أفلام الثنائي التحري.. تعود إلى الواجهة

وجهان لكل بطولة في أي عمل سينمائي

راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»
راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»
TT

أفلام الثنائي التحري.. تعود إلى الواجهة

راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»
راسل كراو (يمين) ورايان غوزلينغ في «الفتيان الطيبون» - رود ستايغر وسيدني بواتييه: «في حرارة الليل»

«الفتيان الطيّبون» (The Nice Guys) جديد من المخرج الآتي من الكتابة شون بلاك يجمع فيه بين الممثلين راسل كراو ورايان غوزلينغ في دوري تحريين خاصين يبحثان عمن قتل الفتاة التي يشكل موتها لغز هذا الفيلم.
الأحداث تقع في لوس أنجليس عام 1977 وللتأكيد هناك فرقة موسيقية تعزف في حفلة مقطوعة «سبتمبر» (لفرقة Earth‪,‬ Wind ‪&‬ Fire). المشكلة الوحيدة هنا هي أن المقطوعة طرحت في الأسواق بعد عام ونصف العام على ذلك التاريخ.
لكن إذا ما سُمح لغودزيللا أن يهدم سان فرانسيسكو وهي لا تزال قائمة، يمكن القبول بغلطة كهذه أو كالمرور من تحت إعلان لفيلم «جوز 2» علما بأن هذا الفيلم شهد عرضه الأميركي الأول في السادس عشر من يونيو (حزيران) سنة 1978 وليس سنة 1977.
جاكسون (راسل كراو) وهولاند (غوزلينغ) تحريان خاصان والعادة درجت في السينما على أن يحتفي الفيلم الذي يقدّم رجلين من المحققين، أو رجلين من البوليس (براد بت ومورغان فريمان في «سبعة») أو الذي يقدم رجلين أحدهما من رجال القانون والآخر من الخارجين عنه (مثل إيدي مورفي ونك نولتي «48 ساعة») هو التركيز على الفوارق بين الرجلين ومحاولة خلق مشاحنات ومواجهات قائمة على هذه المنطقة السلوكية والشخصية بالتحديد.
* تماثل طباع
المسألة تبدأ عادة بتبرير وجود بطلين متساويين يحققان في جريمة واحدة، ثم تمتد لتشمل تقديم كل منهما بمراجعة شخصية مختلفة تلقي الضوء على سلوكياته المتناقضة مع سلوك زميله كأن يكون أحدهما أكثر ميلاً للعنف، أو أن يكون قليل الثقة بزميله، أو أقل منه صمودًا في وجه التحديات أو أنه الشرطي الجيد بينما الآخر هو الشرطي الفاسد. وكل ذلك يوجه المخرج (تبعًا للسيناريو غالبًا) إلى اختيار واحد من وجهتين:
إما تقديم الفيلم على نحو جاد كما الحال في «سبعة» لديفيد فينشر (1997) أو كما حال بطلا «مطر أسود» مايكل دوغلاس وأندي غارسيا (المتحالفين مع الياباني كن تاكاكورا) في «مطر أسود» لريدلي سكوت (1989).
وإما تقديم الفيلم على نحو يثير السخرية والضحك بناء على تناقضات الشخصيتين كما الحال في «حرارة مدينة» (1984) الذي قام كلينت إيستوود فيه بتمثيل التحري الرصين في حين تكفّل بيرت رينولدز بأداء شخصية المثير للطرافة طوال الوقت (الفيلم أسوأ عمل قام كل منهما بتمثيله).
بناء التناقضات مهم لأن أي فيلم من بطولة ثنائية يحتاج، حسب منظور صانعيه، لشحنة مثيرة من تلك التناقضات الخصوصية. مل غيبسون أبيض وشريكه داني كلوفر أسود في «سلاح قاضٍ» (1987 لرتشارد دونر) وما تلاه. أميركي (روبرت ميتشوم) وياباني (كن تاكاكورا) في فيلم سيدني بولاك «الياكوزا» (1974) أو رجل (كلينت ايستوود) وامرأة (تين دالي» في «الفارض» (1976) لجيمس فارغو.
طبعًا من الأصعب أن تكون الشخصيتان متماثلتين في الطباع (ولو بقدر محدد) لأن تماثلهما يفرض البحث عن مناطق خلاف تثير الإشكال واهتمام المشاهد في نواحٍ أخرى. بينما من السهل تقديمها من المنطلق ذاته الذي شكله معظم من قام بأدوار ثنائية من فجر السينما وإلى اليوم: لوريل (النحيف) وهاردي (البدين)، أبوت (النحيف والجاد) ولو كوستيللو (البدين والخائف)، والتحري الصيني تشارلي شان (الملم والذكاء) وابنه الشاب الذي يحاول تقليد أبيه ويقع في أخطاء.
في الأفلام البوليسية كثير من الأمثلة في هذا الشأن. لكن كما أن تقديم شخصيتين متساويتين يحتاج إلى موهبة تعرف كيف تنبش في بدائل أخرى، لأنها لو لم تفعل لسقط الاهتمام بهما معًا، فإن تقديم التناقض وتعزيزه بالمواقف والمشاهد الكفيلة قد ينقلب سحره على الساحر كما حدث في «حرارة المدينة»، إذ أشبع مشاهديه سخرية من كلا بطليه وكما في Cop Out مع بروس ويليس وترايسي مورغن اللذين لا شأن لهما طوال الفيلم سوى معارضة كليهما للآخر.
* الأبيض وشريكه
العادة التي نراها في نحو 150 فيلمًا من هذا النوع القائم على بطولة ثنائية في أفلام بوليسية، هي شحذ ذلك الاختلاف الطبيعي لخلق أحداث تنبع من ذاته. هذا لا يتحقق دائمًا، وحتى حين يتحقق فإن المهمّة قد لا تُنجز جيدًا إذا ما تم فرض تلك الاختلافات على نحو سطحي أو مباشر.
بالتالي، هناك نماذج أفضل من أخرى بطبيعة الحال، وتلك الجيّدة تبقى جيدة على الدوام حتى ولو نظرنا إليها بعد عقود من تحقيقها.
فيرجيل تيبس (سيدني بواتييه) هو تحرٍّ أفرو - أميركي من المدينة أخذ فرصة ليزور قريبًا له في بلدة جنوبية. يلتقطه البوليس الأبيض مشتبهًا به بمجرد وقوع جريمة قتل. تنطلق أحداث «في حرارة الليل» (نورمان جويسون، 1967) لتنتقد تلك العنصرية المنتشرة ليس فقط بين مدنيين بيض في تلك البلدة، بل بين رجال قانون بيض (يرأسهم رود ستايغر) حتى من بعد إطلاق سراح التحري الأسود. فجأة يحتاج رئيس البوليس لذكاء التحري فيرجيل لحل جريمة القتل. لكنهما لن يعملا معًا. كبرياء رئيس البوليس المزيّف يمنعه من ذلك.
أسود وأبيض هي المعادلة التي تنتقل إلى فيلمين آخرين هما «هيكي وبوغز» (1972) مع التحري الأبيض روبرت كالب (أخرج الفيلم) والأسود (بل غوسبي)، لكن الفيلم بدا مثل إعلان مدفوع الثمن عن أهمية التعايش فسقط في أرضه. وهي المعادلة الأنجح في فيلمي «سلاح قاضٍ» لرتشارد دونر و«48 ساعة» لوولتر هل.
لا يبني «سلاح قاضٍ» تناقضاته على مسألة صراع عنصري، فالأبيض مل غيبسون ليس عنصريًا على الإطلاق ولا داني كلوفر في موقع دفاع عن النفس وتأكيد الذات. ما يذهب إليه الفيلم، تحت إدارة جيدة من المخرج رتشارد دونر، هو تصوير منهجي عمل بين رجل أعزب يضع الحياة والموت في ميزان واحد فيقدم على المخطرات من دون حساب، بينما يعاين الآخر وضعه كربّ عائلة ويمارس المنطق الواقعي في كل شيء ويثمن الحياة على الموت تبعًا لذلك.
«48 ساعة» يختلف من حيث إنه يدور حول شرطي (نك نولتي) مفرط في الاعتداد بنفسه ويميل إلى البطش ولا يقيم وزنا كبيرًا للآخرين (خصوصًا إذا كانوا من عنصر آخر) ولص محكوم عليه بالسجن (إيدي ميرفي) يخرجه الأول لمساعدته في الإمساك بمجرمين خطرين. واحد من الطرق لتحويل بؤرة الصراع بين هاتين الشخصيّتين إلى ما هو مجد وبذلك تجنب الغرق في الكليشيات والإكثار من تكرارها، هو تصوير عنف المجرمين، مما يحيي قيمة بطلي الفيلم أكثر وأكثر.
«سبعة»، فيلم ديفيد فينشر الممتاز (1995) يلغي المعادلات السابقة ويجرؤ على تقديم تحريين من عنصرين لكن مع معاملة كل منهما معاملة مستقيمة رصينة واحدة ومن حجم لا تفضيل عليه. سومرست (مورغان فريمن) يتميّز بالخبرة وميلز (براد بت) بالإقدام وعندما ينجح المجرم (كَفن سبايسي) بالنيل من الثاني يخلق منه وحشًا آدميًا ولو إلى حين. المادة المستخدمة لتقديم حكاية بوليسية برأسين تختلف من حيث تعتمد على الأبيض والأسود كتنويع اجتماعي وليس على محاولة تنميط كل منهما ليكرر مفادات لا قيمة لها.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز