وفاء آبار: المصممات السعوديات يعتمدن على ثقافتهن وتراثهن الغنيين

أكدت أنه عندما يستعمل صناع المال الموضة وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية تكون النتيجة سامية

وفاء آبار: المصممات السعوديات يعتمدن على ثقافتهن وتراثهن الغنيين
TT

وفاء آبار: المصممات السعوديات يعتمدن على ثقافتهن وتراثهن الغنيين

وفاء آبار: المصممات السعوديات يعتمدن على ثقافتهن وتراثهن الغنيين

في عالم التسوق، توجد معالم نستدل ونستشهد بها، ويمكن أن تبقى عالقة في أذهاننا مدى العمر، لأنها ترتبط إما بأيام الطفولة أو بمناسبة سعيدة مرت علينا في مرحلة الصبا أو الشباب. من هذه المعالم، نذكر محلات «سيلفريدجز» و«هارودز» بلندن، و«لافايت» و«برانتون» بباريس، و«نيمان ماركوس» و«فيفث أفينيو» بنيويورك، وغيرها من المحلات المهمة في باقي عواصم العالم.
مدينة جدة أيضًا تفتخر بـ«رباعياتها»، التي يعود تاريخها لعام 1984 وتضم مئات الماركات العالمية، إلى جانب توفيرها أماكن بارزة لمصممين صاعدين يتوقون لحفر أسمائهم وترسيخ مكانتهم في عالم متغير. لكن وراء هذه الأماكن دائمًا قصصًا كتبها أشخاص ملهمون ومؤثرون في الوقت ذاته، يتمتعون برؤية متميزة وخاصة. فـ«رباعيات» جدة، التي أسسها كل من عبد الله بن زقر وزوجته وفاء ابار، مثلاً، لا تُعنى بمجال الموضة فحسب، بل أيضًا بمجالات ثقافية ومشاريع صحية واجتماعية ونسائية، بحكم أن وفاء ابار، الحائزة على جائزة سيدة أعمال عام 2010، ترى أن توفير آخر صيحات الموضة العالمية للسوق المحلية وحدها لا تكفي من دون دعم الجانبين الإنساني والاجتماعي، وهذا ما يفسر أن نسبة 40 في المائة من العاملين في «رباعيات» من الجنس اللطيف.
ومع ذلك من الخطأ القول إن دافعها هنا عاطفي محض، بقدر ما هو استثمار بعيد المدى. نفس هذا المنطق المبني على بعد نظر، تطبقه من خلال حرصها على منح مصممات صاعدات فرصة لاستعراض قدراتهن وإطلاق العنان لمخيلتهن، ولا شك أن هذا كان واحدًا من بين أهم أهداف تعاونها الأخير مع مجلة «فوغ» النسخة الإيطالية. تعاون أثار كثيرًا من الانتباه إلى جدة كمركز موضة، و«رباعيات» كواحد من أهم المتاجر التي تحتضن أسماء محلية وعربية تستحق تسليط الأضواء عليها، إذ إن لوفاء ابار أيادي بيضاء على كثير من المصممات الشابات العربيات تحديدًا، عندما فتحت لهن أبواب «رباعيات» وهن في بداية الطريق. وأثبتت مع الوقت أن نظرتها ثاقبة وحسها قوي، بدليل أن أغلبهن حققن نجاحات لا يستهان بها على المستويين المحلي والعالمي، مثل ناتالي تراد، وساندرا منصور، وروزان نشارا، وتركي جاد الله، ومديحة الشرقي، وليلى بشارة، ونسيبة حافظ، وأسماء كثيرة أخرى.
تعاونها مع مجلة «فوغ» الإيطالية، يصب في نفس خانة التعريف بمصممات من المنطقة العربية، كما يتزامن مع مرور 36 سنة على تأسيس «رباعيات». تقول وفاء ابار في لقاء خاص أجرته معها «الشرق الأوسط» إن «تجربة (فوغ إيطاليا) تأتي جزءًا من احتفالاتنا بهذه المناسبة، وبمثابة رد جميل لمجتمع ندين له بالفضل في نجاحنا، بتسليط الضوء على مصممات سعوديات موهوبات وإتاحة الفرصة لهن للتعبير عن ابتكاراتهن على مستوى عالمي».
عندما تناهى خبر توسيع «فوغ إيطاليا» خريطة نشاطاتها من دبي إلى جدة أول مرة، أثار كثيرًا من الاهتمام والآمال في الوقت ذاته. فالغرب لا يعرف عن السوق السعودية سوى أنها تعشق الموضة وتُحرك سوقها بشكل يُثلج الصدر، ولم يعرفها إلى الآن منتجة ومُبدعة في مجالها. من جهة أخرى، كانت هذه أيضًا فرصة أمام مصممات شابات لكي يُعرفن بأنفسهن وتصاميمهن من خلال منبر معروف ومُجرب.
وهذا تحديدًا ما كانت ترمي إليه وفاء ابار منذ البداية. فقد انتبهت إلى أن ما تفتقده المصممات السعوديات هو منبر يستعرضن فيه ابتكاراتهن، فوضعت هذا نصب أعينها وكلها أمل على تغيير الوضع وخلق فرص تُمكنهن من بدء مسيرتهن العملية بسلاسة أكبر، انطلاقًا من قناعتها بأن «السعودية تحتضن مصممات قادرات على الابتكار وعلى طرح منتجاتهن بانتظام، وبالتالي فإن كل ما يحتجنه هو تعبيد الطريق أمامهن». وتضيف أن «ما يُحسب لهن أن الجيل الجديد منهن يعتمدن على ثقافتهن ويستوحين من تراثهن السعودي الغني، وهذا ما يجعل تصاميمهن مثيرة».
كسيدة أعمال، تفهم وفاء ابار جيدًا أن نجاح المصمم لا يعتمد على خصوبة الخيال أو القدرة على الابتكار وحدهما، بل أيضًا على الجانب التجاري الذي تعتبره المحرك للاستمرارية. لا تُنكر بأن التوعية بأهمية هذا الجانب قد تستغرق بعض الوقت، إلا «أن السعوديات سريعات التعلم واستيعاب الجوانب المالية»، مستشهدة بقدرتهن على ابتكار فرص التسويق والترويج لأنفسهن. «في عالم اليوم، بادر معظمهن لركوب موجة التكنولوجيا، وأصبحن يُروجن ويبعن ابتكاراتهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مثل إنستغرام، وهذا وحده يؤكد أنهن يُطبقن خطة عمل جيدة ومدروسة»، مشيرة إلى أن «بعضهن بدأن من الصفر وأصبحن مشهورات في العالم العربي، فيما وصلت بعضهن إلى الأسواق العالمية». المشكلة بالنسبة لها لا تكمن في تعلم أساسيات التجارة والتسويق، بل في الحاجة لإدراك أن النجاح المستدام لا يتحقق سوى من خلال الاستثمار على المدى الطويل وليس القريب.
وقد يكون تسرع البعض النجاح ما يُقلق وفاء ابار، رغم إيمانها القوي بقدرات المصممات السعوديات لما «يتمتعن به من خبرة تمكنهن من تلمس احتياجات السوق المحلية ورغبات وأذواق العملاء في المملكة». احتياجات هذا الزبون وتطلعاته تعرفها ابار جيدًا وتركز عليها في «رباعيات» التي تحتضن حاليًا مئات الأسماء العالمية مثل جيورجيو أرماني، ودولتشي أند غابانا، وبريوني، وزينيا، وغوتشي وغيرها، إلى جانب أسماء مصممين شباب مثل أنطونيو براردي، وبيتر بيلوتو، وصوفي هيوم، وطبعًا أسماء محلية منتقاة بعناية. فالتوسعات التي تقوم بها المجموعة باستمرار تستوعب الكل، وإن كانت مدروسة تأخذ بعين الاعتبار اهتمامات المتسوق السعودي بالموضة وبجديدها. فبالإضافة إلى ما توفره له من منتجات لا مثيل لها، تُتحفه أيضًا بالديكورات المبتكرة والتسهيلات التي يتوق إليها، لأن التجربة تؤكد أن كل ما كانت تحتاجه العملية لإرضاء هذا المتسوق واستقطابه هي محلات يشم بين جوانبها رائحة الأناقة، وتدعوه، بديكوارتها وأجوائها، إلى أن يستمتع بالتسوق كتجربة، فتنسيه إلى حد ما، فكرة أن التسوق خارج المملكة ألذ وأكثر متعة وتنوعًا.

* شاركت في فعالية «فوغ إيطاليا» بجدة 10 مصممات هن:
أروى البنوي وأتوليير وبدوية وتشارمالينا ودانة وفيونكة وشركة هال وهيفاء فهد ومشاعل الراجحي ونورة الدامر.. وفازت شادور السعودية لمصممتها نورة الدامر بالمركز الأول علمًا أنها تقيم حاليًا في نيويورك وأطلقت ماركة شادور السعودية في عام 2013



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.