فلوريس لم يعد الرجل القادر على حل أسئلة واتفورد

رحيل المدرب عن الفريق بعد أداء مبهر في أول موسم له يثير الجدل

جماهير واتفورد تشكر فلوريس في المباراة الختامية (رويترز) - فلوريس يودع جماهير واتفورد (رويترز) - بوزو مالك نادي واتفورد
جماهير واتفورد تشكر فلوريس في المباراة الختامية (رويترز) - فلوريس يودع جماهير واتفورد (رويترز) - بوزو مالك نادي واتفورد
TT

فلوريس لم يعد الرجل القادر على حل أسئلة واتفورد

جماهير واتفورد تشكر فلوريس في المباراة الختامية (رويترز) - فلوريس يودع جماهير واتفورد (رويترز) - بوزو مالك نادي واتفورد
جماهير واتفورد تشكر فلوريس في المباراة الختامية (رويترز) - فلوريس يودع جماهير واتفورد (رويترز) - بوزو مالك نادي واتفورد

قوبل قرار نادي واتفورد بالسماح للمدرب كيكي سانشيز فلوريس بالرحيل بعد تقديمه أداء مبهرًا في أول موسم له مع الفريق، بانتقادات شديدة، ومع ذلك، يبقى من السهل شرح الأسباب القائمة وراء القرار.
وتنوعت ردود الفعل تجاه قرار واتفورد بخصوص رحيل المدرب الإسباني بعد أول موسم له مع الفريق، الذي شهد بلوغ واتفورد المركز السابع في شهر ديسمبر (كانون الأول) وإنهاء المسابقة في المركز الـ11، ما بين الدهشة والغضب العارم. من جهته، انتقد سلافين بيليتش، مدرب وستهام يونايتد، القرار، واصفًا إياه بـ«السخيف» و«المريض» و«الخاطئ تمامًا»، أما راي ويلكينز، الذي خلال فترة عمله مساعدًا لجانلوكا فيالي خلال فترة تدريب الأخير لواتفورد فأصبحت لديه فكرة واضحة عما يعنيه فشل المدرب، فتساءل عبر قناة «سكاي»: «ما الذي يرغب فيه هؤلاء الناس أكثر من ذلك؟ لقد بث كيكي روحًا جديدة بالفريق، وهو إنسان رائع حقًا وأشعر بالحزن لرحيله».
ومع ذلك، أعلن فلوريس ذاته أنه «سعيد تمامًا» بالقرار، وأنه من حيث عدد المباريات فإن مهمتي تدريب أخريين فقط من بين إجمالي ثمانٍ دامت لفترة أطول عن تلك قضاها مع واتفورد. إذن، لماذا كل هذه الجلبة؟ الواضح أن كرة القدم الإنجليزية بطبيعتها لا تهاب تغيير المدربين. وتكشف الأرقام أنه من بين 92 ناديًا في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري الدرجة الأولى الإنجليزي، رحل 55 مدربًا عن أنديتهم هذا الموسم. ومع ذلك، يبدو أن قرار رحيل فلوريس الوحيد منها الذي أثار غضب بيليتش.
وقد يكمن السر وراء موجة الغضب التي استثارها القرار في حالة الفتور والبرود التي أحاطت صدوره، ذلك أننا اعتدنا أن تصاحب قرارات التخلي عن المدربين مشاعر صدمة وهلع وقلق، وصور لرئيس نادٍ يشعر بالتوتر تجاه تردي أداء ناديه وانزلاقه نحو المجهول. بيد أنه في حالة فلوريس، لم يكن هناك أدنى شعور باليأس، مما يجعل الأمر برمته يبدو للبعض وكأن فلوريس سقط ضحية لعملية إعدام مقصودة ومخطط لها مسبقًا، وليس جريمة غير مقصودة وقعت في ثورة غضب.
من جانبه، ربما عاين بيليتش مثل هذا الموقف من قبل، فمنذ عام واحد فقط، كان سام ألادريس، مدرب وستهام يونايتد آنذاك، يشكو من أنه يستحق الاستمرار بعد قيادته الفريق نحو المركز الـ12 بمسابقة الدوري الممتاز. ومع ذلك، فإن آخر التغييرات على صعيد المدربين التي أثارت مثل هذا المستوى من ردود الفعل الحادة كان في يناير (كانون الثاني) 2013 عندما طرد ساوثهامبتون، وكان بالمركز الـ15 في الدوري الممتاز، نايجل أدكينز، الذي كان قد قاد الفريق لتوه عبر عدة نجاحات متعاقبة. وعلق لي تيسييه، اللاعب السابق والمعلق الرياضي حاليًا، على القرار بقوله: «لقد خسروا مباراتين فقط من آخر 12 مباراة خاضوها. إن هذا القرار مثير للضحك».
وبالمثل، أكد لوري ماكمينيمي، أحد كبار المدربين الإنجليز، أنه «مصدوم»، مضيفًا أن «الطموح هذا العام تركز حول البقاء داخل الدوري الممتاز، ويبدو الفريق بالفعل مهيئًا لذلك» - ثم حول دفة الحديث باتجاه المدرب الجديد داخل ساوثهامبتون حينذاك، قائلاً: «مع كامل الاحترام لماوريسيو بوكيتينو، ماذا يعرف عن كرة القدم ببلادنا؟».
جدير بالذكر أن الفريق الحالي الذي يتولى بوكيتينو تدريبه (توتنهام) احتل المركز الثاني بالدوري الممتاز حتى المرحلة قبل الأخيرة وأنهى الموسم ثالثا، بينما أنهى ساوثهامبتون إنجاز الموسم الثالث له على التوالي بين الأندية الـ10 الأولى بالدوري، في الوقت الذي تعرض أدكينز لتوه للطرد من جانب نادي شيفيلد يونايتد، المشارك بدوري الدرجة الأولى.
وربما لو كانت الأندية أكثر فاعلية في اتخاذ تغييرات إدارية إيجابية لم تكن لتقدم على اتخاذ مثل هذا العدد الكبير من القرارات المتسرعة التي تعكس حالة من الذعر. دعونا نمعن النظر، على سبيل المثال، في وست بروميتش ألبيون، الذي لم يقدم طواعية على قرار تغيير المدرب على مدار سنوات. وخلال العقد الماضي، طرد النادي بريان روبسون وروبرتو دي ماتيو وستيف كلارك وبيب ميل وألان إرفين لضعف الإنجاز. وقد تعرضوا جميعًا، ما عدا واحدًا فقط، للطرد في منتصف الموسم، بينما قرر توني ماوروبري وروي هودجسون الرحيل بحثًا عن فرص أفضل. وكان من شأن ذلك إجبار النادي على اتخاذ سلسلة من القرارات المتسرعة حيال تعيين مدربين جدد، كان آخرهم توني بوليس في يناير الماضي، في وقت كان فيه الفريق بحاجة حقيقية إلى خبير في كيفية ضمان بقاء الفريق على قيد الحياة. يذكر أن بوليس يشتهر بقدرته على جعل الفرق التي يتولى تدريبها من الصعب إلحاق الهزيمة بها، وبالفعل نجح في إبقاء النادي داخل دائرة الدوري الممتاز، وكرر الإنجاز هذا العام على نحو فريد، في حين كشفت الأرقام أن أستون فيلا النادي الوحيد الذي سجل عدد أهدف أقل عن وست بروميتش ألبيون.
لقد نجح وست بروميتش في إنهاء الموسم في المركز الـ14، ومع ذلك، ورغم نجاح بوليس في إنجاز كل ما طلب منه، فإنه إذا كان النادي يتطلع نحو ما هو أكثر من مجرد البقاء داخل الدوري الممتاز، فإن عليه التفكير جديًا في الاستعانة بمدرب آخر. لقد كان بوليس الإجابة عن تساؤل واجه النادي منذ 18 شهرًا، لكن ألم يحن الوقت الآن لتحويل الاهتمام نحو تساؤل مختلف؟!
فيما يتعلق بواتفورد، فإنه يطرح مجموعة مختلفة من التساؤلات. في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، لجأ النادي إلى سلافيسا يوكانوفيتش عندما كان بحاجة لشخص قادر على إعادته إلى الدوري الممتاز، ثم أدار له ظهره عندما أصبح بحاجة لمدرب لترسيخ وجود النادي داخل المسابقة. وبذلك يتضح أن المشكلات المختلفة تتطلب بالضرورة حلولاً مختلفة. وقد أثبت وستهام يونايتد أن مثل هذا النمط من القرارات يصب في مصلحة الطرفين، فعلى مدار العام الماضي نجح بيليتش في دفع الفريق لمستوى جديد من الإنجاز، بينما عثر ألارديس على عمل لدى نادٍ يحتاج لمهارته في إنجاز نمط بعينه من المهام، على الأقل في الوقت الراهن. ودعونا نؤكد هنا أن فلوريس حقق إنجازًا مثيرًا للإعجاب داخل واتفورد، لكن هذا لم يأتِ من دون أخطاء.
لقد انضم فلوريس للنادي الصيف الماضي، في وقت كانت صفوف الفريق قد انتفخت مع انضمام 15 لاعبًا جديدًا، جميعهم ساورهم الاعتقاد بأنهم جديرون بالمشاركة في صفوف الفريق الأول. وكان على فلوريس تقييمهم بسرعة واتخاذ قرار بشأن من سيشارك في الملعب ومن سيظل على مقعد الاحتياط ومن سيرحل. ومن بين أكبر الإنجازات التي حققها هذا الرجل صاحب الشخصية المحبوبة أن الأمر استغرق حتى الأسابيع الأخيرة من الموسم كي تبدأ أصوات الشكوى والتذمر في الظهور خارج غرفة تبديل ملابس اللاعبين.
بدأ واتفورد الموسم بخوسيه مانويل كصانع ألعاب خلف المهاجم تروي ديني الوحيد، وهو تشكيل تخلى عنه فلوريس فورًا بعد إدراكه أن أوديون إيغالو يمكن أن يقدم أداء أفضل كمهاجم. وبالفعل، نجح الاثنان فيما بينهما في تسجيل 27 هدفًا في لقاءات الدوري الممتاز، ما يعادل 71 في المائة من إجمالي الأهداف التي سجلها الفريق، بجانب معاونتهم في إحراز 10 أهداف. ويعكس هذا القرار تواضع رجل لا يستنكف الاعتراف بالوقوع في خطأ والمسارعة إلى إصلاحه، وكانت تلك بداية تألق واتفورد خلال الموسم.
ومن مباراة لأخرى خلال الموسم، زادت الشراكة نجاحًا، وتضاءلت مشاركة باقي أفراد الفريق في هجماتهما، لينتهي الأمر بواتفورد بحارس مرمى وثمانية لاعبي دفاع ولاعبين يحاولان من وقت لآخر تسجيل هدف. وعندما كان يصاب أحدهما في مواجهة المرمى بحالة من التردد، لم يكن هناك لاعب آخر بإمكانه تقديم العون.
وعندما ظهرت الحاجة مجددًا إليها، كانت المرونة التكتيكية التي كانت واضحة بداية الموسم قد تلاشت، وطلب فلوريس من لاعبي خط الوسط مرارًا اللعب في مراكز واسعة. ورغم أن مساعي النادي لضم أندروس تاونسيند عكست استعداد المدرب للعب بجناحين بالمعنى الحقيقي، فإن الفكرة اختفت مع تفضيل اللاعب الانضمام إلى نيوكاسل يونايتد. وفي نهاية الأمر، استقر اختيار واتفورد على المغربي نور الدين أمرابط، لاعب أقل مستوى، وجاء أداؤه متفاوتًا.
أما اللحظة الأعظم بالنسبة لفلوريس فكانت في فوز فريقه على أرضه بثلاثة أهدف من دون مقابل على ليفربول، في ديسمبر، بينما تمثل إخفاقه الأفدح في خسارته أمام كريستال بالاس في الدور قبل النهائي من بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم. اللافت أن ذات التشكيل من اللاعبين شارك في بداية المباراتين، بينما غاب التركيز والدفاع والعزيمة التي مكنتهم من إلحاق المذلة بفريق يورغن كلوب على استاد فيكاريدج رود، عن مباريتهم على استاد ويمبلي. ورغم كل مشاعر الانتماء التي عززتها إنجازات فلوريس وشخصيته داخل الفريق، فإنه في تلك اللحظة بدا أن واتفورد بإمكانه إما الانتظار 10 شهور أخرى قبل أن يقدم على قرار مذعور ويائس بتغيير المدرب ينال موافقة الجميع، أو يتحرك في وقت مبكر عن هذا ويواجه عاصفة من الانتقادات من أشخاص مثل بيليتش.
بطبيعة الحال، لن نعلم قط ما الذي كان يمكن لفلوريس تحقيقه لو أنه استمر مع واتفورد. كما أننا لا نعلم ما إذا كان قرار السماح له بالرحيل صادر عن رئيس النادي (الإيطالي) غينو بوزو رد فعل حيال مستوى أداء الفريق خلال المباريات الأخيرة، لكنه بالتأكيد كان يضع مثل هذه اللحظة نصب عينيه عندما وضع بند الانفصال في عقد فلوريس.
إلا أن ما نعلمه على وجه اليقين أن غينو بوزو وأسرته نجحوا في الإبقاء على نادي أودينيزي داخل الدوري الإيطالي الممتاز على مدار عقدين، وقادت غرانادا من دوري الدرجة الثالثة في إسبانيا إلى خمسة مواسم متتالية في دوري الدرجة الأولى، مع ضمانه بالفعل موسمًا سادسًا، علاوة على أنهم في طريقهم لتكرار تجربة نجاح هرتفوردشير. وعليه، فإنهم على ما يبدو يعرفون الكثير عن فن الإدارة الناجحة عما يعرفه راي ويلكينز. وتبقى الحقيقة الواضحة أن السؤال الذي يحتاج واتفورد لطرحه اليوم يختلف عن ذلك الذي أجاب عنه فلوريس ببراعة منذ عام مضى.

 



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.