المشتبه به في تفجير مطار بروكسل ينفي مشاركته في العملية

أدلّة جديدة تربطه بـ«داعش» .. وأخوه سليمان عبريني قتل في صفوف التنظيم بسوريا

صورة من فيديو كاميرا المراقبة تظهر محمد عبريني في مطار بروكسل قبل الانفجار مرفقة بصورة شخصية له (أ.ف.ب)  -  رجال الشرطة يؤمنون مقرّ محاكمة محمد عبريني في بروكسل في 12 مايو الماضي (أ.ب)
صورة من فيديو كاميرا المراقبة تظهر محمد عبريني في مطار بروكسل قبل الانفجار مرفقة بصورة شخصية له (أ.ف.ب) - رجال الشرطة يؤمنون مقرّ محاكمة محمد عبريني في بروكسل في 12 مايو الماضي (أ.ب)
TT

المشتبه به في تفجير مطار بروكسل ينفي مشاركته في العملية

صورة من فيديو كاميرا المراقبة تظهر محمد عبريني في مطار بروكسل قبل الانفجار مرفقة بصورة شخصية له (أ.ف.ب)  -  رجال الشرطة يؤمنون مقرّ محاكمة محمد عبريني في بروكسل في 12 مايو الماضي (أ.ب)
صورة من فيديو كاميرا المراقبة تظهر محمد عبريني في مطار بروكسل قبل الانفجار مرفقة بصورة شخصية له (أ.ف.ب) - رجال الشرطة يؤمنون مقرّ محاكمة محمد عبريني في بروكسل في 12 مايو الماضي (أ.ب)

تمسك محمد عبريني بأقواله أمام رجال التحقيق في بلجيكا أمس، التي قال فيها إنه لا يستطيع أن «يؤذي ذبابة»، بينما تشير تقارير إعلامية في بروكسل إلى أن السلطات عثرت على وثيقة تثبت مساندته للعمليات الإرهابية التي يقوم بها «داعش» على جهاز حاسوب وجدته
الإعلامية عن أحد رجال التحقيق أن عبريني قال إنه كتب هذه الوثيقة تحت ضغوط من أفراد الخلية الإرهابية. وكان رجال التحقيق قد عثروا على حاسوب في سلة القمامة بالقرب من السكن الذي خرج منه المشتبه في مشاركتهم في تفجيرات مطار بروكسل، وقالت السلطات وقتها إن الحاسوب ملك لأحد منفذي التفجيرات ويدعى إبراهيم البكراوي. ولكن في سلة قمامة أخرى، عثر رجل أمن على حاسوب آخر واكتشفت فيه وثيقة كتبها عبريني تتضمن عبارات تأييد لعمليات «داعش»، بحسب ما ذكرته محطة «بي إم إف» التلفزيونية، نقلاً عن مصادر مقربة من التحقيقات. وأوضحت المصادر نفسها أن حاسوب عبريني تضمن كذلك وثائق تظهر الأسباب التي دفعته إلى مرافقة صلاح عبد السلام إلى باريس ليلة التفجيرات التي وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وكان عبريني قد تمسك أمام رجال التحقيق بأقواله التي حاول من خلالها أن يقلل بقدر الإمكان من حجم مساهمته في العمليات الإرهابية التي ضربت العاصمتين الفرنسية والبلجيكية، وأن المتورطين الوحيدين هم منفذو التفجيرات أنفسهم. وكرّر أكثر من مرة عبارة: «أنا لا أستطيع أن أؤذي ذبابة». وقالت وسائل الإعلام إن الوثيقة التي كتبت بتاريخ 2 فبراير (شباط) الماضي قبل ستة أسابيع من تفجيرات بروكسل، وجاءت في صفحة ونصف الصفحة غير موقعة، ظلت محفوظة في ذاكرة الحاسوب رغم محاولات لحذفها. وتتضمن هذه الوثيقة وفقًا للمصادر «نيات» عبريني، الذي كان رفاقه يصفونه بـ«البطل». وقال في الوثيقة إنه يريد أن يموت «شهيدًا»، وطلب من والدته المغفرة، وقال لها إنه سيلتقي بها هو وشقيقه سليمان في الجنة، حسبما ذكرت قناة «بي إم إف». وكان سليمان شقيق محمد عبريني قد قتل في سوريا في يوليو (تموز) 2014 وكان عمره 20 عامًا، وهو ما دفع محمد إلى التفكير في الانضمام إلى «داعش». وسافر بالفعل في يونيو (حزيران) من العام الماضي إلى تركيا، ولكن لم يتم تأكيد دخوله إلى سوريا. وقالت صحيفة «دورنيور أور» البلجيكية الناطقة بالفرنسية، ووفقًا لمصادر مقربة من التحقيقات، إن عبريني قال إنه قام بإعداد هذه الوثيقة تحت ضغوط، ونفى أن يكون هو مالك الحاسوب الذي عثرت الشرطة فيه على الوثيقة. واستجوب المحققون محمد عبريني بشأن هذا الموضوع، وأوضح أن هذه الوثيقة كانت عبارة عن «نص نموذج» تم نسخه ولصقه ثم تغييره بشكل طفيف، بطلب من أفراد الخلية الإرهابية التي كانت وراء تفجيرات باريس وبروكسل، وفقًا لذات المصدر. وتوجد عديد من الوثائق من نفس النوع.
وفي نفس الإطار، ووفقًا لما تداولته وسائل إعلام محلية في بروكسل عقب اعتقاله، استغرب محاميا محمد عبريني السابقان من تطرفه، ورسما صورة لرجل يزرع المفارقة، فهو «ليس جيدًا ولا سيئًا». وكان عبريني قد اعترف بأنه هو «الرجل صاحب القبعة» البيضاء من مطار زافنتيم، الذي ألقي عليه القبض يوم الجمعة 8 أبريل (نيسان) الماضي بأندرلخت.
وأوضح محامياه السابقان لـ«إذاعة أوروبا واحد» أنهما لا يفهمان كيف تمكن البلجيكي من أصل مغربي والبالغ 31 سنة، من الانتقال من الجرائم الصغيرة إلى الإرهاب. وهو التطرف الذي لم يلحظه محاميا الإرهابي السابقان، إذ قال أحدهما متذكرًا: «حتى أنه كان يصافح النساء». ووصفه المحامي الآخر الذي دافع عنه خلال عدة سنوات بأنه رجل «حقير نوعًا ما. ليس سيئًا، ولكنه ليس جيدًا أيضًا».
وفي الواقع، أظهر السجل الجنائي لعبريني أكثر من عشرين إدانة بتهمة السرقة بالإكراه والهروب. وكانت لديه شخصية متناقضة. ويقول أحد المدافعيْن عنه السابقان إنه كان «أذكى مما يصوّره سجله الجنائي»، وأضاف مازحًا: «ولن أقول أيضًا إنه كان ذكيًا جدًا».
ولم يُثِر قرار عبريني بالتعاون مع المحققين دهشة المحاميين، إذ إنه يسعى لبذل «كل جهوده للخروج من هذه القضية»، مثلما تشهد بذلك آخر إدانة في حقه التي نجا فيها من السجن بحصوله على عقوبة مخففة.
واعتقد القضاة آنذاك أنهم يواجهون رجلاً ناضجًا، مستعدًا للقتال للخروج من الانحراف. ولكن المحققين يشتبهون في كونه استغل هذا الهدوء للتسلل إلى سوريا بعد أربعة أشهر. وقال محمد عبريني إن الهجوم الإرهابي الذي وقع في مطار ومحطة قطار داخلية ببروكسل، كان مخططًا له أن يحدث في فرنسا، وجرى بالفعل تحديد بعض المواقع، ولكن في اللحظات الأخيرة تقرر تعديل الخطة والتنفيذ في بروكسل عقب اعتقال صلاح عبد السلام المطلوب الأمني الأبرز على خلفية تفجيرات باريس في نوفمبر الماضي.
وعقب اعتقال عبريني، ذكرت النيابة البلجيكية أن هدف الخلية الإرهابية المتمركزة في بروكسل كان توجيه ضربة جديدة إلى فرنسا، مؤكدة بذلك معلومات نشرتها وسائل إعلام. وقال بيان مقتضب إن «النيابة الفيدرالية تؤكد أن عناصر عدة في التحقيق أشارت إلى أن هدف المجموعة الإرهابية كان هو ضرب فرنسا مجددًا، وقد باغتها التحقيق الذي يتقدم بخطى كبيرة، لذلك قررت بشكل عاجل ضرب بروكسل».
إلى ذلك، قالت النيابة الفيدرالية البلجيكية إنها وجهت إلى عبريني رسميًا تهمة المشاركة في نشاطات مجموعة إرهابية وعمليات قتل إرهابية ومحاولات قتل إرهابية.
وعلى الرغم من إعلان مكتب التحقيقات البلجيكي أن عبريني اعترف بأنه الشخص الثالث الذي شارك في تفجيرات مطار بروكسل، وأنه ترك سترته في أحد صناديق القمامة وهو في طريق العودة من المطار، كما أنه باع قبعته لأحد الأشخاص، فإن بعض المحققين شككوا في صحّة الاعترافات. وقال الخبير في شؤون الجماعات الراديكالية بيتر فان أوستاين، إنه لا يصدق أن يكون عبريني هو الشخص الثالث في هجوم مطار بروكسل. وأضاف في تصريحات لوكالة الأنباء البلجيكية أنه لا يمكن أن يتصور أن «شخصًا له هذه المكانة في تنظيم داعش، ويشارك في هذا النوع من التفجيرات، يمكن أن يدلي بمثل هذه الاعترافات». وأضاف الخبير البلجيكي: «أعتقد أن هذه الاعترافات قد يكون الغرض منها هو التغطية على عناصر أخرى في الشبكة التي يعمل بها».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».