للمرة الأولى خلال 90 عاما من تاريخها، تخضع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» لإدارة خارجية لمراقبة آلية عملها. وبعد التعديلات التي اقترحتها الحكومة البريطانية، الأسبوع الماضي، فيما يسمى بـ«الورقة البيضاء»، تتجه الأنظار نحو المؤسسة الإعلامية الشعبية خلال أحد أكبر التحديات التي ستخوضها لتلبي طلب الحكومة؛ «أن تصبح أكثر تميزا» وسط تغييرات محورية.
وبموجب الخطة الحكومة التي ستضم «إصلاحات كبرى» لكيفية عمل الـ«بي بي سي»، التي أشرف عليها وزير الثقافة جون ويتينغديل، جرى إلغاء مجلس أمناء الهيئة ليحل محله مجلس إدارة جديد لمتابعة المسائل يوميا، علما بأن «بي بي سي» ستتمكن من تعيين نصف الأعضاء الـ14. والحكومة تعين ستة آخرين حدا أقصى. وسيكون على الهيئة مسؤولية الكشف عن رواتب الموظفين التي تتجاوز أجر المدير العام توني هول البالغ 450 ألف جنيه إسترليني سنويا. بينما تتولى «أوفكوم»، وهي الهيئة المشرفة على وسائل الإعلام، مهمة المراقبة الخارجية للمؤسسة.
وخلال الكشف عن المقترحات في البرلمان، قال وزير الثقافة ويتينغديل إنه لا يجب على هيئة الإذاعة أن تنافس فقط على التصنيفات مع منافسيها التجاريين المحليين. وأضاف أنه في خدماتها العالمية، على «بي بي سي» أن تعكس صورة بريطانيا وثقافتها وقيمها للعالم من خلال تغطية إخبارية دقيقة ونزيهة وعادلة. وتابع ويتينغديل أن «بي بي سي ما زالت ويجب أن تبقى دائما في صميم الحياة البريطانية. نريد لها أن تزدهر، أن تنتج برامج رائعة للجمهور، وأن تعمل محركا للإبداع». وكانت أبرز النقاط التي تضمنتها «الورقة البيضاء» دعوات للهيئة للتركيز أكثر على شريحة المشاهدين من السود والآسيويين والأقليات العرقية، وخدمة للجمهور بكل حيادية، وتوفير مواد مميزة فيها المعلومة والتثقيف والمتعة. كما شملت مشاريع تخصيص 254 مليون جنيه إسترليني لخدمة «بي بي سي» العالمية وإعادة النظر بالمبلغ خمس سنوات. كما طرحت احتمالية إنتاج برامج للهيئة من قبل شركات مستقلة، ولكن ليس في قسم الأخبار وأجزاء من قسم أخبار شؤون الساعة.
ومع انخفاض ميزانية الهيئة السنوية بمبلغ 800 مليون جنيه، يستعد مديرها العام توني هول وطاقمه الذي يتجاوز الـ20 ألف موظفا، بالإضافة إلى عشرات آلاف المتعاونين الإثبات للبريطانيين، وهم تحت مجهر الرأي العام، أن ضرائبهم التي يدفعونها مقابل خدمات الـ«بي بي سي» لا تنفق هدرا.
هذه الهيئة الإعلامية الناطقة بشتى اللغات، التي تعد الأضخم عالميا، مستقلة منذ تأسيها عام 1922. ولطالما حرصت أن تصنف محتواها وفقا لمعايير الحياد والشفافية. ولربما استطاعت ذلك لعدم تلقيها أي دعم حكومي، بل إن تمويلها الضخم بشبكة قنواتها التلفزيونية الفضائية والمحلية والإذاعات والمواقع الإلكترونية التي تديرها يأتي بشكل مباشر من المواطن البريطاني، ومن خلال الضرائب التي تضيفها الدولة على كل جهاز تلفزيون في بريطانيا. وبهذا، يتم جمعها من قبل الحكومة البريطانية لتشكل ميزانية الـ«بي بي سي»، قناة «المواطن الشعبية». آلية لطالما جرى اعتمادها لتغذية الهيئة والإنفاق على مشاريعها.
بدورهم، قال وزراء بريطانيون إن ضريبة مشاهدة التلفزيون التي تحصلها «بي بي سي» والبالغة نحو 150 جنيها سنويا سوف تبقى لمدة 11 عاما على الأقل، لكنه سيترتب على المشاهدين دفع رسوم مالية في المستقبل مقابل مشاهدة الخدمات التسجيلية لـ«بي بي سي» وغيرها من الخدمات الأخرى على الإنترنت. وينص ميثاق «بي بي سي» الملكي - أي الاتفاق الذي يحدد أهداف المؤسسة وكيفية إدارتها - الذي ينتهي العمل بمقتضاه في نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وقد بدأت مشاورات عامة بشأن مستقبله العام الماضي.
وفي الوقت الذي يصور به الإعلام حالة «عدم الرضا» من محتوى وخدمات الـ«بي بي سي» كشف استطلاع رأي مستقل أجري أخيرا وأرفقته الهيئة بتقريرها السنوي أن 48 في المائة من البريطانيين يؤيدون الاستمرار في تمويل «بي بي سي» من خلال رسوم التلفزيون، بينما يرى 29 في المائة فقط أن على المؤسسة الاعتماد على الإعلانات التجارية و20 في المائة اقترحوا اعتماد نظام الاشتراك. ما يؤكد أن نحو 70 في المائة من المواطنين يعتبرون خدمات الـ«بي بي سي» تستحق تمويلهم عن طريق الضرائب أو الاشتراكات وراضون عن المحتوى.
كما كشفت إحصاءات الـ«بي بي سي» الأخيرة أنه يشاهد 97 في المائة من سكان المملكة المتحدة مما هم فوق الثامنة عشر برامج المؤسسة، ويشاهد 73 في المائة قناة «BBC1»، وهي القناة الرئيسية التي تقدم تشكيلة من البرامج الإخبارية والعامة، بينما يشاهد 13.6 في المائة برامج «BBC4» وهي برامج ثقافية. ويبدو أن البريطانيين اعتادوا على محتوى وسائط الهيئة، فعلى سبيل المثال، باءت محاولات الـ«بي بي سي» الأسبوع الماضي بالفشل عندما أعلنت إزاحة وصفات الطعام عن موقعها في خطوات إعادة هيكلة وتخفيض نفقات. فعندما أعلنت ذلك، سارع الآلاف بتوقيع عريضة تطالب بإبقاء المحتوى على ما هو عليه. وأشار محللون إلى أن أي تغيير جذري في الـ«بي بي سي» قد يربك أو حتى يزعج متابعيها وجمهورها الوفي الذي اعتاد عليها بحلتها المعهودة طوال حياته.
ووسط التحقيقات وراء أسباب الهجوم على الـ«بي بي سي» تعود «عداوة» قديمة بين الهيئة وحزب المحافظين لتطفو على صفحات الجرائد البريطانية. ففور البدء بمبادرة «الورقة البيضاء» التي فرضتها الحكومة بقيادة رئيس الوزراء البريطاني، وزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون. تسابقت صحف كـ«الديلي تلغراف» و«الصن» و«الميترو»، وغيرها لتعنون «المحافظون يشنون حربا على الـ(بي بي سي)». كما أعادت بعض المقالات قراءها إلى عهد رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت ثاتشر التي كانت زعيمة حزب المحافظين في تصريحاتها الشهيرة التي عبرت من خلالها أنها خاضت حملاتها الانتخابية الثلاث ضد الـ«بي بي سي» وليس مرشحي الأحزاب المنافسة، وذلك لانحياز الـ«بي بي سي» لحزب العمال ومهاجمتهم المستمرة للمحافظين، بحسب زعمها.
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «الغارديان» الأسبوع الماضي للكاتب في شؤون الإعلام سيتف هيوليت حول مستقبل هيئة الإذاعة البريطانية. اتبع الكاتب البريطاني أسلوب الـ«بي بي سي» بالتزامه الحياد والموضوعية خلال تحليله لـ«الصراع» الدائر بين الحكومة وهيئة الإذاعة. وأكد أنه في الوقت الذي تتدخل الحكومة إلى مرحلة «التعدي» على الـ«بي بي سي» المؤسساتية، لكنه مع صعود المنافسة والتطور الإلكتروني، تواجه الـ«بي بي سي» تحدي مواكبة من حولها من دون التخلي عن هويتها وحيادها. والعنصر الأهم، الذي يجب استشارته خطوة خطوة هم متابعوها الأوفياء، فهم في آخر الأمر، مصدر تمويلها كقناة غير حكومية ولا خاصة.. قناة شعبية.
هل ستغير «الورقة البيضاء» الـ«بي بي سي»؟
الحكومة تطالب بإعادة هيكلتها.. وولاء متابعيها عائق أمام تعديل ما اعتادوا عليه
المقر الرئيسي لهيئة الإذاعة البريطانية في وسط العاصمة لندن (غيتي)
هل ستغير «الورقة البيضاء» الـ«بي بي سي»؟
المقر الرئيسي لهيئة الإذاعة البريطانية في وسط العاصمة لندن (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




