خليل النعيمي: ليست مهمة الرواية قول الحقيقة التي لا وجود لها

يرى أن السلطة العربية استوعبت باكرا المثقفين.. ومنهم ممن يدعون التنوير والعلمانية

خليل النعيمي: ليست مهمة الرواية قول الحقيقة التي لا وجود لها
TT

خليل النعيمي: ليست مهمة الرواية قول الحقيقة التي لا وجود لها

خليل النعيمي: ليست مهمة الرواية قول الحقيقة التي لا وجود لها

من الصعب إجراء حوار أدبي مع مبدع سوري، أو حتى عربي، من دون مساءلته عن المأساة السورية بكل تجلياتها وتأثيراتها على الثقافة والإنسان. وهو ما يظهر في لقائنا مع الطبيب الجراح، والروائي العربي السوري، والرَحّالة خليل النعيمي، الذي نشأ في «بادية الشام»، وتتحدر عائلته من البدو الرُحل. درس الطب والفلسفة في «دمشق». وفي «باريس» تخصص في الجراحة، وحصل على «ماجستير» في الفلسفة المقارنة. إضافة إلى ما سبق، فهو رَحّالَة متمرّس. زار بلدانا كثيرة في القارات الأربع، وكتب عنها. ومنها: الهند، الصين، تشيلي، الأرجنتين، البرازيل، كوبا، مالي، السنغال، موريتانيا، المكسيك. وفي آسيا الصغرى، زار مدن «طريق الحرير». هذا عدا العالم العربي، وأوروبا، والأناضول. وهو يقيم، ويعمل، في «باريس». ومن رواياته: «الرجل الذي يأكل نفسه»، «الشيء»، «القطيعة»، «الخُلَعاء»، «تَفْريغ الكائن» و«دمشق 67» و«مديح الهرب» و«لو وضعتم الشمس بين يديّ».. وأما في أدب الرحلة، فنجد: «مخيّلة الأمكنة»، «كتاب الهند»، و«قراءة العالم».هنا حوار معه:

> ونحن نرى تعقد الوضع في سوريا، مع الاقتراب من الحرب الأهلية، إن لم نكن فيها، ماذا يمكن لك أن تقول، وأنت المثقف المتواجد بعيدا عن الجبهة، أي عن اليومي والمعيش؟
- أقول الشيء الكثير. ومهما قلتُ لا يمكن لي أن أقول كل ما يخطر ببالي، ولا ما دفعَني إلى الهرب، وتَرْك بلادي، منذ عقود. حالة «تَفْريغ الكائن» التي أرَّقَتْني كثيرا عندما كنتُ في «دمشق»، وكنتُ أرى عيانا كيف يحاولون أن يصنعوا من الشعب «أشباه كائنات» تسعى من أجل البقاء، فقط، حالة الإحباط المريب، هذه، هي التي تصنع الثورة الآن. كانوا يحلمون بخراف، فإذْ بهم يصنعون أُسودا لا حدود لشجاعتها. ونحن نعرف، تاريخيا، أن «العكس دائما هو الصحيح». فمَنْ تَقمعه، اليوم، سيثور عليك، غدا. لأن التاريخ ليس نظاما. وغير قابل للاستيعاب. إنه حركة الكائنات المستمرة الاختلاط والاختلاف، والتي لا يمكن لعقل السلطة المحدود الإلمام بها. وما نراه اليوم منها، من هذه الحركة الإنسانية الرائعة، عَبْر وقائع الثورة السورية العظيمة، ليس إلاّ السطْح المراوِغ لما يفور في الأعماق. عنف هذه الحركة التاريخية، نظاما ومعارضة، لا يعني شيئا آخر غير ذلك. النظام الغاشم الذي صرف أربعة عقود من التخطيط، والتركيع، والقمع، والاستيلاء، والاستيعاب، والهيمنة، والنهب، والكسب، والتراكُم، وأشياء أخرى كثيرة، هذا النظام البائس، لا يمكن له أن يستسلم بطريقة «مهذَّبة وحضارية»، بعد كل هذه الإجراءات العدوانية التي لا تحصى. والشعب الذي يتذكّر جيدا، فذاكرة الشعب تسطر كل ما يمر عليها، لا يمكن له أن يعيد مسلكه القديم اللاثوري، القابل بكل شيء. ولا أن يغضّ الطرف، بعد الآن، عن تسلُّط النظام، وفجوره. الوضع السوري ليس معقدا، إذن. إنه البحث عن الحرية، وبكل السُبل. لماذا نُخَوِّف الشعب الثائر ببلاهات الفكر القديم الذي ابتَزّ النظام بواسطته كل طاقات الشعب، وأراد تحويله إلى مجموعات من الخانعين. لنعترف الآن أن الخضوع مهما طال لا يزيل الظلم. وأن الثورة ليست نزهة وإنما هي عنف وعنف مضاد. فلنذهب في الطريق إلى آخره. هكذا، ربما، قد نحسم الأمر: أمر الحرية. لا لسوريا فحسب، وإنما لكثير من الشعوب الأخرى.
> لاحظْنا، في إحدى مقالاتك الأخيرة قيامك بِنَحْت مصطلح «نَقّار الصحون»، فهل للأمر علاقة بموقف المثقف من السلطة ومن السياسة، أي المثقف السوري والعربي من المأساة السورية؟
- بالطبع. السلطة العربية قامت باكرا باستيعاب المثقفين، ومنهم من «الكبار»، أو ممّنْ يدعون التنوير والعلمانية، ومنهم أشباه مثقفين، وقد أصبحوا عبر «نَقْر الصحون»، ذوي مراكز حساسة، ولهم أذرعهم الطويلة. فـ«نَقْر الصحون» موهبة. لكنها موهبة رذيلة. وخطرها على الحياة العربية داهِم وكبير. لأنها تستدعي الزيف والتلفيق. ولا تحترم جهد الآخرين إلا إذا كانوا من ذوي الصحون. إنها، مثل السلطة الغاشمة، تستوجب الثورة عليها. وبالعودة إلى نهاية سؤالك، أنا لا أوافق على تعبير «المأساة السورية». لأن سوريا، اليوم، في ثورة، وليست في مأساة. والحال الثورية لا تستدعي إشفاق الآخرين، إلا إذا كانوا من الحماقة بمكان. الحال الثورية تتطلّب الوعي الثوري المحايث لها، وليس النَدْب، والتهويل. تتطلّب المواقف الراديكالية التي تستحقها. سوريا، قبل الثورة، كانت في مأساة. الآن، الشعب السوري بدأ ينفض عن نفسه غُبار القمع المأساوي الذي تراكم خلال عقود طويلة. وسينتصر.
> أنت روائي، وقد كتبت في رواياتك السابقة الشيء الكثير عن واقع سوريا، ولعلّ رواية: «مديح الهرب»، نبوءة سابقة لما يحدث (أي الدعوة للهرب من قطاعات الجيش!)، فهل بمستطاع الرواية أن تواكب الحدث السياسي، دون السقوط في السياسوية الفجة، أم هل عليها أن تنتظر حتى ينتهي الأمر وتحصل على «هامش من الوقت»، أم عليها أن تكون نبوئية، بحيث تقرأ الأشياء قبليّا، وتبحث عن إرهاصاتها ونُذُرِهَا؟
- رواية «مديح الهرب»، صدرتْ طبعتها الأولى عن «المؤسسة العربية» عام 2005. وهي تعالج مصائر أربعة ضباط في الجيش الذي كان ما زال يدعى: «الجيش العربي السوري». واحد انتحر في مستشفى المزة العسكري، وآخر قتله قائدُه، بشكل تعسّفيّ، في الجبهة، والثالث أصيب بالجنون، والرابع تمكن من الهرب. وهي بالفعل دعوة للعصيان. لعصيان الطاعة العمياء عندما تُنْتَهك كرامة الكائن، عسكريا كان أم مدنيا. ودعوة مبكِّرة للانشقاق. وعندما كتبتُها لم أكن أتوقع، لم أكن أحلم، أن تقوم ثورة كبرى بعد سنوات. كان اليأس أكبر من الأمل. وخارج هذا الظرف التاريخي الحاسِم، ليس للرواية أي قانون، وليس لها أي مسوّغات خارج ما يعتمل في نفس الكاتب، وما يدور في عقله الخاص. وهي لا تعبِّر إلا عن «وقائع تاريخ الكاتب الشخصيّ» مهما ادّعى الكاتب، ولَفَّق من عِلل وأسباب. وفي النهاية، ليست مهمة الرواية مطابقة الواقع، ولا قول الحقيقة التي لا وجود لها في عالمها. وأكثر من ذلك هي أبعد ما تكون عن التنَبّؤ أو الاستشراف. وهذه الادعاءات التي نسمعها، غالبا، هي أكاذيب الكَتَبَة الفاشلين الذي لا يعرفون كيف «يكذبون».
> نشهد في عالمنا الآن موضة كتابية جديدة، هي موضة أدب الرحلة وارتياد الآفاق... ولعل الجميع يدعون، عن حق وعن غير حق، وَصْلا بابن بطوطة، فما الذي تراه ضروريا، أنت، وقد كتبتَ نصوصا رحلية كثيرة، حتى لا يسقط الكُتَّاب أو الرحّالة في إغواء الاستعانة بالدليل السياحي ومحرك البحث «غوغل»، أو حتى لا يمنحنا أي كاتب ما يمكن أن يُقدّمه أي سائح عادي يمتلك عينا مبصرة؟
- كل كتابة، في مرحلة من المراحل، هي «موضة». هي نمط تعبير ملائم عن مرحلتها. ولا تشذ الرواية، أو الشعر، أو أدب الرحلة عن ذلك. وليس من حق أحد أن يعطي دروسا للآخرين حتى «ابن بطوطة» نفسه، لو تَعلّق الأمر بأدب الرحلة، مثلا. وعلى العموم، لا تنبع قيمة «المكتوب» من مقام الكاتب، ولا حتى من «تاريخه المبجّل»، وإنما من «مادة الكتابة نفسها». ليس للأدب، والكتابة، قيمة مستقلة عن عنصرها. فليكتب أي منا ما يشاء إذا أحس برغبة في التعبير عن مشاعره. هكذا تتراكم الأحاسيس والمعارف والمواقف، في الحياة. الحظر بالمنع، أو الإزالة، أو الاستبعاد، أو الإهمال، أو الحيادية المغرِضة، هو ما يجب علينا الوقوف ضده. ولا تنْسَ أن «نقّاري الصُحون» من المثقفين، وحدهم، يمكن لهم أن يهملوا نصا مجيدا، أو أن يعلوا من شأن نص سخيف، لأسباب تتعَلّق بـ«مادة النقر»، أو بما يمكن لهم أن يجنوه، ولو بعد حين، من صاحب النص. فمفهوم «المَدْيونية» الثقافية قد تفَشّى كثيرا في واقعنا اليوم. وهو أحيانا يأخذ صيغة «التبادلية السلعية» التي كانت سائدة في عصور الإنسانية الأولى: «سلعتي مقابل سلعتكَ». هكذا، تنتشر، اليوم، في مجال الكتابة «البُؤر النقدية»، و«الزوايا الإشهارية»، و«النقد حسب الطلب». وكلها، منحازة. ومع ذلك، لا تطردُ المادة السيئة المادة الجيدة من السوق، لحسن الحظ.
> ما هو موقفك ممّا اصطلح الكثيرون على تسميته بـ«الربيع العربي»؟ وهل يجب على الكاتب والمثقف أن يكون متفائلا، رغم أنهار الدم وعميق الثارات؟
- نحن مع الثورة، أي شكل اتخذتْ. ولا تهمنا المعارضة، إلا إذا كانت مطية للثورة للوصول إلى غايتها الثورية. أما التسميات فلا تعنينا في شيء. والجدل البيزنطي حول الربيع، أو أي فصل عابر آخر، إنما هو «جدل اسميّ» بحت، لا قيمة تاريخية له. وهو ليس إلا هروبا إلى الأمام من مناهضي الحركات الثورية، الذين يجدون، دائما، لأنفسهم الأعذار، والذرائع، والأسباب، لكي يقفوا ضدها. أو ليكونوا، على الأقل، على الحياد. ولا حياد في وضع ثوري.



تراشق سياسي إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
TT

تراشق سياسي إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)

غضب عارم في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعد انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين؛ كل منهما من 3 طبقات ويضمان 12 شقة، راح ضحيته 15 قتيلاً، بينهم عائلات بأكملها، وسقط 8 أشخاص جرحى، انتُشلوا بعد عملية بحث مضنية. وأُخلي مبنى «جوهر» المجاور لهما، وهو آيل للسقوط أيضاً، فيما أُبلغ عن مبنى آخر في باب التبانة، وغيره بمنطقة القلمون.

ويعيش سكان هذه المناطق المحرومة حالة من الرعب؛ بسبب كثرة المباني السكنية المتصدعة والخطرة، فيما لا يجد السكان مأوى بديلاً، وتغيب الميزانيات اللازمة لتدعيم مبانيهم. ويضطر العشرات إلى ترك منازلهم كل يوم خوفاً من الموت تحت الأنقاض، ويتحولون إلى لاجئين في مدينتهم، ويخاطر آلاف آخرون بالبقاء.

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، مساء الاثنين، اجتماعاً موسعاً لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس.

انهيار مبنيين

قبيل غروب شمس يوم الأحد، شعر سكان في باب التبانة بأن المبنى يرتجّ بهم، ولم يجدوا الوقت الكافي لمغادرته، فانهار على عائلات بأكملها، وارتجت أسس المبنى الملاصق فانهار أيضاً. من حسن الحظ أن بعض الشقق كان فارغاً، وأمكن خلال أقل من 24 ساعة إنهاء عمليات البحث بفضل الفرق التي جاءت من أكثر من منطقة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمود صيداوي، الذي كان جدّه قد شيّد أحد المبنيين قبل 60 سنة، إنه سكن هناك لأكثر من 26 عاماً، وإنه قضى طفولته في تلك العمارة. وشرح أن «المبنيين المنهارين متلاصقان إلى حد أننا كنا نقفز من سطح إلى آخر». علماً بأن صيداوي فقَدَ عمه سيف صيداوي وابنة عمه سالي في الانهيار، فيما خرج عمه الآخر الذي يسكن البناية نفسها برفقة ابنته إلى السوق، وعاد ليجد ابنه ميتاً تحت الهدم، فيما نجت زوجته.

صورة أرشيفية للمبنيين اللذين انهارا في مدينة طرابلس مساء الأحد... وتبدو عليهما آثار التهالك (الشرق الأوسط)

ويضيف صيداوي: «العمارة عانت خلال معارك باب التبانة - جبل محسن. أصابها كثير من القذائف والرصاص، وقد اضطررنا إلى تركها بسبب الحروب، وسكنَ في شقتنا صديقي من آل الصايغ الذي قضى نحبه في الحادث هو وزوجته وابنته». ويؤكد أن «كل شارع (سوريا) في باب التبانة، تصدعت عماراته؛ بسبب كثرة القذائف والارتجاجات، وهي تحتاج هدماً وإعادة بناء».

التبليغ عن 600 مبنى

وتعدّ حادثةُ الانهيار تلك الثانيةَ خلال أسبوعين، حيث هوت السقوف على رؤوس الساكنين تحتها في طرابلس، بينما يقدّر عدد المباني الخطرة بالمئات، فيما إيواء العائلات أمر غير متوفر. وتتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، وتقف البلدية عاجزة أمام تراكم سنوات من الإهمال وغياب الآليات اللازمة للإنقاذ، وقلة عدد المهندسين لتلبية تبليغات الأهالي.

عناصر من الدفاع المدني وآليات تشارك في رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (د.ب.أ)

وبينما كانت عمليات البحث جارية عن ناجين، خرج الأهالي بالمئات في مظاهرات احتجاجية عارمة، وتوجهوا إلى مكاتب ومنازل نواب المدينة، ورشقوها بما تيسر، وحاولوا اقتحام المداخل، محملين إياهم مسؤولية الإهمال. وتدخل «فوج المغاوير» في الجيش اللبناني، وسجل انتشاراً كبيراً في المدينة لتهدئة الوضع.

ويقول رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، لـ«الشرق الأوسط»، إن 105 مبانٍ في طرابلس آيلةٌ للسقوط يتوجب هدمها بالكامل، وإن نحو 620 مبنى مهدداً يمكن تدعيم أساساتها. ويلفت إلى أن «ما انهار مساء الأحد، لم يكن ممسوحاً أو مهدداً، ولم يُنذَر السكان». وفي رد على أن قاطني المبنى أنذروا البلدية ولم يُستجب لهم، يرد كريمة: «لقد وضعنا الخط الساخن في خدمة الأهالي منذ أسبوعين. منذ حينها أُبلغ عن أكثر من 600 مبنى. ولم تتمكن فرقنا من الكشف على أكثر من 104 مبانٍ، فيما الـ500 الباقية لا تزال في الانتظار»، مؤكداً أن «العدد أكبر بكثير، وطرابلس بحاجة إلى ورشة ضخمة، ومسح شامل للأبنية».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون بموقع انهيار مبنيين في طرابلس شمال لبنان (إ.ب.أ)

وكان كريمة قد وضع استقالة المجلس البلدي في تصرف وزير الداخلية، عادّاً أن الوضع بات يتجاوز إمكانيات البلدية. وقال في مؤتمره الصحافي إن «القرار ليس تهرّباً من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير».

وبخصوص هذا الملف الموروث، يقول كريمة: «بذلت البلدية أقصى جهدها، بالتعاون مع نقابة المهندسين، وأعدّت برنامج (كول سنتر) والمسح، لكن المباني التي مسحناها جزء من عدد كبير من المباني، ونتحدث عن حياة الآلاف من أهلنا المهددين؛ جراء أمر مزمن وتقصير من قبل الدولة والسلطات».

هذا يعطي فكرة عن حجم المأساة في مدينة عانت أحياؤها الشعبية إهمالاً طويلاً، ومعارك متلاحقة، وفقراً مدقعاً، وأصبحت مشكلتها تحتاج إلى ورشة كبرى للإعمار والترميم.

تحرك حكومي

إثر الحادثة، دعا رئيس الوزراء، نواف سلام، إلى اجتماع عاجل في منزله بوزيرَيْ؛ الداخلية أحمد الحجار، والعدل عادل نصار، ووجههما إلى طرابلس للإشراف على التنسيق بين الأجهزة العاملة على الأرض، كما عقد اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي يضم جميع المعنيين من وزراء وهيئات محلية للتصدي لقضية الأبنية المتصدعة.

الوضع القاتم لم يمنع التجاذبات السياسية، حيث قال نائب طرابلس، فيصل كرامي، في تصريح: «ما جرى هو نتيجة الإهمال الذي حذّرنا منه مراراً. ولا تكفي عبارات الأسف بعد سقوط الضحايا. كل قطرة دم تُسفك بسبب غياب الدولة هي مسؤولية هذه الحكومة وبرقبتكم»، وأضاف: «من يعجز عن حماية الناس، فلا يحق له الاستمرار في حكمهم. المطلوب إغاثة فورية بالأفعال لا بالكلام، وإلا فلتكن استقالة فورية».

عنصر من الدفاع المدني أمام ركام مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (إ.ب.أ)

أما رئيس الوزراء السابق، ابن المدينة، نجيب ميقاتي، فطالب الحكومة بـ«استكمال الإجراءات التي كانت قد بوشرت في الحكومة السابقة، لا سيما لجهة تكليف بلدية طرابلس، التي تملك الإحصاءات الكاملة بشأن واقع المباني، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات، إلزام أصحاب الأبنية المتصدّعة بترميمها وتدعيمها في أسرع وقت ممكن». وأشار إلى أنه في حال تعذّر ذلك لأسباب مادية، فإنه ينبغي على الدولة رصد مبالغ من الخزينة العامة لتدعيم هذه المباني.

وهو ما حدا برئيس الوزراء، نواف سلام، إلى التذكير بأنه «أمام حجم هذه الكارثة الإنسانية التي هي نتيجة سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، واحتراماً لأرواح الضحايا، فإنني أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب»، مؤكداً: «أنا وحكومتي لم ولن نتهرب من المسؤولية، وسوف نستمر في القيام بواجباتنا كاملة؛ بما فيها محاسبة مَن قد يكون مقصراً في هذه القضية».


ستارمر يستبعد الاستقالة وسط تبعات فضيحة إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
TT

ستارمر يستبعد الاستقالة وسط تبعات فضيحة إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)

استبعد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، الاثنين، الاستقالة، بينما يستعد لمواجهة نواب حزبه العمالي وسط تخبط حكومته في تبعات فضيحة جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، وما تكشّف عن صلات بينه وبين السفير البريطاني السابق في واشنطن، بيتر ماندلسون. ويواجه الزعيم العمالي الذي تدنت شعبيته، أزمة ثقة وسلطة غير مسبوقة ودعوات متصاعدة للاستقالة، لتعيينه عام 2024 ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم علمه بأنه بقي على صلة بالمتموّل الأميركي حتى بعد إدانته في 2008. وتعهد ستارمر، متوجهاً إلى فريقه في «10داونينغ ستريت» بالقول: «المضي قدماً... بثقة بينما نواصل تغيير البلاد»، وفق ما أفاد به مسؤول في الحكومة طالباً عدم كشف اسمه.

القط «لاري» المعروف في «داونينغ ستريت» ينتظر عند عتبة المقر الرسمي لرئيس الوزراء البريطاني في لندن الاثنين (أ.ف.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم ستارمر للصحافيين إن «رئيس الوزراء يصبّ تركيزه على أداء مهامه»، مؤكداً أنه يشعر بـ«التفاؤل» على الرغم من الكلام المتزايد في البرلمان بأن أيامه باتت معدودة. وفي آخر نكسة يتلقاها ستارمر، أعلن المسؤول الإعلامي في مكتبه، تيم آلن، الاثنين، الاستقالة من منصبه بعد أشهر على تعيينه، وذلك غداة استقالة مورغان ماكسويني مدير مكتبه لكونه «أوصى» بتعيين ماندلسون. ومع تنحي ماكسويني، خسر رئيس الوزراء أقرب مستشاريه والقيادي الذي ساعده على إعادة الحزب العمالي إلى الواجهة، بعدما خلف اليساري جيريمي كوربين عام 2020.

موقف «لا يمكن أن يستمر» -وقال آلن في بيان مقتضب إنه يريد «السماح بتشكيل فريق جديد في داونينغ ستريت». وتعاقب عدد من المسؤولين الإعلاميين إلى الآن خلال ولاية ستارمر القصيرة، وباتت الاستقالات والتغيير في السياسات والتعثر من سمات إدارته؛ ما أدى إلى تراجع شعبيته. ومن المتوقع أن يتوجّه ستارمر بكلمة لاحقاً، الاثنين، إلى نواب حزبه في اجتماع حاسم. وأعلنت زعيمة المعارضة المحافظة، كيمي بادينوك، لإذاعة «بي بي سي»: «المستشارون يقدمون النصائح والقادة يقرّرون. اتّخذ قراراً سيئاً، وعليه أن يتحمل مسؤولية ذلك»، معتبرة أن ستارمر في موقف «لا يمكن أن يستمر».

مراسلون خارج منزل السفير السابق بواشنطن بيتر ماندلسون في لندن الأحد (إ.ب.أ)

ويواجه ستارمر أخطر أزمة منذ توليه السلطة، مع تفاقم تداعيات تعيين ماندلسون منذ أن كشفت رسائل إلكترونية أنه بقي على علاقة مع إبستين الذي انتحر في زنزانته عام 2019 قبل محاكمته، حتى بعد وقت طويل من إدانته. ودعا عدد من النواب العماليين معظمهم من الجناح اليساري المعارض لخط رئيس الوزراء الوسطي، إلى أن يحذو حذو ماكسويني ويستقيل. وانضم إليهم، الاثنين، رئيس الحزب العمال الاسكوتلندي أناس ساروار، معتبراً أنه «يجب وضع حد لهذا التمويه، وينبغي تغيير القيادة في داونينغ ستريت». ونقلت صحف بريطانية عن وزراء طلبوا عدم كشف أسمائهم قولهم إنهم يعتقدون أنّه سيتنحّى قريباً، غير أن عدداً من الشخصيات البارزة في حزب العمال دافعت عنه، لا سيما في غياب خلف بارز له مع اقتراب انتخابات محلية حاسمة للحزب في أيار (مايو). واعتبر وزير العمل بات ماكفادين أن ستارمر سيبقى في منصبه مشيراً إلى أنه يحظى بتفويض لـ5 سنوات. وحزب العمال متراجع بشكل كبير في استطلاعات الرأي، ويتقدّم عليه حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف بزعامة نايجل فاراج بأكثر من 10في المائة منذ عام.

وزاد ذلك من مخاوف النواب العماليين رغم أن الانتخابات التشريعية المقبلة لا تزال بعيدة وهي مقررة عام 2029. وكان ستامر قد عيّن الوزير والمفوّض الأوروبي السابق ماندلسون، في هذا المنصب الحساس في ديسمبر (كانون الأول) 2024 قبيل عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. لكنه أقاله في سبتمبر (أيلول) 2025 بعد نشر وثائق تضمنت تفاصيل عن علاقته بإبستين.

وعادت القضية إلى الواجهة مع نشر وزارة العدل الأميركية وثائق جديدة أخيراً، كشفت أن ماندلسون (72 عاماً) سرب معلومات لإبستين من شأنها التأثير في الأسواق، خصوصاً حين كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وفتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً في الأمر، وقامت، الجمعة، بتفتيش موقعين على صلة بماندلسون. وحاول رئيس الوزراء، الأسبوع الماضي، احتواء الأزمة، فأعرب أمام البرلمان، الأربعاء، عن «ندمه» على تعيين ماندلسون، مؤكداً أنه كذب بشأن مدى علاقاته بإبستين «قبل وفي أثناء مدة عمله سفيراً». كما اعتذر ستارمر، الخميس، لضحايا إبستين، معرباً عن شعوره «بالأسف لتصديقه أكاذيب بيتر ماندلسون، وتعيينه سفيراً في واشنطن على الرغم من صلاته بالمجرم الجنسي المدان». ومن المقرر أن تنشر الحكومة البريطانية عشرات آلاف الرسائل الإلكترونية والرسائل النصية والوثائق المتعلقة بتعيين ماندلسون؛ ما قد يزيد الضغط على ستارمر والوزراء العماليين.

«مزاعم» بشأن الأمير السابق أندرو

أعلنت شرطة منطقة وادي التايمز في بريطانيا، الاثنين، أنها «تقيم مزاعم» بأن الأمير السابق أندرو أرسل تقارير تجارية سرية إلى إبستين، بينما قال مكتب الأمير ويليام إنه «قلق للغاية» بشأن ما سيكشفه التحقيق الأميركي. وأطلقت قوة الشرطة، التي تغطي مناطق غرب لندن، بما في ذلك منزل الأمير السابق في وندسور، التحقيق بعدما نشرت وسائل إعلام تقارير عن رسائل بريد إلكتروني تشير إلى أن الأمير آنذاك أرسل إلى إبستين تقارير من جولة قام بها في جنوب شرقي آسيا في عام 2010 بصفته مبعوث بريطانيا للتجارة الدولية.


وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

يزور وفد من مجلس الشيوخ الأميركي، غرينلاند، الاثنين، بهدف «إعادة بناء الثقة» التي قوّضتها نيةُ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستحواذ على الجزيرة.

وقالت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي في مؤتمر صحافي: «ببضع جمل وبضع كلمات، الثقة التي أرسيت منذ الحرب العالمية الثانية تآكلت وانهارت، وعلينا العمل على إعادة بنائها». وأضافت: «نحن هنا، أعضاء (في) الكونغرس، لتذكيركم بأن رئيسنا يمكنه أن يدلي ببعض التصريحات، لكن لنا دور نؤديه أيضاً، بوصفنا (أعضاء في) الكونغرس»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويضم الوفد، إضافة إلى موركوفسكي، السيناتور المستقل إنغوس كينغ والديمقراطيين غاري بيترز وماغي حسن. وقد زار خصوصاً القاعدة العسكرية الأميركية في بيتوفيك والتقى رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، على أن يجتمع أيضاً بوزيرة الخارجية فيفان موتزفيلد.

السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (في الوسط) تتحدث إلى الصحافة بجانب السيناتورة الديمقراطية ماغي حسن (يسار) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز خلال مؤتمر صحافي في نوك غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وأثار ترمب في يناير (كانون الثاني) غضب غرينلاند مع إعلان نيته السيطرة على هذه الجزيرة ذات الحكم الذاتي والخاضعة لسيادة الدنمارك، ولو تطلب ذلك استخدام القوة. لكنه عاد لاحقاً عن تهديده معلناً التوصل إلى «إطار» للتفاوض مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، بهدف منح واشنطن نفوذاً أوسع نطاقاً في الجزيرة. وعلى الأثر، شكلت مجموعة عمل تضم ممثلين لغرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة لبحث القضية.

من جانبه، صرّح السيناتور غاري بيترز الاثنين: «لدينا رئيس خان هذه الثقة، خانها في شكل كبير، وعلينا الآن أن نستعيدها». وأضاف: «نعتبركم أصدقاء. نريد أن تعتبرونا أيضاً أصدقاء لكم».

وتؤكد الدنمارك وغرينلاند أنهما تتشاركان ما يعبّر عنه دونالد ترمب من قلق على صعيد المسائل الأمنية، لكنهما تشددان على أن السيادة ووحدة الأراضي تشكلان «خطاً أحمر» في المحادثات الثلاثية.