرمزيته ودلالاته الإيحائية المرتبطة بالزمن السردي.
الموت والتلاشي حاضر في الرواية، وتحديدا منذ الفصل الثالث، حيث تبدأ فصول التواري الأبدي، أم حسين العجوز المحتضرة تصف الموت بـ(الزائر الملثم الذي تراه في عيون رُضَعها الذين فقدتهم واحدا تلو الآخر)، نحن أمام حزن نبيل يفجر أسئلة وجودية لأم منكوبة بفقد أولادها ولا تدري لماذا تحل عليها المصائب دون غيرها. حسين بطل الرواية هو وليدها التاسع، رأت الأم التماعة الموت في عينيه أيضا، لكنه نجا منه بالإهمال وكثرة البكاء، ما أجمل هذه المفارقة التي ابتكرتها الكاتبة؛ فالبطل حسين كان عليه أن يختار بين الموت صمتا كما إخوته أو البكاء طويلا. الأم من جهة أخرى اختارت لابنها (حسين) مصيره حين تنبأت له (حسين لا ولد له ولا حظ) ص23. الكاتبة هنا تجاوزت الثنائيات المتناقضة إلى تلك المتكاملة والمتداخلة، بل أحسنت مزجها (الموت - البكاء، الحياة -الحلم، الأرض - المال).
في الفصل الخامس هناك ترابط بين حياة الجامع الليلية بحياة حسين منصور؛ فالناس لا يعرفون شيئا عن الجامع ليلا، وكذلك يجهلون حسين منصور الذي يستأنس بالظلام والسكينة كما استأنس يونس بظلام جوف الحوت عن حياة العائلة والأسرة، متذبذبا بين اليقظة والحلم حتى تغدو الخيالات بالنسبة له واقعا، ومحتارا بين حلمه في جمع المال لشراء أرض وبين واجبه في منح المال لأمه المريضة كي تجري عملية. حسين منصور فاقد القدرة على تمييز الخير من الشر، وهو غير مهتم بالحكم على الأشياء والسلوكيات. إن الطابع المعقد لفعل حسين منصور عندما اتخذ على عاتقه تهديد أم جواد لاسترجاع الأرض التي سكنتها وأولادها، هو عقدة هذه الرواية التي ظلت مسترخية الأحداث رغم أنها تدور في مدينة تعتصرها التغييرات السياسية وتلتهمها نيران الطائفية والتشنج الديني، فحسين منصور لم يسأل نفسه هل هذا فعل خير أم شر؟ هناك حيرة سترافق القارئ حتى النهاية من لا يقينية شخصية حسين منصور من ذاتها.
جمعت الكاتبة في الصفحة 87 بين تأريخ موت (أبي جواد) رب الأسرة الشيعية الفقيرة التي سكنت أرضا مجهولة الملكية في الموصل، بالسكتة القلبية، وبين التاريخ الذي قبض فيه الجنود الأميركان على صدام حسين، لقد أحسنت الكاتبة توأمة موت الفقير المهمش مع نهاية الظالم، كأنما تقصدت رمزية نهاية الظالم والمظلوم معا.
قصص الحب باهتة في الرواية، ورغم ذلك فهي تترك بصمة أكبر من حيزها في البناء السردي، كما قصة حب حسين منصور لدجلة، وقصة حب ملكية ويحيى.
الرواية هي الجنس الأدبي الأقرب للقارئ المعاصر، تعيد محاكاة الواقع وتكبيره بالكلمات كي نعي حجم نكباتنا الصغيرة، متاعب الحياة الشخصية، والتغيرات الكبيرة، وأعني الحروب والموت والهجرة، الرواية هي المرآة العاكسة لهيمنة اللغة في وصف مكابداتنا ومأزقنا الحياتي بصنوفه كافة. الكاتبة مثلا لا تغفل وقع الموت وتفاصيله الصريحة المتربصة بالناس في طريق بغداد الموصل وكيف أن ياسين أخ حسين منصور يتخذ من هذا الطريق مصدر رزق بعمله سائقا رغم الموت، وهنا نحن أمام مفارقة ملامسة الموت لأنه مصدر الرزق.
«حارس الشمس» رواية بلا خيال، لكنها تستخدم الموروث الميثولوجي الشعبي لتعزيز الحكاية، هي رواية عن الحاضر بناسه ووقائعه، الحاضر المتشكل بفعل ماض ترك بصمة دامية فيه، والسائر نحو مستقبل مستنبطا بفعل الوقائع الحالية، هي رواية أهلنا ومدننا العربية ومعالمها التي دُمرت بفعل الحروب وفقدت ذاكرتها الجمعية بفقدان أهلها الذين هُجّروا وغُيبوا.
«ما هي التعويذة الملعونة التي أصابت هذه الأرض المباركة لتدفن الحضارة والأصالة فيه تحت طبقات من الدمار والخراب» تتساءل الكاتبة في الصفحة 65. إن كارثة تدمير الآثار أو تفجير جامع أثري في الموصل ليست كارثة محلية، وإن كانت تمس أهل الموصل وجدانيا أكثر من غيرهم، بل هي كارثة إنسانية كما غيرها من الكوارث في محو وإزالة آثار الشعوب وتاريخها وذاكرة أجيالها. هنات بسيطة وقعت فيها الكاتبة مثل اختلاف تسمية الابن الثاني لأم جواد، في الصفحة 71 تسميه (حيدر) الشاب الذي يبيع الخضر لمساعدة عائلته، وتسميه (سعد) بدءًا من الصفحة 91. أو كما ذكرت الكاتبة أن الجنود العراقيين هم من قبض على صدام حسين بمساعدة الأميركان، والصحيح أن سرية أميركية هي من قبضت عليه فقط.
نهاية الرواية موفقة جدا حين جعلت الكاتبة الطفل (هادي) شاهدا على تفجير الجامع، وإن وقع وسال دمه لكنه نهض، فهل سيكون مستقبل الموصل هاديا كما اسم الطفل الشاهد؟ لقد استقصت هذه الرواية بطريقتها الخاصة وبمنطقها الخاص جوانب الألم العراقي في تلك البقعة من الأرض، وحاولت الإلمام بتلك اللعنة المزمنة، لعنة الحروب والديكتاتورية، ولعنة الواقع المتشظي، ولعنة ما سيأتي.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.