بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي

القائم بالأعمال في السفارة الصينية لدى السعودية: نتخذ التشاور والتفاوض مسارًا لحل الخلاف

بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي
TT

بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي

بكين تتهم الفلبين بمخالفة الاتفاقيات السابقة في قضية بحر الصين الجنوبي

قال شي هونغ ويي، القائم بالأعمال بالسفارة الصينية في السعودية، إن قضية بحر الصين الجنوبي تتمحور بين الصين والفلبين حول أمرين، الأول: النزاع على الأراضي في الجزر والشعاب البحرية، والثاني: النزاع لرسم الحدود البحرية.
والأول ليس تابعًا لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون البحار، أما الثاني فقد أصدرت الصين عام 2006 بيان الاستثناء لاستبعاد تطبيق إجراءات التحكيم الإلزامي للاتفاقية على رسم الحدود البحرية والقضايا الأخرى ذات الصلة، وفقًا لبند 298 من الاتفاقية المبرمة سابقا بين البلدين.
وأضاف أن أكثر من 30 دولة صرحت ببيان الاستثناء المماثل، كما صرحت ببيان الاستثناء أربع من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن للأمم المتحدة، ما عدا الولايات المتحدة التي لم تنضم إلى الاتفاقية.
وعلى أثره، يقول القائم بالأعمال في رسالة بعثها إلى «الشرق الأوسط» إن عدم إقبال الصين وعدم مشاركتها في التحكيم يعد حقًا لها في الدفاع عن حقوقها والحقوق الشرعية لكل الدول المتعاهدة، خاصة الدول التي صرحت ببيان الاستثناء، مضيفا أن التحكيم الإلزامي لن يحل نزاعات بحر الصين الجنوبي بين الصين والفلبين.
وإذا اتخذت الدول المعنية، بحجة ما يسمى «قرار التحكيم»، المزيد من الأعمال الاستفزازية وانتهاكات الحقوق لتعقيد النزاعات وتوسيعها وزيادة حدتها، فإن الشعب الصيني لن يقبل، وكذلك كثير من دول المنطقة. ويقول القائم بالأعمال: «في عام 2013 أهملت الفلبين رفض الصين القاطع وطلبت من جانبها الأحادي التحكيم الإلزامي للنزاعات الصينية - الفلبينية حول بحر الصين الجنوبي في المحكمة الخاصة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ومنذ ذلك الحين، ازداد توتر قضية بحر الصين الجنوبي ولفت اهتمام المجتمع الدولي إليها».
وقد يسأل الناس خارج المنطقة عن ماهية النزاعات بين الصين والفلبين حول بحر الصين الجنوبي؟ ومن الضروري معرفة وقائع هذه القضية من خلال أسلوب موضوعي ومنطقي.
ويشرح قائلا إن بحر الصين الجنوبي يقع في الجنوب من البر الرئيسي الصيني، وهو منطقة بحرية مهمة تربط المحيطين الهادي والهندي. تنتشر في بحر الصين الجنوبي من شماله إلى جنوبه جزر نانشا وجزر شيشا وجزر دونغشا وجزر تشونغشا، ويشار إليها مجتمعة بـ«جزر بحر الصين الجنوبي».
ويجزم بأن جزر بحر الصين الجنوبي من أراضي الصين منذ القدم. والصين بكونها أقدم دولة من الدول المطلة على البحر، تعدُّ أول من قام باكتشاف هذه الجزر وتسميتها وتطويرها، وفرض السيطرة الفعالة والمستمرة عليها.
ويستدل شي هونغ ويي بالقول: قبل أكثر من ألفي سنة بدأ الشعب الصيني اكتشاف وتطوير بحر الصين الجنوبي، ووجد جزره من خلال الأنشطة المعيشية طويلة المدى. وقبل أكثر من ألف سنة أدرجت الحكومة الصينية هذه الجزر في إطار إدارتها، وقامت الحكومات المتعاقبة بالحكم المستمر لها من خلال إقامة الأجهزة الإدارية والدوريات العسكرية والفعاليات الإنتاجية والتجارية والمساعدات البحرية.. إلخ، وكل هذه الحقائق مسجَّلة بالتفصيل في عدد كبير من الوثائق التاريخية الصينية القديمة. ووُثق أيضًا في السجلات الملاحية التي أُصدرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بما فيها «دليل البحر الصيني» (The China Sea Directory) للبحرية البريطانية، أن الصينيين هم الوحيدون الذين كانوا يمارسون الأنشطة التطويرية والتجارية على جزر بحر الصين الجنوبي.
متابعا أنه أثناء الحرب العالمية الثانية شنَّ الغزاة اليابانيون الحرب العدوانية الشاملة على الصين، واستولوا على جزر شيشا وجزر نانشا في بحر الصين الجنوبي. ونص (إعلان القاهرة) و(إعلان بوتسدام) - في حينه - بوضوح على أنه يجب على اليابان إعادة الأراضي الصينية المحتلة، وتم ذلك بالفعل، واستعادت الصين الجزر وأعلنت إعادة ممارسة سيادتها عليها عبر سلسلة من الإجراءات.
في عام 1948م أعلنت الحكومة الصينية رسميًا الخطوط المتقطعة في بحر الصيني الجنوبي، وأكدت مجددًا سيادتها في البحر وحقوقها ذات الصلة؛ لذا فإن الصين تملك السيادة تجاه جزر بحر الصين الجنوبي واقعيًا وقانونيًا، وبذلك يعود الحق إلى صاحبه الأصيل.
ويتابع القائم بالأعمال: «خلال الفترة الطويلة بعد الحرب العالمية الثانية، كان المجتمع الدولي يعترف بسيادة الصين تجاه جزر ناشا، لكن مع اكتشاف موارد النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، احتلت الفلبين ودول أخرى أكثر من 40 من الجزر والشعاب في بحر الصين الجنوبي بالقوة، مطالبة بالتوسع غير الشرعي لأراضيها، ما أدى إلى حدوث نزاعات حول تبعية بحر الصين الجنوبي. ومع تطوير نظام القوانين البحرية الحديث، ظهرت مشكلة ازدواج الحقوق والمصالح البحرية. وهذان النوعان من النزاعات متداخلان ومعقدان للغاية».
ويتابع شي هونغ ويي بأن الأراضي الفلبينية لا تضم جزر وشعاب نانشا أو جزيرة هوانغيان بحسب الوثائق الرسمية، على حد قوله، سواء معاهدات تحديد أراضيها بما فيها «معاهدة باريس الإسبانية الأميركية 1898»، و«معاهدة واشنطن الإسبانية الأميركية 1900»، و«المعاهدة البريطانية الأميركية 1930»، أو الدستور الفلبيني ما قبل عام 1997.
ويرى القائم بالأعمال أن بكين هي أكبر ضحية في قضية بحر الصين الجنوبي. وانطلاقا من حفظ السلام والاستقرار في المنطقة، يقول شي هونغ ويي: «ظلت تضبط النفس بقدر كبير على المدى الطويل تجاه الإجراءات والمساعي غير الشرعية من قبل الدول المعنية. فهي لم تستخدم القوة العسكرية لاستعادة الجزر والشعاب البحرية المحتلة، بل سعت دائمًا إلى حل النزاعات عن طريق المفاوضات والمشاورات».
إن جهود الصين حظيت برد إيجابي من دول الآسيان. ففي عام 2002 وقّعت الصين ودول الآسيان، بما في ذلك الفلبين: «إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوب الذي وعدت فيه الأطراف المعنية بالالتزام بحل نزاعات بحر الصين الجنوبي من خلال المشاورات والمفاوضات الودية من قبل الدول المعنية المباشرة ذات السيادة. ومنذ ذلك الحين انخفضت درجة التوتر في بحر الصين الجنوبي، ما يدل على أن التفاوض الثنائي هو الوسيلة الفعالة والوحيدة لتسوية النزاعات».
وحول رفع التحكيم الإلزامي بشكل أحادي يخالف القانون الدولي ولا يساعد على حل النزاع، أوضح القائم بالأعمال أن الصين والفلبين سبق وأن توصلتا إلى رؤية مشتركة واضحة منذ زمن حول حل نزاعات بحر الصين الجنوبي من خلال المشاورات والمفاوضات، الأمر الذي استبعد اللجوء إلى الطرف الثالث على الإطلاق. وكان من المفترض التزام الطرفين بهذا المسار الصحيح، لكنه يعود ليتهم الفلبين بأنها تنكرت لهذا الالتزام وطالبت بما يسمى «التحكيم الدولي» في عام 2013، ويعلق على ذلك بأن تصرف مانيلا يخالف الاتفاق بين الجانبين حول حل النزاعات المعنية بالمشاورات والمفاوضات، والذي تم تأكيده مرات عدة، كما يخالف تعهد الفلبين في «إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي». وإزاء ذلك، من الطبيعي ألا تقبل الصين التحكيم أو تشارك فيه.
ويشير القائم بالأعمال إلى أن بلاده تتخذ هذا الموقف وفق القانون الدولي واستنادا لحقوقها الشرعية. وأنها، بصفتها دولة ذات سيادة ومتعاهدة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تتمتع بحق اختيار طريقها لحل النزاعات وإجراءاته في قضايا الأراضي والسيادة والحقوق البحرية، معتبرا اللجوء إلى التشاور والمفاوضات الثنائية «موقف الصين الدائم لتسوية النزاعات حول سيادة الأراضي والحقوق البحرية»، ويستدل بخبرات بلاده في هذا المجال، قائلا: «كانت هناك مناقشات حول مسألة حدود برية تاريخية بين الصين و14 دولة مجاورة لها، وبفضل الجهود المستمرة لعقود جرت تسوية هذه القضايا بين الصين و12 دولة بشكل سليم من خلال المشاورات والمفاوضات الودية، وكذلك تم رسم الحدود البحرية في الخليج الشمالي بين الصين وفيتنام. وفي الوقت الراهن، وتحت إطار تنفيذ إعلان سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي بصورة شاملة وفعالة، فإن الصين تبذل جهودا مشتركة مع الدول المعنية لتعميق التعاون العملي في البحار والدفع بنشاط التشاور بشأن قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي».



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».