في غياب الدولة وخرق الدستور.. العراق يعيش الفوضى

وزير التخطيط الأسبق لـ «الشرق الأوسط»: السلطة غير متوازنة.. وليست قادرة على حفظ النظام والأمن

صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى
صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى
TT

في غياب الدولة وخرق الدستور.. العراق يعيش الفوضى

صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى
صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى

تتوسط العاصمة العراقية بغداد، في جانب الكرخ، بناية المتحف الوطني العراقي، وهي بناية ضخمة تضم أعظم آثار سومر وبابل آشور والحضارة العباسية، ويتباهى العراقيون بوجود نسخة من مسلة حمورابي (توجد النسخة الأصلية في متحف اللوفر بباريس) بين موجودات المتحف الذي تعرض للسرقة والتخريب إبان الاحتلال الأميركي لبغداد عام 2003، باعتبار أن أولى الشرائع القانونية كتبت في هذه المسلة في بابل، وسط العراق، وأن أول كلمة خطت كانت قبل 6 آلاف عام في سومر، جنوب، وأن أقوى دولة يهابها الأعداء كانت في نينوى، شمال، وأن الحضارة العباسية بنت أروع المدن، وفي مقدمتها بغداد التي كانت مركزها، وكانت توصف بالعصر الذهبي. لكن العراق اليوم، وبعد هذه الحقب الزمنية والحضارات الراقية، بلد بلا شرائع قانونية، يعاني من الأمية، ويوصف باعتباره دولة ضعيفة، يسرح فيه الأعداء والإرهابيين، ومدنه خربة، وفي مقدمتها بغداد.
ومنذ الغزو الأميركي، قبل 13 عاما، يعاني العراق مجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وغيابا في الخدمات التعليمية والصحة والبلدية، أدت إلى أن تتحول الأوضاع الحياتية إلى فوضى تنامت وكبرت بسبب الفساد المستشري، واحتلال تنظيم داعش لما يقرب من ثلث مساحة البلد.
الأخطر من ذلك هو عدم احترام وتطبيق القوانين، وخرق الدستور من قبل الكتل السياسة، وتطبيقه بما يتوافق مع مصالح هذه الكتل والمسؤولين الحكوميين، كما أن غياب الدور الرقابي الصارم للبرلمان ساهم كثيرا في تكريس حالة الفوضى التي قادت ملايين العراقيين للهجرة خارج بلدهم، وغيرهم تهجروا داخل العراق، في حالة غريبة هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق، وهذا ما دفع العراقيين للتظاهر علنا منذ 2011 حتى اليوم، مطالبين بمحاكمة الفاسدين، وإلغاء المحاصصة الطائفية، وتوفير الخدمات، وعندما «بلغ السيل الزبى» بهؤلاء المتظاهرين، على حد وصف حامد المطلك النائب عن كتلة الوطنية، بزعامة إياد علاوي، ولإهمال مطالبهم بإجراء إصلاحات حقيقية، جسدوا صورة الفوضى التي يعيشها البلد من خلال اقتحامهم لمبنى مجلس النواب، الشهر الماضي، ثم اقتحام مكتب رئيس الوزراء، قبل أسبوع، إذ جوبهوا بالرصاص الحي من قبل حراس المنطقة الخضراء، مما أدى إلى مقتل 3 من المتظاهرين، واعتقد بعض المراقبين أن هذه الحادثة قد أسقطت الحكومة التي بقيت مسيطرة على زمام الأمور بإحكام الطوق الأمني في الشارع العراقي، خصوصا بغداد، حتى أن العراقيين تداولوا على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» نكتة مرة تقول: «في العراق، الحكومة تسقط يوم الجمعة، وتعود يوم السبت»، في إشارة إلى أحداث الجمعة الماضية التي أدت إلى اقتحام المتظاهرين لمبنى مجلس الوزراء.
وفي بغداد، عندما تسأل أي سياسي أو برلماني، أو أي مواطن عادي، حول كيفية سير الأمور السياسية في ظل انقسامات النواب، وغياب دور البرلمان، وعدم انعقاده على الرغم من المحاولات الكثيرة، وفي ظل وجود وزراء في الحكومة لم يؤدوا بعد اليمين الدستورية، وإقالة وزراء بصورة غير قانونية، حسب ادعاءاتهم، فسيكون الجواب: «إن المعجزة الإلهية وحدها التي تسير الأمور».
وما يقلق العراقيين، ويربك المشهد الحياتي لهم، إضافة للأزمات المذكورة آنفا، هو انتشار المجاميع المسلحة غير المسيطر عليها من قبل الحكومة أو السلطة، لا الدولة على حد تعبير أسامة النجيفي الرئيس السابق لمجلس النواب العراقي رئيس كتلة تحالف القوى (السنية)، إذ أكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة في العراق مفقودة بمعاييرها الصحيحة، أو حسب تعريفها عالميا، وقال: «لدينا سلطة، ولم يستكمل بناء مؤسسات الدولة بعد 2003»، مضيفا: «عندما يكون هناك سلاح في الشارع خارج سيطرة السلطة أو الحكومة، وعندما تكون هناك محافظات ساقطة بيد تنظيم داعش الإرهابي، وعندما يكون هناك تعطيل للقوانين، وهناك أعداد كبيرة من الأبرياء في السجون، ويُخطف الناس من الطرقات، فهذا يعني أنه ليس هناك دولة في العراق، وإنما هناك محاولات لبناء دولة.. في العراق سلطة تنتهك كثيرا من القوانين النافذة، والدستور في الحقيقة معطل بشكل أو بآخر».
ويشير النجيفي إلى أنه «بوجود انحرافات كثيرة وخطيرة، وإذا لم تتم معالجة هذه الانحرافات والخروقات الدستورية، لا نستطيع بناء دولة تحظى باحترام الشعب العراقي أولا، ومن ثم العالم. هذه المحاولات، وأعني بناء الدولة، ما زالت تتصف بالفشل، إذ ليس هناك مؤسسات تحظى بالاستقلالية، والاحترام للناس وحقوقهم في العيش بكرامة وأمان، واحترام السيادة المنتهكة من قبل الآخرين، فكثير من دول العالم تتدخل اليوم في الشأن العراقي، وتسقط هيبة العراق قبل أن يسقطها المتظاهرون في قبة البرلمان الذي هو رمز العراق في وضعنا السياسي الجديد».
ويشخص الدكتور مهدي الحافظ، أول وزير للتخطيط في حكومة علاوي بعد تغيير النظام السابق، وعضو في مجلس النواب (مستقل)، حالة الوضع العراقي، قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة في العراق اليوم في حالة عدم توازن، وهناك تنافر بين السلطات والقوى السياسية، وهناك حالة من اللاتوازن بين السلطة التنفيذية وواجباتها والحاجات المحلية».
ويشير الحافظ الذي عرف عنه نجاح خططه في التخطيط، وكمفكر مستقل، إلى نقاط مهمة بقوله إن «السلطة غير قادرة على حفظ الأمن والنظام، وهي باقية بسبب الدعم الأميركي لرئيس الوزراء، يضاف إلى هذا أن صراع الكتل الدينية يحكم توجهات رئيس الوزراء، حيدر العبادي، الذي يريد بدوره إجراء الإصلاحات، وعنده رؤى إصلاحية جيدة وقابلة للتنفيذ، بل بدأ بهذه الإجراءات عندما عدل سلم الرواتب، وخفض كثيرا منها، وهو قادر على المضي بها، لا سيما أن واشنطن تؤيد هذه الإصلاحات وتدعمها، لكن البرلمان كان ضد هذه الإصلاحات، وأعنقد أن طهران تقف ضد الإصلاحات»، مضيفا: «جميع الكتل المشاركة في الحكومة، الشيعية والسنية والكردية، تعارض العبادي في القيام بإصلاحات حقيقية، أما موضوع حكومة التكنوقراط والتغيير في الوزراء الذي يطالب به بعض الأعضاء فهو ليس إلا تمديدا للأزمة، وينبغي أن يكون الحكم في العمل هو الشعور بالوطنية ومستوى الكفاءة».
ويقول الحافظ: «بناء على هذا، لا أتوقع حدوث تغيير جذري ومهم، سواء في الحكومة أو البرلمان، خصوصا أن الأكراد منسحبون اليوم، وهناك انقسامات في مجلس النواب، بينما لا نعرف ماذا يريد التيار الصدري الذي يطالب بالإصلاح والتغيير الوزاري بينما كتلته منسحبة من البرلمان والحكومة، وأنصاره يجتاحون مجلس النواب ورئاسة الوزراء».
ويؤكد الحافظ أن «المؤسسات التي قامت بعد 2003، مثل الدستور وأسلوب الحكم والانتخابات ومجلس النواب، فقدت أهميتها، ولم تعد صالحة للعمل اليوم، ويجب إعادة النظر فيها»، مشيرا إلى أن «الدولة قامت على أساس توزيع المكاسب، وهي تضم اليوم مجموعة من الفاسدين الذين يديرون البلد، حتى المساعدات التي تقدم من الدول الكبرى هي عرضة للسرقة».
ويقترح وزير التخطيط الأسبق «إجراء انتخابات مبكرة، مع تغيير مجلس مفوضية الانتخابات، كونها قامت على المحاصصة بين الأحزاب، وإجراء تعديلات في الدستور أو تغييره، وهذه نقطة جوهرية».
ويرى قاضٍ عراقي سابق أن «أساس المشكلات والفوضى التي يعيشها العراق هو غياب القوانين، وخرق ما هو موجود منها، وعدم تطبيقها، وهذا يعني غياب العدالة في البلد الذي شرع على أرضه أول القوانين في التاريخ البشري». وأضاف هذا القاضي الذي فضل عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يغيب القانون في أي بلد، ويسود الفساد بين الحاكمين لهذا البلد، تعم فوضى عارمة بالتأكيد. وأعني بالقوانين هنا بدءا من قوانين المرور في الشارع حتى أخطر الجرائم»، مشيرا إلى أن «عدم التزام المسؤولين، من برلمانيين ووزراء نزولا لأصغر موظف في الدولة، بالقوانين وتطبيقها، وتفشي الرشى وفضائح الفساد دون معاقبة السراق والمرتشين، من وزراء ومناصب خاصة، قاد الدولة إلى ضياع هيبتها، وإلى أن لا يحترم المواطن البسيط أي قانون».
وأوضح: «كنت قاضيا في بغداد، أحب عملي كونه يحقق العدالة، وهذا يتفق مع إيماني بالله وبالدين الإسلامي الحنيف، لكن عندما وجدت الانحرافات الخطيرة في القضاء، وعندما تعرضت لضغوط من مسؤولين في الحكومة أو الأحزاب الحاكمة، وللتهديد لتبرئة فلان وإدانة فلان مكانه، طلبت إحالتي على التقاعد، ذلك أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له الإنسان هو الظلم وغياب العدالة»، مستطردا: «كنت قد تقدمت بوثائق للمسؤولين في مجلس القضاء الأعلى تدين مسؤولين، وتكشف عن فساد في القضاء، لكن أي إجراء لم يتم».



سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».


مقتل 3 فلسطينيات في هجوم صاروخي إيراني بالضفة الغربية

صواريخ إيرانية تتجه نحو إسرائيل كما تظهر من الخليل بالضفة الغربية المحتلة اليوم (رويترز)
صواريخ إيرانية تتجه نحو إسرائيل كما تظهر من الخليل بالضفة الغربية المحتلة اليوم (رويترز)
TT

مقتل 3 فلسطينيات في هجوم صاروخي إيراني بالضفة الغربية

صواريخ إيرانية تتجه نحو إسرائيل كما تظهر من الخليل بالضفة الغربية المحتلة اليوم (رويترز)
صواريخ إيرانية تتجه نحو إسرائيل كما تظهر من الخليل بالضفة الغربية المحتلة اليوم (رويترز)

قال الهلال الأحمر الفلسطيني إن ثلاث نساء قتلن في هجوم صاروخي إيراني استهدف الضفة الغربية المحتلة مساء الأربعاء، في أول هجوم إيراني مميت هناك، وأول هجوم يودي بحياة فلسطينيين، منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) بأن الصواريخ أصابت صالون حلاقة في بلدة بيت عوا، جنوب غرب الخليل. وأصيب فلسطيني رابع بجروح خطيرة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه يعتقد أن الهجوم ناجم عن ذخيرة عنقودية، وهي رأس حربية تنشطر إلى قنابل صغيرة تتناثر في مناطق متفرقة.

وبلغ عدد القتلى في إسرائيل 14 شخصاً على الأقل منذ شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران في نهاية فبراير (شباط).


مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)
اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)
TT

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)
اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي «لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة أو المسؤولين فيها»، وناشدت «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية».

جاء ذلك إثر «تلاسن» بين حسابات على منصات التواصل بشأن الدور المصري تجاه مناصرة الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات إيرانية، رغم أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكد مراراً دعم «الدول العربية الشقيقة»، وإدانة الاعتداءات الإيرانية، ودفع وزير الخارجية بدر عبد العاطي لزيارة 5 دول عربية طالتها الاعتداءات لتقديم رسائل تضامن.

وعقب ذلك التحرك الحكومي، قال رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبد الصادق الشوربجي لـ«الشرق الأوسط»: «لن نسمح لوسائل التواصل الاجتماعي بأن تؤثر على علاقات متينة ورصينة بيننا وبين الدول العربية».

«أخوة راسخة»

وأصدرت الحكومة المصرية بياناً وقَّعت عليه وزارة الدولة للإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام. جاء فيه: «إن ما بين مصر والدول الشقيقة التي تتعرض للعدوان الإيراني (المملكة العربية السعودية - الإمارات العربية المتحدة - دولة قطر - مملكة البحرين - دولة الكويت - سلطنة عمان - جمهورية العراق - المملكة الأردنية الهاشمية) هي علاقات أخوية راسخة على المستويات القيادية والرسمية والشعبية وعلى مستوى الروابط الأسرية والمصاهرة ووحدة المصير والمستقبل».

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

وشدّد البيان على أن «محاولات المساس بهذه العلاقات هي جريمة تستهدف الإضرار بصالح هذه الدول فرادى، وبالمصلحة القومية للأمة العربية... وهي محاولات آثمة ومرفوضة من كافة الوجوه الأخلاقية والقومية والوطنية».

وناشد البيان «كافة الإعلاميين في مصر وفي الدول الشقيقة التوقف الفوري عن كل هذه السجالات التي لا تستند إلى أي واقع أو حقائق، وأن تمتنع عن الأفعال وردود الأفعال التي لا ترقى إلى الروح الأخوية العميقة التي تربط شعوبنا معاً، وضرورة تغليب لغة العقل والحرص على الروابط الأزلية التي كانت وستظل قائمة فيما بين الأشقاء».

ودعا البيان «نخب المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي الدول الشقيقة إلى القيام بدورهم في وأد هذه الفتنة وقطع الطريق على الدسائس ومحاولات الوقيعة التي لا يستفيد منها إلا أعداء هذه الأمة. وفي مقدمتها قوى الشر والجماعة الإرهابية الذين يستغلون هذه الأجواء لبثّ الفرقة بين مصر والشعوب العربية الشقيقة».

مصر ناشدت النخب العربية القيام بدور في «وأد الفتنة الإعلامية» (الشرق الأوسط)

وأشارت الجهات المشاركة في هذا البيان إلى أنها قررت بدءاً من الآن استخدام كل ما تتيحه نصوص القانون العام في مصر، وكذلك القوانين واللوائح الخاصة بكل جهة منها، لضبط الأداء الإعلامي، وفق القواعد القانونية والمهنية، «لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول الشقيقة أو المسؤولين فيها وإفساد علاقات مصر بأي منها».

كما ناشدت «الجهات المعنية في الدول الشقيقة المشار إليها اتخاذ إجراءات مماثلة وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها لوأد هذه الفتنة».

العقوبات

وقال رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، عبد الصادق الشوربجي، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن ندعم دائماً أشقاءنا العرب، ونحن ضد أي ضربة ضدهم، وهذا هو دور مصر. ونحن كأجهزة ومؤسسات دولة، نؤكد على دور الدولة في هذا الصدد».

وشدّد على أن «الجذور متينة جداً بين مصر وبين الدول العربية كافة، فهم أشقاء لنا، ولن نسمح لوسائل التواصل الاجتماعي بأن تحرك هذا الملف، فالسوشيال ميديا ليست هي من ستحرك أو تؤثر على علاقات متينة ورصينة بيننا وبين الدول العربية».

وحول الإجراءات المتوقعة تجاه أي مخالف، قال الشوربجي: «لدينا إطار، وهو إطار الدولة المصرية، ونحن كصحافة قومية نسير مع منهج الدولة في أننا لا نسبّ أحداً، حتى إن كان هناك نقد، فليكن نقداً بناءً، وليست لدينا مشكلة في ذلك»، لافتاً إلى أن المسألة تخضع للتقييم حسب المحتوى، وأن البيان الحكومي بمنزلة تنبيه عام للجميع.

ويأتي التحرك المصري تزامناً مع تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أن أمن الدول العربية من أمن مصر، فضلاً عن قيام وزير الخارجية هذا الأسبوع بجولة تضامن عربية، شملت السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عُمان والأردن.

مصر أكدت على متانة العلاقة مع «الدول العربية الشقيقة» (الهيئة الوطنية للإعلام)

ويرى الفقيه الدستوري صلاح فوزي أن البيان الحكومي «متسق»، ويؤكد الموقف المصري الذي أبداه الرئيس، وكذلك جولات وزير الخارجية وسط ظروف غير طبيعية تستلزم الحذر.

وأوضح فوزي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الإجراءات التي يمكن أن تتخذها مصر تجاه أي مخالفات مرتبطة بعدة قوانين موجودة، «بدءاً من قانون العقوبات، وهناك مواد تواجه أي إضرار بالأمن القومي للدولة أو نشر أخبار كاذبة».

وأضاف أن البيان «يُعدّ بمثابة تنبيه بأن هناك إجراءات مُفعَّلة، وعقوبات بين غرامة وحبس وسجن مشدد، وصولاً للإعدام، وهي مسألة تقديرية للمحكمة حسب الجريمة».

«أخطاء فردية»

ويرى عميد كلية الإعلام الأسبق، حسن عماد مكاوي، أن البيان جاء في توقيت مناسب للتهدئة، «كون ما يحدث أخطاء فردية واردة»، مضيفاً أن إصدار مثل هذا البيان الرسمي من جانب الهيئات الإعلامية والوطنية للصحافة والإعلام في مصر يُعدّ خطوة مهمة تؤكد وجهة النظر الرسمية.

ووصف مكاوي البيان بأنه «متوازن يعبر بوضوح عن صوت الحكومة المصرية الرافض للوقيعة»، مؤكداً أن «العلاقات المصرية العربية راسخة، ولا يمكن أن تتأثر بمثل هذه المهاترات، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي».

وشدّد على أن البيان يحمل رسائل ومضامين، تؤكد أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، «انطلاقاً من كوننا أمة عربية واحدة»، مشيراً إلى الحاجة لتحويل هذه المبادئ إلى إجراءات واقعية ملموسة، مثل إنشاء قوة عربية موحدة، ووضع خطط دفاعية مشتركة.