إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة

في سبيل ولاية ثالثة.. حكومة المالكي تواصل «اجتثاث» الثروة والديمقراطية (الحلقة الأخيرة)

إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة
TT

إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة

إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة

تناولت حلقة أمس، بعض ملامح العراق في ظل ولاية نوري المالكي الأولى وسمات تلك الفترة. وتعرضت في السياق، إلى حجم الفساد الذي انتشر في البلاد، والعنف الذي ارتفعت وتيرته، وخصوصا في السنوات القليلة الماضية. وكذلك العلاقة مع إيران، ودور قاسم سليماني، قائد فيلق القدس السابق، والمسؤول الآن في الجيش الثوري الإيراني، وكيف انقلب موقف المالكي من سوريا ونظامها، من مشار لها بدعم الإرهاب في العراق إلى حليف داعم لاقتصادها بالنفط.
في هذه الحلقة، وهي الثالثة والأخيرة، نتابع ملف المالكي خلال ولايته الثانية في الحكم، وأبرز ما حصل فيها، بدءا من التجديد إلى تلاعبه بالسلطة القضائية، واستخدام مادة (4) لإرهاب خصومه منتقديه على مستوى السلطات الثلاث، مع استمرار لجوئه إلى قانون الاجتثاث كلما احتاجه في واحدة من معاركه الكثيرة. والبداية مع ملابسات تجديد الولاية.

حسب من توسطوا لأن يكون نوري المالكي رئيسا للوزراء مرة ثانية، فقد عاش المالكي لحظات شديدة القلق، إلى درجة أنه لم يتوقف عن الاتصال بالمعنيين، للاستفسار عن توقيع الاتفاق المتعلق بذلك، وعقد جلسة البرلمان الأولى، لكن المالكي الذي حصل ما أراده، سرعان ما أدار ظهره لمن ساعدوه وساهموا في تجديد ولايته. كيف حدث ذلك، وما الذي جرى حتى انقلب المالكي على مريديه.
جرت الانتخابات العامة في أبريل (نيسان) 2010، وأظهرت النتائج حصول «القائمة العراقية» على الأصوات الأكثر، جن جنون المالكي، فهدد بتحريك الجيش، فقد عمل لهذه اللحظة طيلة السنوات الأربع الأولى، لحظة الفوز بولاية ثانية والاحتفاظ برئاسته للوزراء، ولا يستبعد مراقبون، أن يكون انشغاله في الحكم والرئاسة والاحتفاظ بالسلطة، واحدا من أسباب فشله في إدارة العراق، وكان بإمكانه إجراء مصالحة حقيقية مع الأطراف السياسية الأخرى ضمن شراكة وطنية حقيقية، لكن المشكلة أن الجيش الذي بني ليكون للعراق، أصبح جيش المالكي عمليا، بينما صارت أجهزة الشرطة تابعة له.
كذب المالكي النتائج، ومفوضية الانتخابات على إعلانها بأن الانتخابات أسفرت عن فوز القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي، بـ91 مقعدا، وحصول دولة القانون على 89 مقعدا، لو لم يكن نوري المالكي في السلطة، ولم يشاركه جعفر محمد باقر الصدر، الذي أدخل لقائمته عددا من النواب، ما كانت دولة القانون لتحصل على ما حصلت عليه من مقاعد. ولأن الأصوات للقوائم وليست للأفراد. فقد اضطرت المفوضية العامة للانتخابات إلى إعادة الفرز للخروج من المأزق، فظهرت النتائج عينها، وكان المالكي رفض التحالف مع القوى الشيعية الأخرى، ظنا منه أنه سيحصل على العدد الكافي لتشكيل الحكومة منفردا، اعتمادا على تكتله الانتخابي، أي دولة القانون. مساء ذلك اليوم، ظهر المالكي غاضبا متجهما مكتئبا، فقد أعد نفسه لمقاعد كافية تعيده إلى رئاسة الوزراء من دون حاجة إلى دعم أي من الكتل الأخرى.
بكل المعايير والمقاييس القانونية، كانت رئاسة الوزراء من حق إياد علاوي، الذي تزعم الكتلة الانتخابية الأكبر في البرلمان، أي القائمة العراقية، لجأ المالكي وكتلته إلى لعبة القضاء الأعلى، الذي كان على رأسه أشخاص يبدو أنهم تعرضوا للتهديد بالاجتثاث، فهم كانوا قضاة في العهد السابق. عرضت المادة (73) من الدستور العراقي (2005)، التي تقول: «أولا: يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال 15 يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية». وكانت النتيجة متوقعة سلفا، بعد أن شعر الآخرون بميل القضاء والهيمنة عليه، فجاء تفسير المحكمة العليا بأن الكتلة المقصودة، هي التي تتألف داخل البرلمان وليست الفائزة. ومعلوم أن الكتلة التي تتألف داخل البرلمان تسقط قيمة الفوز، فإذا فاز شخص بصوت واحد، وتكتل مع آخرين داخل البرلمان يصبح رئيسا للوزراء، بينما الذي فازت كتلته من دون تأليف داخل البرلمان فإنه يقصى.
مع ذلك ظلت القائمة العراقية تطالب بحقها الدستوري، معتبرة حكم المحكمة غير صحيح وفيه انحياز ملحوظ، استمر الخلاف من شهر أبريل 2010 وحتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وظل نوري المالكي يقدم تنازلات مختلفة وفي مجالات عدة، حتى كاد يتنازل عن كل شيء، إلا رئاسة الوزراء. وأخذ يلعب على وتر الطائفية، قائلا إن القائمة العراقية تتألف من السنة برئاسة شيعي، هو إياد علاوي، وإنها قائمة حزب البعث، وأكثر الكلام في ذلك، بينما استجابت القوى الأخرى للنتائج، ومنها المجلس الأعلى والقوى الكردية، وصرحت علانية، بأن رئاسة الوزراء من حق القائمة العراقية، غير أن الوضع لم يشهد انفراجا إلا بعد المبادرة التي قدمها رئيس إقليم كردستان، فالمالكي ظل يرفض حتى فكرة تحويل الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال، على أساس أن رئاسة الوزراء من حقه، بل رفض أي بديل آخر من الكتلة الشيعية، أي التحالف الوطني.
ودخلت إيران على الخط، وهي لم تكن بعيدة عما يجري على أي حال، وأصدر المرجع الدعوي محمد كاظم الحائري، فتوى تحرم انتخاب سياسي علماني، كي يلزم بها التيار الصدري الذي لم يكن موافقا على المالكي، وهذا الموقف الإيراني يشابه موقفهم الذي اتخذوه ضد أحمد الجلبي أيضا، عندما قدم اسمه مع آخرين، وأصروا أن يكون رئيس الوزراء إسلاميا من حزب الدعوة. فكان إبراهيم الجعفري الذي رافقه الفشل منذ أيامه الأولى.
جاءت مبادرة رئيس إقليم كردستان بعد اجتماعات مطولة، وقد لعب فخري كريم، الشخصية الإعلامية ورئيس مستشاري الرئيس جلال طالباني دورا كبيرا في إقناع القوى الكردية. وهذا ما كتبه صراحة فخري كريم نفسه، وبين أسفه على موقفه ذاك، في مقالات عدة نشرها في جريدة «المدى»، في أعقاب العنف الذي أطلقه المالكي وجماعته ضد المتظاهرين في ساحة التحرير، فقد استدعى المالكي العشائر لتفريقهم بالقوة، ثم قتل أبرز المناصرين، وهو هادي المهدي، في داره ليلة تسلمه تهديدات من عناصر مقربة من نوري المالكي، وهذا ما كشفت عنه زوجة هادي لوسائل الإعلام في حينها.
وأدناه بعض بنود وثيقة أربيل، التي وفقها جرى التجديد لنوري المالكي، وكان قد التزم بكلام كثير أمام الجميع، بل أقسم على تنفيذها.
بعد الديباجة، تأتي بنود الوثيقة، وهي بمثابة خارطة طريق لتجاوز الأزمة العراقية، التي تراكمت أثناء ولاية نوري المالكي الثانية: ففي محورها الأول الإداري والمالي، تعالج مسألة امتيازات أعضاء البرلمان والحكومة وكل الرئاسات، كإعادة النظر في القوانين الخاصة بامتيازات الأعضاء (الحقوق، الرواتب، الحمايات، التقاعد، السلطات القضائية والإدارية). فقد وصلت هذه الامتيازات إلى مستوى غير معقول، من رواتب ورواتب تقاعدية. وتحسين أداء البرلمان العراقي. ثم إعادة تشكيل لجنة التعديلات الدستورية بما يحقق مشاركة حقيقية لكل الكتل الفائزة في الانتخابات، وإكمال التعديلات المتفق عليها. وأن يصار إلى وضع سقف زمني لإكمال جميع القوانين التي يجيزها الدستور وإصدارها، شرط أن يكون هناك تنسيق متكامل بين الدائرة البرلمانية واللجنة القانونية واللجان المختصة بالبرلمان من جهة، وبين رئيس المجلس والكتل السياسية من جهة أخرى. ووفقا للترتيب التالي: قانون المحكمة الاتحادية، قانون النفط والغاز، قانون المصالحة الوطنية، قانون تنظيم المؤسسات الأمنية، قانون الأحزاب، قانون المجلس الاتحادي، قانون الانتخابات، قانون مفوضية الانتخابات، قانون الشبكة الإعلامية، قانون هيئة النزاهة، قانون المفتش العام، قانون ديوان الرقابة المالية، قانون هيئة التوازن، قانون الموارد الاتحادية، قانون السلطة التنفيذية، قانون العمل الصحافي وحماية الصحافيين. إنهاء مسألة مسؤوليات المناصب بالوكالة ومعالجتها (الوزير بالوكالة، رئيس الهيئات، وكلاء الوزارات... إلخ)، خلال فترة ثلاثة أشهر من بداية عمل المجلس، وتحقيق التوازن الدستوري في هذا المجال. تفعيل دور المؤسسات الإعلامية المختلفة باعتبارها السلطة الرابعة، وإصدار قانون العمل الصحافي وقانون حماية الصحافيين. ووضع آلية واضحة لاستدعاء ومحاسبة الوزراء وأعضاء السلطة التنفيذية وعدم حصر هذه المسألة بالرئاسة.
كذلك جاء في الملف الأمني: إصدار قانون الأجهزة الأمنية الذي يحدد واجبات الأجهزة الأمنية العامة وسلطاتها، بهدف تحقيق التكامل والابتعاد عن ازدواجية السلطات في الأجهزة الأمنية. وضرورة تدريب عناصر المؤسسات الأمنية بما يحقق تدعيمها بأكبر عدد من الحرفيين وأصحاب الخبرات. والأهم من ذلك، وضع المؤسسات الأمنية تحت مسؤولية مجلس النواب وفق السياقات الدستورية، وإصدار حزمة من القوانين لمعاقبة الأطراف التي تستخدم تلك المؤسسات لصالح الأطراف الخارجية أو الاستخبارية. وتحقيق التوازن الوطني في المناصب التالية: وكلاء الوزارات، السفراء، رؤساء الهيئات والمفوضيات المستقلة، في الوزارات الفردية والمؤسسات العسكرية والأمنية من درجة مدير عام فما فوق (قادة الفرق وديوان الوزارات.. إلخ).
ومن البنود المهمة أيضا: إصلاح أعمال السلطة التنفيذية. والعمل وفقا لأسس الكفاءة والحرفية، وتحقيق التوازن الدستوري في الوظائف العامة وفقا لقانون مجلس الخدمة العامة.
وإعادة النظر في التعيينات التي جرت سابقا، وتحقيق حقوق المحافظات وفقا للدستور. وتحقيق المشاركة الحقيقية للأطراف المشاركة في الحكومة في القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية. والمصادقة على نظام داخلي لتنظيم عمل مجلس الوزراء، وتحديد صلاحيات المجلس وأعضائه. كذلك منع التدخل المباشر في أعمال الوزارات عن طريق الوكلاء أو المديرين العامين لمصلحة حزبية، والتعامل مع الوزير باعتباره الرئيس الأعلى للوزارة، وهذا ما دفع بعض الوزراء إلى الاستقالة، بسبب تدخل مكتب مجلس الوزراء في عمل الوزير بصلاحيات شفوية من رئيس الوزراء.
أما المنصب المتفق عليه، وكان مطروحا منذ وزارة إياد علاوي، وهو مجلس السياسات، وكان ضمن اتفاق أربيل، فقد سوفه المالكي في الجلسة الأولى للبرلمان، بحجة أنه ليس من الدستور، بينما هو أهم نقطة في اتفاق أربيل. ولم يعلن نوري المالكي عن نياته تلك إلا بعد أن أجري التجديد بتكليف من رئيس الجمهورية. وبعدها أخذ يسوف في موضوع الوزارات الأمنية، فربطها كلها بمكتبه، من وزارة الدفاع، التي جعلها وكالة لوزير الثقافة، وتلك إحدى العجائب أن يكون وزير الثقافة وزيرا للدفاع، وعلى وجه الخصوص في بلد مثل العراق. وها هي السنة الرابعة، أي نهاية ولايته الثانية، تمر بينما البلاد بلا وزير داخلية ولا أمن ولا دفاع، فقد وضعها المالكي كلها في يده، لهذا كيف يساءل عن الوضع الأمني؟
بعدها أخذ المالكي في تشتيت القائمة العراقية، من طريق تقديم اتهامات عبر القضاء، مثلما حصل لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي. هنا لم يصدر القضاء مذكرة اعتقال بحقه، إلا بعد أن أصبح خارج بغداد، وخرج المالكي يقول: إن لديه وثائق الإدانة منذ ثلاث سنوات، وهذه بحد ذاتها جريمة، إذ هي تستر على جريمة. وصدر بحق الهاشمي ثلاثة أحكام غيابية بالإعدام. وما زال حتى هذه الساعة، من الناحية البرلمانية، نائبا لرئيس الجمهورية. ثم فعل المالكي قانون الاجتثاث ضد الآخرين، وعلى وجه الخصوص في الانتخابات التي كانت على الأبواب.
أما على صعيد الموقف مما يجري في سوريا، فقد التزم المالكي جانب نظام بشار الأسد، وقدم له العون، بتمرير أسلحة من إيران، وإمداده بالنفط، والسماح للمقاتلين من الميليشيات بالعبور إلى سوريا، ومنها لواء أبو الفضل العباس، وعصائب أهل الحق وسيد الشهداء. ويشرف محمد كوثراني، عضو المكتب السياسي لحزب الله اللبناني، على تجنيد العراقيين إلى سوريا. وتدخله يوازي تدخل قاسم سليماني في الشأن العراقي وقوته. وصار مشهد تشييع القتلى العراقيين داخل المدن العراقية ملحوظا، من دون أن تتقدم حكومة المالكي بموقف لصد ذلك، بل على العكس إذ حاربت الميليشيات، لكنها أبقت على ميليشيا عصائب أهل الحق، لاستخدامها وقت الحاجة، ضد التيار الصدري الذي يرفض الولاية الثالثة للمالكي.
وعلى صعيد آخر، عمد رئيس الوزراء إلى تجميد دور المؤسسات المستقلة، كالبنك المركزي. لقد جرى استغلال سفر محافظ البنك، وهو رجل معروف بنزاهته واختصاصه المالي والاقتصادي، وأحد العاملين في مؤسسات دولية تابعة للأمم المتحدة، وأصدر القضاء الذي صار ألعوبة بيد المالكي، أمرا بإلقاء القبض عليه بتهمة الفساد. وقد ألقي القبض على نائبه، الاختصاصي الآخر في مجال المال محمد صالح مظهر، وجرى اعتقال الموظفات في البنك أيضا. ويتعلق الأمر بالاحتياط المالي، وهو نحو 68 مليار دولار، كما صرح الدكتور الشبيبي، إذ أراد المالكي الحصول على قرض منها، ما يعرض البلاد إلى هزة مالية.
ومع أن شأن البنك المركزي حسب الدستور، تابع للبرلمان، وكذلك هيئة النزاهة، إلا أن المالكي راح يصدر التعليمات عن طريق مجلس القضاء الأعلى. وإذا تمكن من قمع مظاهرات الشباب ضد الفساد المالي والإداري، وضد العنف واستخدام كواتم الصوت ضد المخالفين، فإن مظاهرات المنطقة الغربية تمكنت من الصمود لأكثر من عام، مع ما أصاب منطقة الحويجة من هجمة شرسة راح ضحيتها أكثر من 30 متظاهرا، لكن الاعتصامات ظلت تحرج نوري المالكي، حتى اتهمها بحماية الإرهاب، مع أنها كانت سلمية.
كاد عام 2012 يكون الأخير في ولاية نوري المالكي، فقد جمع معارضوه في البرلمان، نحو 170 صوتا، تكفي لسحب الثقة منه وتزيد، بعد أن رفض المثول أمام البرلمان بعد أن استدعي مرات عدة، وقد تسلم رئيس الجمهورية جلال طالباني قائمة الأسماء، ولم يبق سوى أن يقدمها إلى البرلمان لسحب الثقة. هنا تدخلت إيران، مثلما تدخلت في المرة الأولى في تعيين إبراهيم الجعفري، وفي التجديد لنوري المالكي في ولايته الثانية. ولم يبق ذلك سرا، فقد أفشى أحمد الجلبي الأمر في لقاء مع قناة «البغدادية»، إذ سئل عن تعطيل سحب الثقة، فقال: «إيران أوقفته بالضغط على جلال طالباني». وبطبيعة الحال لها اليد الطولى. ثم قالها نواب من كتلة التيار الصدري أيضا، إن إيران أوقفت سحب الثقة.
إلا أن حدثا وقع لم يكن في الحسبان، إذ فرت عناصر إرهابية من سجني التاجي وأبو غريب، فخرج وزير العدل العراقي حسن الشمري، يتحدث عن تفاصيل مذهلة، تتعلق بما حدث، بعد أن أشارت أصابع الاتهام إلى وزارته. وصرح على فضائيات، بأن هروب هذه المجاميع له علاقة بالوضع السوري، فهناك من أمر بسحب فوج الحماية من السجون، التي فتحت أبوابها للإرهابيين، كي يلتحقوا بـ«القاعدة» وما يسمى بـ«داعش»، على خلفية التخويف من سقوط النظام السوري من قبل الأميركيين، وقد تزامن هذا مع ما تناقلته الأخبار من اتجاه الأميركيين إلى اتخاذ قرار باستخدام القوة ضد النظام السوري.
في تلك الأثناء، بدا نوري المالكي كمن كان نائما واستيقظ فجأة ليكتشف وجود إرهاب، مع أن الإرهاب لم يتوقف على امتداد فترتي ولايتيه الأولى والثانية في مدن العراق كافة، وعلى وجه الخصوص بغداد والموصل. قرر المالكي شن حملة عسكرية على المناطق الغربية. واتجهت القوات إلى أماكن الاعتصامات لتفريقها وإزالة الخيم التي كان المتظاهرون يستخدمونها في الساحات. وجرت اعتقالات عشوائية. لكن الأهم، هو أن تحريك القوة العسكرية لا يجري بأمر من رئيس الوزراء والقائد العام، إنما يتعلق بموافقة البرلمان العراقي والتنسيق مع مجلس الأمن الوطني الأعلى، وهذا ما لم يحصل. ووجهت هذه الحملة، ذات الحسابات الانتخابية لا الأمنية، بالاعتراض من قبل التيار الصدري والمجلس الأعلى والأحزاب الكردية، التي فتحت أبوابها لاستقبال ضحايا الهجمة العسكرية من الأسر والأفراد.
غير أن تلك الحملة، التي استعرض بها نوري المالكي قوته وصلاحياته التي لم يمنحها له الدستور، لم توقف الإرهاب. فهذه بغداد والأنبار والموصل والحلة وكربلاء تتعرض يوميا إلى هجمات إرهابية، فما فائدة الحملة العسكرية والحرب على المدن؟
بعد فشل الحملة العسكرية، راح المالكي يتوسل العشائر لمحاربة المسلحين، وأخذ يتحدث عن الوحدة الوطنية، وينتقد المحاصصة، ويدعو إلى اعتماد الكفاءة في المناصب، مع أنه لم يعتمد كفؤا في أي منصب من المناصب الخطيرة، سوى في الأمن أو التعليم أو إدارة البلاد. وكم من عراقي كفؤ أتى من الخارج ليخدم بلاده بما تحصله من علوم وخبرات ووجد الأبواب وقد سدت أمامه بسور حزبي وأسري أخذ يزحف بقوة من داخل المنطقة الخضراء إلى خارجها؟
كان يمكن للعراق، خلال فترة الثماني سنوات التي قضاها نوري المالكي رئيسا للوزراء وقائدا عاما للقوات المسلحة وغيرهما من المناصب، أن يتقدم كثيرا في سياسته الداخلية وفي تحقيق المصالحة الوطنية، وفي سياسته الخارجية أيضا. لكن تبين أن أهم ما لدى المالكي هو البقاء في المنصب. وهو يطمح الآن، في ولاية ثالثة، ويتقدم باتجاهها بقوة، على الرغم مما بينه وبين بقية الكتل السياسية الأخرى.

نماذج من العمليات الإرهابية أثناء ولاية المالكي الأولى  



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.