في تحدٍ لـ«داعش».. الظواهري يشجع قيادات «القاعدة» على التوجه إلى سوريا

يسعى إلى استعادة تأثيره بعد الخسائر التي تكبدها تنظيمه في باكستان

صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)
TT

في تحدٍ لـ«داعش».. الظواهري يشجع قيادات «القاعدة» على التوجه إلى سوريا

صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية نشرها موقع «سايت» الأميركي لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عام 2011 (أ.ف.ب)

قالت قيادة تنظيم القاعدة في باكستان التي ضعفت بدرجة كبيرة نتيجة لغارات الطائرات من دون طيار التي شنتها وكالة الاستخبارات الأميركية «سى آي إيه» على مدار عقد كامل، إن مستقبل التنظيم الإرهابي سيكون في سوريا، معلنة إرسالها لمجموعة ضمت نحو عشرة من أفضل مقاتليها إلى هناك سرا، وفق مسؤولين استخباراتيين أميركيين وأوروبيين رفيعي المستوى مختصين في محاربة الإرهاب.
في ذات السياق، أفاد مسؤولون غربيون أن تحركات كبار قادة تنظيم القاعدة تعكس تنامي أهمية سوريا بالنسبة إليهم، والأهم أن ذلك ينبئ بتصاعد وتيرة التنافس المحموم بين «القاعدة» و«داعش».
وتلقى عملاء التنظيم أوامر بالبدء في تأسيس مقرات بديلة في سوريا ووضع الأسس لما يمكن تسميته إمارة من خلال جبهة النصرة التي تعد فرع «القاعدة» في سوريا، وذلك لمنافسة «داعش» التي انشقت جبهة النصرة عنها عام 2013، وسيمثل ذلك تحولا كبيرا لتنظيم القاعدة ولمنتسبيه بعد أن قاوم في السابق فكرة تأسيس إمارة في سوريا أو حتى دولة ذات سيادة قبل أن يستتب لهم الأمر هناك، غير أن كيانا كهذا سوف يشكل تهديدا كبيرا على الولايات المتحدة وأوروبا.
واستمر عملاء «القاعدة» في التنقل داخل وخارج سوريا لسنوات، وأرسل زعيم التنظيم في باكستان، أيمن الظواهري، عددا من كبار المتطرفين لدعم جبهة النصرة في سوريا عام 2013، وبعد ذلك بعام، أرسل الظواهري إحدى خلايا «القاعدة» أطلق عليها اسم «خراسان»، وهي التي قال المسؤولون الأميركيون إنها خططت لشن هجمات ضد الغرب. غير أن إيجاد موطئ قدم دائم في سوريا سيتيح للتنظيم فرصة ثمينة، وفق محللين غربيين، فدولة «القاعدة» في سوريا لن تكون على مقربة من أوروبا فحسب، بل ستستفيد أيضا من الدعم العددي والمادي بانضمام مقاتلين من العراق، وتركيا، والأردن، ولبنان.
وبثَّ الظواهري تصريحا تلفزيونيا في الأول من مايو (أيار) بعد انقطاع استغرق شهورًا، وبدأ كأنه يمهد الطريق أمام «القاعدة» لاستخدام جبهة النصرة لتأسيس إمارة في سوريا بمباركته. غير أن بعض قادة جبهة النصرة يعارضون توقيت هذا التحرك، ولذلك لم يأخذ التحرك شكلا عمليا حتى الآن.
«إن دمج إمارة (القاعدة) وقيادة التنظيم في كيان بشمال سوريا من شأنه أن يعطي دفعة قوية من الثقة للتنظيم عالميا»، وفق مقال لتشارلز ليستر، زميل معهد الشرق الأوسط، بمجلة «فورين بوليسي»، إذ تقدم «القاعدة» نفسها تنظيما منهجيا مثابرا، على النقيض من «داعش» التي تبنت استراتيجية أكثر انحيازا للمسلمين السنة، بحسب ليستر.
وأفاد ليستر وغيره من المختصين أن تنظيمي القاعدة وداعش يتبنيان الهدف نفسه، وهو تأسيس دولة إسلامية، لكن كل منهم استخدم أسلوبا مختلفا. فـ«داعش» تحرك بسرعة لفرض سيطرته الفظة بشكل فردي على العراق وسوريا لإعلان دولته المستقلة، في حين اجتهدت جبهة النصرة في بسط نفوذها على المناطق التي تسعى إلى السيطرة عليها وذلك مع غيرها من الجماعات السورية المتطرفة.
وقال مسؤولون أميركيون إن «داعش» استطاع وبسرعة أن يتفوق على «القاعدة» في منظومة الإرهاب العالمي بعد أن أخذت الأخيرة في النزيف بعد انشقاق منتسبيها الذين انضموا لخصمها الأكثر وحشية والأذكى في التعامل مع الإعلام. فقد قتل الكثير من عملاء جماعة «خرسان»، منهم القائد محسن فضلي، نتيجة للضربات الجوية الثمانية التي شنتها الولايات المتحدة شمال غربي سوريا منذ سبتمبر (أيلول) 2014.
وبحسب تقديرات وكالات الاستخبارات الأميركية، يمتلك تنظيم داعش ما بين 19 ألف إلى 25 ألف مقاتل موزعين بين العراق وسوريا، في حين تمتلك جبهة النصرة ما بين 5 آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل جميعهم في سوريا. وسيختلف شكل إمارة «القاعدة» المرتقبة عن دولة الخلافة التي تتبناها «داعش» فيما يخص طموحات كل منهما؛ إذ إن جبهة النصرة لا تتطلع لتأسيس حكومة لجميع مسلمي العالم.
وأفاد بعض كبار مسؤولي إنفاذ القانون الأميركيين والأوروبيين بأن التحركات صغيرة الحجم بالغة الأهمية لكبار عملاء «القاعدة» باتجاه سوريا تعد تحركا متهورا لمرفأ يقع وسط الفوضى التي عمت البلاد، وأضاف المسؤولون أن عملاء «القاعدة» في سوريا يعملون بعزيمة قوية لكنهم تحت السيطرة.
وأفاد الكولونيل ستيف وارين، المتحدث العسكري للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا، بأنهم «يسقطون بوتيرة ثابتة». وعلى الرغم من ذلك، فإن وجود عدد من قادة «القاعدة» البارزين في سوريا يدق أجراس الخطر في واشنطن وغيرها من العواصم الأوروبية الحليفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وصرح جون برينن، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، الشهر الحالي لقناة «إن. بي. سي» قائلا: «لقد دمرنا جزءا كبيرا من القاعدة»، مضيفا: «لم نقض على التنظيم بالكامل، ولذلك علينا الانتباه لما يستطيع أن يفعله».
وجاء هذا التقييم المتغير بشأن «القاعدة» وجبهة النصرة في سوريا بعد مقابلات مع ما يقرب من عشرة من مسؤولي مكافحة الإرهاب والاستخبارات ومحللين مستقلين أميركيين وأوروبيين، اطّلع معظمهم على معلومات سرية جرى استخلاصها عن طريق التجسس والتنصت الإلكتروني. كما قاموا بتحليل تصريحات عامة وتعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي بين أعضاء «القاعدة» وجبهة النصرة.
ومن العملاء الذين يركز عليهم مسؤولو الاستخبارات الغربيون سيف العدل، وهو قيادي كبير بالهيئة الحاكمة لـ«القاعدة» المعروفة بمجلس الشورى، الذي أشرف على المنظمة مباشرة بعد مقتل أسامة بن لادن على أيدي القوات الخاصة الأميركية في باكستان عام 2011، وليس واضحا ما إذا كان العدل موجودا في سوريا أو شمال أفريقيا أو أي مكان آخر، بحسب مسؤولي الاستخبارات الأميركيين.
وأخلت حكومة إيران سبيل العدل وأربعة أعضاء كبار بـ«القاعدة» مطلع العام المنصرم ضمن صفقة سرية لتبادل السجناء مع فرع «القاعدة» في اليمن، وهي الجماعة التي تحتجز الدبلوماسي الهندي، نور أحمد نيكباخت.
والعدل، وهو عقيد سابق بالجيش المصري في الخمسينات من العمر، مدرج على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» كأحد أهم المطلوبين الإرهابيين، وأدين في تفجيرات السفارة الأميركية في شرق أفريقيا في 1998، وترصد الولايات المتحدة مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يرشد عنه.
وقال مايكل سميث، من شركة «كرونوس» الاستشارية، المتخصصة في أبحاث وتحليلات الإرهاب: «يمكن أن يكون العدل، بوصفه مستشارا كبيرا لشبكات (القاعدة) في سوريا والمناطق القريبة منها، ذا فائدة استثنائية في المساعدة في تحديد الاستراتيجيات التي من شأنها مساعدة الجماعة على تحقيق نجاحات تبث الثقة».
أما الرجال الأربعة الآخرون الذين أطلقت إيران سراحهم، فيشتبه أيضا بوجودهم في سوريا. وهم عبد الخير المصري، وهو مصري كان يقود مجلس العلاقات الخارجي لـ«لقاعدة»، وأبو القاسم الأردني الذي كان مساعدا لأبو مصعب الزرقاوي، مؤسس التنظيم الذي أصبح يعرف بـ«داعش» فيما بعد، وساري شيباب، وهو عميل أردني، وأبو محمد المصري، وهو مصري ساعد في التخطيط لهجمات «القاعدة» الكبرى قبل 11 سبتمبر (أيلول) 2001، على حد قول مسؤولين أميركيين مطلعين على تفاصيل عملية النقل. وقد اتفقوا على الحديث بشأن هذه المسألة شريطة عدم ذكر أسمائهم للطبيعة السرية للقضية.
ومن غير الواضح كيف ومتى يمكن لـ«القاعدة» أن تؤسس إمارة في سوريا، كما ستزيد موقفها تشددا تجاه جماعات المعارضة الأكثر اعتدالا في البلاد، وتأسست جبهة النصرة في 2012، كفرع لتنظيم القاعدة في العراق. غير أنه في عام 2013، رفضت جبهة النصرة الانضمام إلى البغدادي عندما أعلن تأسيس «داعش»، وأعلنت بدلا من ذلك مبايعة الظواهري في باكستان، وأشعل هذا خصومة دموية في كثير من الأحيان بين مقاتلي «النصرة» و«داعش» في سوريا.
وتسعى القيادة العليا لـ«القاعدة» الآن إلى تعويض خسائرها في باكستان، وشن عملية انقلاب تتعلق بالبروباغندا بتأسيس إمارة رسمية في سوريا، ومع هذا يؤيد فصيل داخل قيادة جبهة النصرة استمرار استراتيجية الجماعة الأكثر براغماتية، التي تعمل على كسب التأييد المحلي.
وقال ليستر في مقابلة: «إن الخلاف الأساسي هو حول المدى الذي ينبغي الاستمرار فيه بشأن استراتيجية (القاعدة) على المدى الطويل، قبل كشف المزيد والمزيد من وجه (النصرة) الحقيقي، وتعزيز السيطرة على الأرض من خلال تأسيس إمارة».
وترفض كثير من فصائل المعارضة السورية التي تقاتل إلى جانب «النصرة» فكرة تأسيس إمارة، وتخشى من أن تفاقم من الانقسام في صفوف المعارضة في مواجهة رئيس النظام السوري بشار الأسد.
وبهذا الصدد، قال فراس أبي علي، وهو محلل رئيسي بمجموعة «آي إتش إس كاونتري ريسك» في لندن: «من وجهة نظر (القاعدة) الدينية، ينبغي أن يحدث إعلان دولة أو إمارة فقط في سياق يكون من الممكن أن تحكم فيه بفاعلية. سيكون من المثير للسخرية لو أعلنت (القاعدة) تأسيس إمارة، بينما هناك خلافة ترفضها».

*خدمة «نيويورك تايمز»



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.