خامنئي يدعو إلى «الجهاد الكبير» لضمان بقاء النظام.. ويهاجم منتقدي الحرس الثوري

المرشد الإيراني يحذر من التأثير الأجنبي على مراكز صنع القرار وتغيير معادلات المسؤولين

المرشد الإيراني علي خامنئي لدى لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادة في طهران أمس
المرشد الإيراني علي خامنئي لدى لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادة في طهران أمس
TT

خامنئي يدعو إلى «الجهاد الكبير» لضمان بقاء النظام.. ويهاجم منتقدي الحرس الثوري

المرشد الإيراني علي خامنئي لدى لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادة في طهران أمس
المرشد الإيراني علي خامنئي لدى لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادة في طهران أمس

في وقت تزداد الدعوات في إيران للمسؤولين إلى نبذ الخلافات وتجنب ذكر الانقسام السياسي علنا، عاد المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي إلى التحذير بقوة من «التغلغل» في إيران والتأثير الأجنبي على مراكز صنع القرار قائلا إن أعداء بلاده «يريدون إفراغ النظام من عناصر القوة».
وانتقد خامنئي معارضة أطراف داخلية لم يذكرها بالاسم للحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور وأعضاء الباسيج، معتبرا إياها من «ركائز الثورة». واعتبر خامنئي الهجوم على الحرس الثوري من «أساليب الأعداء السائدة» كما وصف تلك الانتقادات الداخلية بـ«الحرب الناعمة تمهيدا لإفراغ النظام من عناصر قوته الداخلية».
والتقى خامنئي أمس أعضاء مجلس خبراء القيادة بعد يومين من افتتاح دورته الجديدة وشهد اللقاء حضور رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني والرئيس الإيراني حسن روحاني. ونقل موقع خامنئي الرسمي، خطابه أمام مجلس خبراء القيادة التي طالب فيها المسؤولين الإيرانيين بنبذ الخلافات و«تبادل الآراء حول القضايا المختلفة» و«اتخاذ المواقف والمطالب» و«العمل على خلق خطاب» وعدّ خامنئي تنفيذ مطالب وتوصيات مجلس خبراء القيادة من قبل الدوائر التنفيذية والأجهزة المختلفة في النظام والمسؤولين «أمرا طبيعيا».
يذكر أن الحرس الثوري كان هدفا لانتقادات مباشرة وغير مباشرة من روحاني وعدد كبير من السياسيين بسبب ما اعتبروه تدخلا في الشؤون الاقتصادية والسياسية، فضلا عن تدخله في الانتخابات كما ترددت تقارير حول اختلاف بين الحكومة والحرس الثوري بشأن إرسال مزيد من الجنود إلى سوريا بعد خسائر كبيرة في الأرواح.
في هذا الصدد، شدد خامنئي على مواقفه السابقة والتي أطلقها تحديدا بعد التوصل للاتفاق النووي في يوليو (تموز) الماضي خاصة فيما يتعلق بتحذيره من «التغلغل» الغربي في مؤسسات الدولة الإيرانية. وقال خامنئي أمس إن الطريق الوحيد أمام النظام الإيراني لضمان بقائه وتقدمه «الجهاد الكبير». وفي وقت يتوقع الخبراء تحسنا طفيفا في الأوضاع الاقتصادية بعد رفع العقوبات عن إيران ربط خامنئي تحسن الأوضاع الاقتصادية بنتائج «الاقتصاد المقاوم» و«فشل العقوبات».
ويعتقد فريق من خبراء الشأن الإيراني بأن شخص المرشد الأعلى يصر على مصادرة الإنجازات للحكومة والدوائر التي خارجه عن سلطته المباشرة وختمها باسمه، ومقابل ذلك يتنصل خامنئي من مسؤولية مشاريعه التي عادة ما تنتهي بالفشل.
في سياق متصل، رأى خامنئي أن «التغلغل» يشكل خطرا على النظام وأنه استمرار لـ«الحرب الناعمة» متهما الدول الكبرى بمتابعة عدة استراتيجيات من ضمنها «التأثير على مراكز صنع القرار» و«تغيير معتقدات الشعب» و«تغيير معادلات ومواقف المسؤولين».
هذا وتحولت خطابات خامنئي إلى مادة وافرة لمعارضي سياسة حكومة روحاني للضغط عليه وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي، وكان الحرس الثوري أبرز من هاجم سياسات روحاني الاقتصادية والسياسية في الآونة الأخيرة، فيما ترددت معلومات على أن روحاني يتجه إلى تعديل في تشكيلته الوزارية قريبا بتأثير من تلك الضغوط.
وطالب خامنئي مجلس خبراء القيادة «ترميم جروح» في هيكل النظام الإيراني، معتبرا «الخلافات الطائفية والدينية» و«النزاع السياسي بين التيارات» و«الانقسام بين دوائر صنع القرار» من بين تلك الجروح، فيما حذر خامنئي من «انهزامية» في وقت تتعرض بلاده إلى «الحرب الناعمة».
وطالب المرشد الإيراني المسؤولين في بلاده باتباع طريقة تمكنهم من تحقيق مكاسب من القوى الكبرى في العالم، مشددا أنه خلاف ذلك فإن على «إيران أن تقدم مكاسب للدول الصغيرة مما يؤدي إلى إذلال الشعب الإيراني» حسب زعمه.
وانتقد خامنئي ضمنا تصريحات روحاني حول التوصل إلى الاتفاق النووي بشأن تحقيق مكاسب في الاتفاق النووي بقبول حق إيران في تخصيب اليورانيوم. ردا على ذلك ذكر خامنئي إلى أن تخصيب إيران لليورانيوم بنسبة 20 في المائة كان وراء ما حققته إيران في الاتفاق النووي، موضحا أن الاتفاق «لم يكن مكسبا قدمته أميركا».
في السياق نفسه، لفت خامنئي إلى أن مجلس خبراء القيادة في إيران «يجب ألا يبقى من دون تحرك بانتظار وصول الفترة الزمنية للقيام بدوره وفق ما ينص عليه الدستور». وبحسب الدستور فإن أهم ما يقوم به مجلس خبراء القيادة وتكاد تكون مهمته الوحيدة اختيار مرشد أعلى بدلا من خامنئي في حال وفاته أو العجز عن القيام بدوره.
وفق تصريحات سابقة لرفسنجاني فإن مجلس خبراء القيادة يعتبر المجلس الوحيد في إيران الذي يقر قوانينه بنفسه، وليس بإمكان أحد أن يوجه أوامر إليه كما أن المجلس يناقش قضايا بالغة الحساسية لدى النظام وراء الأبواب المغلقة.
هذا وكان أعضاء مجلس خبراء القيادة قاموا بإجراءات تعتبر روتينية في إيران منها «تجديد البيعة مع الخميني» زيارة قبره وتجديد البيعة مع خامنئي بوصفه ولي الفقيه هرم السلطة في إيران.
في غضون ذلك، ذكر موقع «صراط نيوز» المقرب من الحرس الثوري الإيراني أن حفيد الخميني، حسن الخميني لم يستقبل أعضاء مجلس خبراء القيادة عند وجودهم في ضريح جده. وعادة يستقبل حسن الخميني كبار المسؤولين بوصفه المسؤول عن هيئة الخميني. ويعتبر هذا الموقف الثاني خلال الأيام الماضية الذي يعبر فيه الخميني عن سخطه لإقصائه من انتخابات مجلس خبراء القيادة.
إلى ذلك، قال مساعد رئيس مجلس خبراء القيادة، محمود هاشمي شاهرودي إن المجلس يدعو المسؤولين الإيرانيين إلى ضرورة تجنب التطرق إلى قضايا تـوجه رسائل إلى الإيرانيين بشأن الانقسام في هرم السلطة الإيرانية.
وذكر شاهرودي على هامش لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادة بالمرشد الأعلى أن المجلس سيتابع في دورته الجديدة «المشكلات المعيشية والاقتصادية» و«بطالة الشباب» و«الأزمة الاقتصادية» و«التهريب» و«عدم تحقق خطط الاقتصاد المقاوم» و«ظهور الأفكار الانحرافية والمتطرفة» و«مخاطر الإنترنت» و«المشكلات التي تعاني من القوميات والمحافظات الحدودية».
في سياق منفصل، هاجم رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة الإيرانية، الجنرال حسن فيروزآبادي ما اعتبره دعوات للعلمانية في إيران قائلا إن «الأعداء يبحثون علمنة أساتذة الجامعات والشعب الإيراني» وفق ما أورد موقع «بسيج برس» التابع للحرس الثوري الإيراني.
يشار إلى أن حكومة أحمدي نجاد بعد عام 2005 أحالت عددا كبيرا من أساتذة الجامعات إلى التقاعد في إطار اعتبرته مواجهة العلمانية في الجامعات الإيرانية، ومنذ ذلك الحين غادر عدد كبير من أستاذة جامعات الإيرانية خاصة طهران إلى الجامعات الغربية.
وتابع فيروزآبادي أن «الغرب» يتخذ استراتيجيات مثل الحرب النفسية واستحالة النظام وعلمنة أستاذ الجامعات والشعب حتى يواجه النظام الإيراني. وأضاف أنه يجب«مقاومة أي مكان يمكن للأعداء التغلغل منه».
قبل ذلك بثلاثة أيام، كان مستشار خامنئي الجنرال رحيم يحيى صفوي قد اعتبر «التغلغل من حيل الأعداء» مضيفا أن «الأعداء يريدون التغلغل في أجهزة النظام». وفق ما ذكرت صحيفة «رسالت» المتشددة نقلا عن صفوي فإن «الحرب التقليدية ابتعدت عن إيران» وذكر صفوي جملة مخاوف من «التغيير في الداخل وأوضاع إيران الداخلية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...