بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي

القائم بالأعمال في السفارة الصينية لدى السعودية: نتخذ التشاور والتفاوض مسارًا لحل الخلاف

بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي
TT

بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي

بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي

قال شي هونغ ويي، القائم بالأعمال بالسفارة الصينية في السعودية، إن قضية بحر الصين الجنوبي تتمحور بين الصين والفلبين حول أمرين، الأول: النزاع على الأراضي في الجزر والشعاب البحرية، والثاني: النزاع لرسم الحدود البحرية.
والأول ليس تابعًا لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون البحار، أما الثاني فقد أصدرت الصين عام 2006 بيان الاستثناء لاستبعاد تطبيق إجراءات التحكيم الإلزامي للاتفاقية على رسم الحدود البحرية والقضايا الأخرى ذات الصلة، وفقًا لبند 298 من الاتفاقية المبرمة سابقا بين البلدين.
وأضاف أن أكثر من 30 دولة صرحت ببيان الاستثناء المماثل، كما صرحت ببيان الاستثناء أربع من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن للأمم المتحدة، ما عدا الولايات المتحدة التي لم تنضم إلى الاتفاقية.
وعلى أثره، يقول القائم بالأعمال في رسالة بعثها إلى «الشرق الأوسط» إن عدم إقبال الصين وعدم مشاركتها في التحكيم يعد حقًا لها في الدفاع عن حقوقها والحقوق الشرعية لكل الدول المتعاهدة، خاصة الدول التي صرحت ببيان الاستثناء، مضيفا أن التحكيم الإلزامي لن يحل نزاعات بحر الصين الجنوبي بين الصين والفلبين.
وإذا اتخذت الدول المعنية، بحجة ما يسمى «قرار التحكيم»، المزيد من الأعمال الاستفزازية وانتهاكات الحقوق لتعقيد النزاعات وتوسيعها وزيادة حدتها، فإن الشعب الصيني لن يقبل، وكذلك كثير من دول المنطقة. ويقول القائم بالأعمال: «في عام 2013 أهملت الفلبين رفض الصين القاطع وطلبت من جانبها الأحادي التحكيم الإلزامي للنزاعات الصينية - الفلبينية حول بحر الصين الجنوبي في المحكمة الخاصة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ومنذ ذلك الحين، ازداد توتر قضية بحر الصين الجنوبي ولفت اهتمام المجتمع الدولي إليها».
وقد يسأل الناس خارج المنطقة عن ماهية النزاعات بين الصين والفلبين حول بحر الصين الجنوبي؟ ومن الضروري معرفة وقائع هذه القضية من خلال أسلوب موضوعي ومنطقي.
ويشرح قائلا إن بحر الصين الجنوبي يقع في الجنوب من البر الرئيسي الصيني، وهو منطقة بحرية مهمة تربط المحيطين الهادي والهندي. تنتشر في بحر الصين الجنوبي من شماله إلى جنوبه جزر نانشا وجزر شيشا وجزر دونغشا وجزر تشونغشا، ويشار إليها مجتمعة بـ«جزر بحر الصين الجنوبي».
ويجزم بأن جزر بحر الصين الجنوبي من أراضي الصين منذ القدم. والصين بكونها أقدم دولة من الدول المطلة على البحر، تعدُّ أول من قام باكتشاف هذه الجزر وتسميتها وتطويرها، وفرض السيطرة الفعالة والمستمرة عليها.
ويستدل شي هونغ ويي بالقول: قبل أكثر من ألفي سنة بدأ الشعب الصيني اكتشاف وتطوير بحر الصين الجنوبي، ووجد جزره من خلال الأنشطة المعيشية طويلة المدى. وقبل أكثر من ألف سنة أدرجت الحكومة الصينية هذه الجزر في إطار إدارتها، وقامت الحكومات المتعاقبة بالحكم المستمر لها من خلال إقامة الأجهزة الإدارية والدوريات العسكرية والفعاليات الإنتاجية والتجارية والمساعدات البحرية.. إلخ، وكل هذه الحقائق مسجَّلة بالتفصيل في عدد كبير من الوثائق التاريخية الصينية القديمة. ووُثق أيضًا في السجلات الملاحية التي أُصدرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بما فيها «دليل البحر الصيني» (The China Sea Directory) للبحرية البريطانية، أن الصينيين هم الوحيدون الذين كانوا يمارسون الأنشطة التطويرية والتجارية على جزر بحر الصين الجنوبي.
متابعا أنه أثناء الحرب العالمية الثانية شنَّ الغزاة اليابانيون الحرب العدوانية الشاملة على الصين، واستولوا على جزر شيشا وجزر نانشا في بحر الصين الجنوبي. ونص (إعلان القاهرة) و(إعلان بوتسدام) - في حينه - بوضوح على أنه يجب على اليابان إعادة الأراضي الصينية المحتلة، وتم ذلك بالفعل، واستعادت الصين الجزر وأعلنت إعادة ممارسة سيادتها عليها عبر سلسلة من الإجراءات.
في عام 1948م أعلنت الحكومة الصينية رسميًا الخطوط المتقطعة في بحر الصيني الجنوبي، وأكدت مجددًا سيادتها في البحر وحقوقها ذات الصلة؛ لذا فإن الصين تملك السيادة تجاه جزر بحر الصين الجنوبي واقعيًا وقانونيًا، وبذلك يعود الحق إلى صاحبه الأصيل.
ويتابع القائم بالأعمال: «خلال الفترة الطويلة بعد الحرب العالمية الثانية، كان المجتمع الدولي يعترف بسيادة الصين تجاه جزر ناشا، لكن مع اكتشاف موارد النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، احتلت الفلبين ودول أخرى أكثر من 40 من الجزر والشعاب في بحر الصين الجنوبي بالقوة، مطالبة بالتوسع غير الشرعي لأراضيها، ما أدى إلى حدوث نزاعات حول تبعية بحر الصين الجنوبي. ومع تطوير نظام القوانين البحرية الحديث، ظهرت مشكلة ازدواج الحقوق والمصالح البحرية. وهذان النوعان من النزاعات متداخلان ومعقدان للغاية».
ويتابع شي هونغ ويي بأن الأراضي الفلبينية لا تضم جزر وشعاب نانشا أو جزيرة هوانغيان بحسب الوثائق الرسمية، على حد قوله، سواء معاهدات تحديد أراضيها بما فيها «معاهدة باريس الإسبانية الأميركية 1898»، و«معاهدة واشنطن الإسبانية الأميركية 1900»، و«المعاهدة البريطانية الأميركية 1930»، أو الدستور الفلبيني ما قبل عام 1997.
ويرى القائم بالأعمال أن بكين هي أكبر ضحية في قضية بحر الصين الجنوبي. وانطلاقا من حفظ السلام والاستقرار في المنطقة، يقول شي هونغ ويي: «ظلت تضبط النفس بقدر كبير على المدى الطويل تجاه الإجراءات والمساعي غير الشرعية من قبل الدول المعنية. فهي لم تستخدم القوة العسكرية لاستعادة الجزر والشعاب البحرية المحتلة، بل سعت دائمًا إلى حل النزاعات عن طريق المفاوضات والمشاورات».
إن جهود الصين حظيت برد إيجابي من دول الآسيان. ففي عام 2002 وقّعت الصين ودول الآسيان، بما في ذلك الفلبين: «إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوب الذي وعدت فيه الأطراف المعنية بالالتزام بحل نزاعات بحر الصين الجنوبي من خلال المشاورات والمفاوضات الودية من قبل الدول المعنية المباشرة ذات السيادة. ومنذ ذلك الحين انخفضت درجة التوتر في بحر الصين الجنوبي، ما يدل على أن التفاوض الثنائي هو الوسيلة الفعالة والوحيدة لتسوية النزاعات».
وحول رفع التحكيم الإلزامي بشكل أحادي يخالف القانون الدولي ولا يساعد على حل النزاع، أوضح القائم بالأعمال أن الصين والفلبين سبق وأن توصلتا إلى رؤية مشتركة واضحة منذ زمن حول حل نزاعات بحر الصين الجنوبي من خلال المشاورات والمفاوضات، الأمر الذي استبعد اللجوء إلى الطرف الثالث على الإطلاق. وكان من المفترض التزام الطرفين بهذا المسار الصحيح، لكنه يعود ليتهم الفلبين بأنها تنكرت لهذا الالتزام وطالبت بما يسمى «التحكيم الدولي» في عام 2013، ويعلق على ذلك بأن تصرف مانيلا يخالف الاتفاق بين الجانبين حول حل النزاعات المعنية بالمشاورات والمفاوضات، والذي تم تأكيده مرات عدة، كما يخالف تعهد الفلبين في «إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي». وإزاء ذلك، من الطبيعي ألا تقبل الصين التحكيم أو تشارك فيه.
ويشير القائم بالأعمال إلى أن بلاده تتخذ هذا الموقف وفق القانون الدولي واستنادا لحقوقها الشرعية. وأنها، بصفتها دولة ذات سيادة ومتعاهدة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تتمتع بحق اختيار طريقها لحل النزاعات وإجراءاته في قضايا الأراضي والسيادة والحقوق البحرية، معتبرا اللجوء إلى التشاور والمفاوضات الثنائية «موقف الصين الدائم لتسوية النزاعات حول سيادة الأراضي والحقوق البحرية»، ويستدل بخبرات بلاده في هذا المجال، قائلا: «كانت هناك مناقشات حول مسألة حدود برية تاريخية بين الصين و14 دولة مجاورة لها، وبفضل الجهود المستمرة لعقود جرت تسوية هذه القضايا بين الصين و12 دولة بشكل سليم من خلال المشاورات والمفاوضات الودية، وكذلك تم رسم الحدود البحرية في الخليج الشمالي بين الصين وفيتنام. وفي الوقت الراهن، وتحت إطار تنفيذ إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي بصورة شاملة وفعالة، فإن الصين تبذل جهودا مشتركة مع الدول المعنية لتعميق التعاون العملي في البحار والدفع بنشاط التشاور بشأن قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...