فؤاد الخطيب.. شاعر النهضة العربية

زاوج بين القديم المتوارث والجديد المبتكر وكتب الرواية الشعرية

فؤاد الخطيب.. شاعر النهضة العربية
TT

فؤاد الخطيب.. شاعر النهضة العربية

فؤاد الخطيب.. شاعر النهضة العربية

يُعد الشيخ فؤاد الخطيب الذي رحل عن الدنيا منذ 58 عاما رائدا من رواد الشعر العربي في العصر الحديث، فقد نهض بالشعر من التقليدية الموغلة في القيود الثقيلة من حيث الأساليب إلى آفاق رحبة من التجديد المنضبط في المضامين والصور، كما يعد فارسا من فرسان اللغة، وأصبح في الصف الأول من شعراء الإحياء في العصر الحديث، وقد تأثر بالشعراء الفحول في عصور الشعر العربي المزدهرة، كما تأثر بشعراء مدرسة الإحياء كالبارودي وشوقي وحافظ إبراهيم، وقد زاوج في شعره بين القديم المتوارث والجديد المبتكر مما يمكن أن يوصف بـ{شاعر المحافظة والتجديد معا}.
كتب الخطيب المسرحية الشعرية، كما في رواية {فتح الأندلس} التي تعد راوية شعرية تمثيلية وطبعت في دمشق عام 1930 قبل الحرب العالمية الثانية.
وضمن اهتمامها بحفظ كتب ودواوين الريادة في الأدب العربي الحديث أنجزت {المجلة العربية} طباعة ديوان الشاعر لما يشكله من أهمية أدبية وتاريخية، كون الديوان لم يطبع إلا طبعة يتيمة عام 1959 وقد نفذت من المكتبات وأصبح الحصول عليها مستحيلا.
واعتبر الدكتور ظافر بن عبد الله الشهري في تقديمه للديوان في طبعته الثانية أن «صاحب الديوان الشاعر الشيخ فؤاد الخطيب، هو شاعر العرب الكبير كما لقبه صديقه الأديب محمد سرور الصبان» لافتا إلى أن «قيمة الديوان تظهر في كونه سجلا لكثير من الأحداث السياسية الرئيسة التي عاصرها، كما أنه مزيج بين الوصف والحكمة والحديث عن المملكة العربية السعودية. في ظل قادتها الذين عاصرهم، كما أن من المواضيع البارزة في شعره حضور قضية فلسطين التي كانت هاجسه كشاعر عربي يشعر بمأساة الشعب والأرض معا، بالإضافة إلى تسجيل كثير من الأحداث السياسية التي عصفت بالوطن العربي بعد سقوط الخلافة العثمانية}.
وغطى الديوان الذي زادت صفحاته عن 600 صفحة مواضيع، في الوصف والحكمة، وفي الجزيرة وأبطالها، وفي سبيل فلسطين، وفي صدى الثورات العربية، وفي المجتمع وشؤونه، وفي الشكوى والعتاب، وفي الغزل واللهو، وفي المراثي بالإضافة إلى قطع من القصائد (وهو من الشعر ما كان من سبعة أو عشرة أبيات فما دون).
ويقول رياض الخطيب نجل الشاعر الراحل إن الديوان يمثل شعره كله، اللهم إلا قصائد قليلة لا تزال مفقودة، وكذلك رواية «فتح الأندلس}، وهي رواية شعرية تمثيلية طبعت في دمشق عام 1930 ومثلت في دمشق والقاهرة والقدس وعمان قبل الحرب العالمية الثانية مرات عدة، وهذا الشعر هو ثمرة خمسة وسبعين عاما قضاها المؤلف سجل خلالها آمال العرب وآلامهم، وكل الأحداث السياسية الرئيسة التي مرت بالأمة العربية خلال حياته فكانت سجلا حافلا لنصف قرن من الزمان كتب بشعر عربي جزل الأسلوب، بليغ العبارة، فصيح اللفظ.
وللخطيب - غير هذا الديوان - مؤلفات أخرى قليلة بعضها طبع في مستهل حياته وإبان اشتغاله بالتدريس ومخطوط واحد لم يطبع بعد سماه {نظرات في تاريخ الجاهلية وآدابها}، كما ألف كتابا عن قواعد اللغة العربية وطبعه في مدينة يافا بفلسطين أيام كان يدّرس اللغة العربية في الكلية الأرثوذكسية فيها، وكذلك ألف كتابين طبعهما في الخرطوم عاصمة السودان أيام أن كان يدّرس اللغة العربية في كلية {غوردون} فيها:
الأول: عن جغرافية بلاد العرب، والثاني، عن تاريخ الأدب العربي في شكل محاضرات متسلسلة.
وقد ألقى أثناء حياته عدة خطب ومحاضرات في الندوات الأدبية والمجامع العلمية، نشرت كلها في المجلات والجرائد إلى جانب كثير من المقالات التي نشرتها له تلك الجرائد والمجلات الأدبية. هذا بالإضافة إلى الكثير من الرسائل التي كان يتبادلها بصورة دائمة مع أصدقائه الأدنين أمثال: الشيخ محمد سرور الصبان والشيخ الطيب الساسي في الوطن السعودي ومع أديب دمشق وشاعرها الكبير خليل مردم بك ومع علامة دمشق ومؤرخها الشيخ عبد القادر المغربي في سوريا ومع الأديبين اللبنانيين إبراهيم حرب والصحافي النابه محمد العنان.
وهذه الرسائل والمقالات والمحاضرات، بالإضافة إلى ما ذكرته عنه كتب التاريخ والأدب كسياسي وشاعر وأديب وما نشر عنه في مراث شعرية ونثرية تصلح موضوعا لدراسة أدبية تكتب عنه أو كتاب يؤلف عن سيرته وشعره وأدبه.
أما مذكراته فموضوع كبير آخر، ولكنه يحتاج إلى مجهود جبار لإخراجه في صورة مذكرات مطبوعة إذ كتبت بشكل يوميات في مفكرات كثيرة فقد بعضها بحيث قطع تسلسلها في أماكن عدة وتحتاج إلى الكثير من الجمع والتنسيق والتبويب مع الشروح اللازمة وهي تظهر الكثير من الخفايا السياسية التي عاصرها وأتيح له بحكم مركزه الاطلاع عليها.
ولد الشيخ فؤاد الخطيب عام 1880 في قرية شحيم من أعمال جبل لبنان، وكان والده الشيخ حسن الخطيب رئيسا لمحكمة جبل لبنان، وهو ينتمي إلى أسرة {الخطيب} المعروفة في الجبل وكان لها مركز ديني مرموق أيام الخلافة العثمانية، فمن هذه العائلة كان قضاة المسلمين في جبل لبنان دائما، تلقى علومه الابتدائية في مدرسة طانيوس سعد بالشويفات وأتم دراسته الثانوية في كلية سوق الغرب ومنها انتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت حيث اشتهر فيها كشاعر ورياضي وكان من زملائه في الجامعة الدكاترة فيلب حتي وبندلي الجوزي وأنيس المقدسي.
وبعد أن أتم دراسته فيها عام 1904 بدأ نشاطه مشتركا في الجمعيات العربية السرية التي كانت تطالب الأتراك بإعطاء العرب حقهم في الحرية والاستقلال وحفظ كيانهم القومي ولغتهم العربية ومقاومة سياسية {التتريك} التي انتهجها حزب {تركيا الفتاة} وشكل مع السيد حقي العظم وكثيرين من أحرار العرب الناهضين يومذاك {حزب الاتحاد اللامركزي} وصار ينشر القصائد الوطنية الحماسية مستنهضا العرب لإحياء ماضيهم العريق والتمسك بلغة القرآن. ثم انتقل إلى مدينة يافا لتدريس اللغة العربية في الكلية الأرثوذكسية فيها، متابعا في الوقت نفسه رسالته الوطنية ولما بدأ التنكيل بأحرار العرب وحكم المجلس العرفي في مدينة {عالية} بلبنان عليه بالإعدام بأمر جمال باشا {السفاح} فر إلى مصر يتابع فيها جهوده ونشر قصائده ومقالاته. وفي هذه الفترة التي ابتدأت عام 1908 توطدت علاقاته بكبار شعراء العرب في القاهرة حينذاك أمثال إسماعيل صبري وأحمد شوقي وخليل مطران ولا سيما حافظ إبراهيم حيث قضيا سنتين يقطنان منزلا واحدا. وفي هذه الفترة أيضا طبع الجزء الأول من هذا الديوان كما مرّ، وجله قصائد قومية وحث لأمته على متابعة قضيتها الوطنية، حتى سافر إلى السودان واضطر - كما ذكر في الاعتذار الوارد في آخر الجزء الأول من الديوان - إلى اختصاره فجاء صغيرا مقتضبا بسبب سفره إلى الخرطوم مدرسا للغة العربية في كلية {غوردون} فيها حيث توطدت علاقته بكبار رجالاتها يومذاك السادة المهدي والميرغني ويوسف الهندي ومن تلاميذه فيها إسماعيل الأزهري رئيس وزراء السودان وعبيد عبد النور رئيس رابطة الخريجين فيها وكثيرون غيرهم.
ومن السودان انتقل إلى الحجاز حيث اتصل بالشريف حسين بن علي وعمل رئيسا لتحرير جريدة {القبلة} وهي الجريدة الرسمية للحجاز ثم عين وكيلا لوزارة الخارجية في حكومة {النهضة} 1916 حين أعلن الشريف حسين الثورة على الأتراك فوزيرا للخارجية، وكان يلهب الشعور القومي والحماسة الوطنية في النفوس بشعره وخطبه حتى لقب بـ{شاعر الثورة العربية} و{شاعر العرب} فهو من هذه الناحية رائد من رواد القومية العربية الأول وفي الرعيل الأول من مجاهديها وشعرائها الداعين إلى النهوض القومي والانبعاث الوطني.
وفي تلك الفترة من شبابه في الحجاز نظم أروع شعره القومي والسياسي وألف مع الشيخ محمد سرور الصبان وعمر عرب مدرسة للشعر الحماسي والقومي لم تقتصر على الحجاز بل انتشرت قصائدها في سائر الأقطار العربية. ومن ذلك الحين توطدت بينه وبين الشيخ محمد سرور الصبان الصداقة المتينة لم ينصرم لها حبل أو تنقطع آصرة منها حتى أدركته الوفاة وكانت الرسائل بينهما متصلة.
وكان بعد تأليف الحكومة العربية الهاشمية بدمشق برئاسة الملك فيصل الأول، معتمدا للحكومة الحجازية فيها حيث عاد بعد معركة ميسلون المشؤومة إلى مكة وزيرا للخارجية.
ولما استعاد الملك عبد العزيز آل سعود الحجاز ووحد البلاد انتقل إلى إمارة شرق الأردن مستشارا للأمير عبد الله عام 1926 ثم استقال من وظيفته تلك لخلاف في الرأي بينهما أواخر عام 1939 بعد نشوب الحرب العالمية الثانية واستقر في لبنان في {برج البراجنة} قرب بيروت معتزلا الحياة السياسية مخلدا إلى فترة من الراحة في زمن يسوده القلق منصرفا عما حوله إلى الشعر والأدب والدراسة حتى استدعاه الملك عبد العزيز عام 1945 إلى الرياض فمكث عنده مستشارا ثم انتقل إلى كابل وزيرا مفوضا للملك في أفغانستان فسفيرا فيها. وأمضى بها عشر سنوات حتى توفي 1957 إثر سكتة قلبية مفاجئة ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه {شحيم لبنان} حيث دفن فيها.
وحملت سيرته الذاتية أن الشاعر الراحل كان عصبي المزاج مرهف الحس سريع التأثر، مملوءا بالحيوية والنشاط وسريع البديهة حاضر النكتة، ومحدثا لبقا حلو الإلقاء إذا سمعته يتكلم لم ترغب في ترك مجلسه لطلاوة حديثه وسعة اطلاعه وغزارة معلوماته. وكان كثير القراءة دائب المطالعة بل إن المطالعة كانت هوايته الوحيدة في الحياة فإذا لم يكن ينظم أو يكتب أو يؤلف فهو يقرأ ويطالع ولذا فقد كان واسع الثقافة غزير الاطلاع في العلوم الطبيعية وخاصة علم الفلك وإنك لتلمح ذلك في ثنايا شعره وبين أبيات قصائده، كما أنه كان واسع الاطلاع في الآداب الأوروبية عامة. وكان يحفظ الكثير من قصائد شكسبير {sonnets} وكان عظيم الإعجاب به وبشاعر الإغريق هومر، وقد طعم الشعر العربي بكثير من المعاني المقتبسة من الآداب الأجنبية فكان يضع الفكرة المبتكرة القيمة في أسلوب جزل وعبارة بليغة وكلمات فصيحة بحيث ترى الأسلوب والمعنى يسيران جنبا إلى جنب من حيث المتانة والقوة والجزالة، كما أن أسلوبه النثري كان قوي العبارة متين الأسلوب فكان كاتبا فحلا كما كان شاعرا فحلا ويتجلى ذلك خاصة في مخطوطه الذي لم يطبع بعد وعنوانه {نظرات في تاريخ الجاهلية وآدابها}.



لازاريني لـ«الشرق الأوسط»: تجاهل مليوني شخص في غزة يزرع أجيال غضب جديدة

عبّر لازاريني عن خشيته أن يكون التضامن والرحمة قد تراجعا بوصفهما المحرّك الأساسي للاستجابة الدولية (تصوير: تركي العقيلي)
عبّر لازاريني عن خشيته أن يكون التضامن والرحمة قد تراجعا بوصفهما المحرّك الأساسي للاستجابة الدولية (تصوير: تركي العقيلي)
TT

لازاريني لـ«الشرق الأوسط»: تجاهل مليوني شخص في غزة يزرع أجيال غضب جديدة

عبّر لازاريني عن خشيته أن يكون التضامن والرحمة قد تراجعا بوصفهما المحرّك الأساسي للاستجابة الدولية (تصوير: تركي العقيلي)
عبّر لازاريني عن خشيته أن يكون التضامن والرحمة قد تراجعا بوصفهما المحرّك الأساسي للاستجابة الدولية (تصوير: تركي العقيلي)

فيما يستعد فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لمغادرة منصبه الشهر المقبل، أكد أن مستقبل «الأونروا» «لا يجب أن يظل رهناً بانتظار الحل السياسي إلى ما لا نهاية»، داعياً إلى التفكير في انتقال تدريجي لآلية تقديم الخدمات، بما يسمح ببناء مؤسسات فلسطينية قادرة على الاضطلاع بهذه المهام مستقبلاً.

وحذّر لازاريني، في حوار موسّع مع «الشرق الأوسط»، من أن تجاهل نحو مليوني شخص في غزة، نصفهم من الأطفال، يعيشون حالة صدمة عميقة في ظل غياب أي أفق واضح، «يعني زرع بذور أجيال جديدة من الغضب».

أطفال فلسطينيون نازحون بجوار الخيام في مخيم بمدينة غزة (رويترز)

وأكد المفوض العام أن التعاون بين الوكالة والمملكة العربية السعودية «قوي وصادق على مختلف المستويات، لا سيما المالي والسياسي»، مشيراً إلى ما وصفه بعمق الانخراط السياسي للرياض، والمبادرات التي طرحتها، وفي مقدمها الدفع باتجاه «حل الدولتين»، إلى جانب إشراك الوكالة في النقاشات المتعلقة بمستقبل المؤسسات الفلسطينية.

ولفت فيليب لازاريني إلى «حرب صامتة» أخرى تدور في الضفة الغربية المحتلة، معتبراً أن ما جرى خلال العامين الماضيين «يكاد يرقى إلى ضم فعلي للضفة».

وفي سياق حديثه عن مستقبل الوكالة، رأى لازاريني أن «الأونروا» لا ينبغي أن تستمر إلى ما لا نهاية بالآلية ذاتها، داعياً إلى التفكير في «انتقال تدريجي في تقديم الخدمات، بما يتيح بناء مؤسسات فلسطينية قادرة على تولي هذه المسؤوليات مستقبلاً».

علاقة عميقة مع السعودية

وقال لازاريني إن «الأونروا» تتمتع اليوم بـ«تعاون قوي» مع المملكة العربية السعودية، سياسياً ومالياً، مشيراً إلى أن الرياض منخرطة بعمق في المسار السياسي، وتعمل مع الاتحاد الأوروبي ضمن «التحالف العالمي لحل الدولتين»، حيث أُدرجت الوكالة في هذه النقاشات الأوسع.

أوضح لازاريني أن التعاون مع السعودية قوي وصادق مالياً وسياسياً (واس)

وأوضح أنه كان يرى دائماً أن ضمان الوصول المستدام إلى الخدمات الأساسية التي تقدمها الوكالة ينبغي أن يتم ضمن إطار سياسي واضح، لافتاً إلى أن السعودية، إلى جانب أطراف أخرى في التحالف، أسهمت في توفير هذا الإطار، وعبّرت عن دعم سياسي قوي للوكالة في ظل ظروف وصفها بالصعبة.

وأضاف أنه تأثر بعمق الانخراط السياسي للمملكة وبالمبادرات التي طُرحت في إطار «التحالف العالمي»، مؤكداً أن دعوة وكالة ذات طابع إنساني تنموي مثل «الأونروا» للمشاركة في مناقشة مستقبل المؤسسات الفلسطينية «تعكس صدق الشراكة وجديتها».

أزمة مالية... وحرب صامتة

أوضح لازاريني أن «الأونروا» تعيش أزمة تمويل مزمنة، مبيناً أنه وبعد عام كامل من إجراءات التقشف، اضطر قبل أسابيع إلى تقليص نطاق الخدمات بنحو 20 في المائة، سواء في قطاع الصحة أو التعليم، وهو ما انعكس مباشرة على السكان المستفيدين، على حد تعبيره.

وعلى مستوى آخر، قال المفوض العام إن الضفة الغربية بدت، في ظل طغيان مشهد الحرب في غزة، وكأنها خارج دائرة الضوء، «لكن ما جرى هناك كان حرباً صامتة بكل معنى الكلمة». وأضاف أن ما شهدته الضفة خلال العامين الماضيين «يبدو أقرب إلى ضمّ فعلي للأراضي المحتلة».

فلسطينية بصحبة أطفال تمر قرب قوات الاحتلال الإسرائيلية التي اقتحمت حي كفر عقب قرب رام الله في الضفة الغربية الشهر الماضي (أ.ف.ب)

وأشار إلى تسارع وتيرة الاستيطان، وتصاعد عنف المستوطنين «من دون مساءلة تُذكر»، إلى جانب تنفيذ عمليات أمنية واسعة، لا سيما في شمال الضفة، في جنين وطولكرم، أسفرت عن إفراغ مخيمات وتهجير أعداد كبيرة من السكان، لافتاً إلى أن إجراءات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية أخيراً من شأنها، برأيه، تسريع هذه الاتجاهات وتعميقها.

غزة... معاناة لا تُحتمل

ووصف لازاريني ما جرى في قطاع غزة بأنه «أمر يفوق الوصف»، مشيراً إلى أن حجم المعاناة التي تحمّلها السكان «لا يُحتمل». وقال إن غزة التي كانت تُوصف أصلاً بأنها «سجن مفتوح»، تحوّلت خلال أكثر من عامين من الحرب المتواصلة إلى مشهد يومي من الفظائع، ارتُكبت «على مرأى العالم تقريباً، على مدار الساعة».

وأضاف أن «ما بين 80 و90 في المائة من القطاع قد دُمّر، ليتحوّل إلى بيئة (ما بعد كارثية)، فيما يعيش السكان حالة تنقّل دائم، في ظل سقوط أكثر من 70 ألف قتيل وفق تقديرات محافظة، من دون احتساب المفقودين تحت الأنقاض». وتحدّث عن تجويع ممنهج نجم عن قرارات سياسية، ومحاولات لجعل الحياة في القطاع غير قابلة للاستمرار، بما يدفع السكان إلى المغادرة.

حذّر مفوض الأونروا من «حرب صامتة» أخرى تدور في الضفة الغربية المحتلة (تصوير: تركي العقيلي)

وحسب لازاريني فإن أكثر من 380 من موظفي «الأونروا» قُتلوا، فيما تعرّض بعضهم للاعتقال والتعذيب، واستُهدفت مقار الوكالة، في ظل ما وصفه بانتهاكات صارخة للقانون الدولي من دون مساءلة، الأمر الذي عزّز، حسب تعبيره، مناخ الإفلات من العقاب.

استهداف دبلوماسي وسياسي

لازاريني أشار كذلك إلى أنه تعرّض لـ«استهداف سياسي ودبلوماسي» خلال فترة ولايته، موضحاً أن الأمر لم يكن جسدياً، بل جاء مرتبطاً بطبيعة موقعه ودور الوكالة. مبيناً أنه أُعلن «شخصاً غير مرغوب فيه» في غزة عقب أول زيارة له، ولم يُسمح له بالعودة، كما صدرت توجيهات بعدم التواصل معه.

وقال إن الاستهداف «لم يكن موجهاً لشخصي بقدر ما كان موجهاً لوظيفتي ولرمزية (الأونروا)»، لافتاً إلى أن بعض المسؤولين الإسرائيليين أعلنوا صراحة أن هدفهم إنهاء دور الوكالة، باعتبارها، من وجهة نظرهم، تُبقي قضية اللاجئين قائمة.

وأضاف أن استمرار «الأونروا» طوال 75 عاماً «لا يعكس سبب المشكلة، بل يعبّر عن فشل المجتمع الدولي في التوصل إلى حل سياسي دائم وعادل».

مسار حل الدولتين

وشدّد المفوض العام على أن مسار حل الدولتين يظل «خياراً أساسياً»، لكنه حذّر من أن التطورات المتسارعة في غزة والضفة الغربية «تُبعدنا أكثر كل يوم عن أي أفق سياسي جاد». واعتبر أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر كان ينبغي أن يشكّل «جرس إنذار للجميع»، مؤكداً أنه «لا يمكن ترك هذا الصراع من دون حل».

وأشار إلى أن نحو مليوني شخص في غزة، نصفهم من الأطفال، يعيشون حالة صدمة عميقة في ظل غياب أي أفق واضح، محذّراً من أن تجاهل هذه المعطيات «يعني زرع بذور الغضب لدى أجيال جديدة»، بما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل الاستقرار في المنطقة.

أكثر من 380 من موظفي «الأونروا» قُتلوا في غزة حسب المفوض العام (تصوير: تركي العقيلي)

الدروس المستفادة

وعبّر لازاريني عن خشيته من أن يكون التضامن والرحمة قد تراجعا عن موقعهما بوصفهما المحرّكين الأساسيين للاستجابة الدولية، مشيراً إلى أنه لمس في غزة والسودان «قدراً كبيراً من اللامبالاة» إزاء مآسٍ إنسانية واسعة النطاق.

ومع ذلك، شدّد على أن الدرس الأهم يتمثل في عدم التخلي عن القيم الإنسانية، مهما بدا الظرف قاتماً، محذّراً من أن البديل سيكون عالماً بلا معايير أو ضوابط، «تسوده شريعة الغاب بدل القانون الدولي».

مستقبل «الأونروا»

ورأى المفوض العام أن الوكالة لا ينبغي أن تستمر إلى ما لا نهاية بصيغتها الحالية، داعياً إلى التفكير في انتقال تدريجي لآلية تقديم الخدمات، بما يسمح ببناء مؤسسات فلسطينية قادرة على الاضطلاع بهذه المهام مستقبلاً.

يؤكد المفوض العام أن مستقبل «الأونروا» لا يجب أن يظل رهناً بانتظار الحل السياسي (الأونروا)

وأكد أن «الأونروا» مطالبة بالبقاء حارسة لملف اللاجئين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم، غير أن استمرار تقديم الخدمات بالصيغة ذاتها «لا يجب أن يظل رهناً بانتظار الحل السياسي إلى ما لا نهاية»، في إشارة إلى ضرورة الفصل بين البعد السياسي للقضية وآليات الاستجابة الخدمية على المدى الطويل.


ريال مدريد يستعد لمواجهة سوسيداد وبنفيكا في فترة حاسمة من الموسم

ريال مدريد (رويترز)
ريال مدريد (رويترز)
TT

ريال مدريد يستعد لمواجهة سوسيداد وبنفيكا في فترة حاسمة من الموسم

ريال مدريد (رويترز)
ريال مدريد (رويترز)

يستعدّ ريال مدريد لفترة حاسمة قد تُحدد ملامح موسمه، بداية بمواجهة ريال سوسيداد المتألق، بعد غد السبت؛ على أمل مواصلة الضغط على برشلونة، متصدر دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم.

وبفضل 7 انتصارات متتالية في «الدوري»، قلّص ريال مدريد الفارق الذي يفصله عن برشلونة المتصدر إلى نقطة واحدة، في سباق محتدم على اللقب. ومع ذلك، لا يزال القلق يخيم على ملعب سانتياجو برنابيو. وتراجعت ثقة الفريق على أثر إقالة المدرب تشابي ألونسو، والخسارة أمام ألباسيتي، المنافس في الدرجة الثانية، في دور الـ16 بكأس ملك إسبانيا، الشهر الماضي. وساءت الأمور بخسارته 4-2 أمام بنفيكا، في ختام الدور الأول بدوري أبطال أوروبا، ليخفق ريال في التأهل مباشرة إلى دور الستة عشر.

وبعد أن أمضى ريال مدريد معظم فترات الدور الأول من المسابقة القارية ضِمن المراكز الخمسة الأولى، بدا كأنه في طريقه لدور الستة عشر مباشرة حتى الوقت بدل الضائع. ورغم تقدمه 3-2 كان بنفيكا على شفا الخروج من المسابقة، إلى أن تقدم الحارس أناتولي تروبين ليسجل هدفاً برأسه في الدقيقة الثامنة من الوقت المحتسب بدل الضائع، ليحجز الفريق البرتغالي مقعده في الدور الفاصل بفارق الأهداف.

وأسفرت قرعة الدور الفاصل عن تكرار مواجهة الفريقين، بداية بلقاء الذهاب يوم الثلاثاء في البرتغال. ويتولى المدرب الجديد ألفارو أربيلوا مهمة إعادة الأمور إلى نصابها في موسمٍ شهد تقلبات غير متوقعة. لكن قبل المواجهة القارية، يخوض ريال اختباراً صعباً أمام سوسيداد.

ويخوض ريال سوسيداد اللقاء دون هزيمة في 10 مباريات منذ تولّي المدرب بليجرينو ماتاراتسو المسؤولية، في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وعزز الفريق هذا السجل بفوزه 1-0 على مضيفه أتليتيك بيلباو في قمة الباسك، أمس الأربعاء، في ذهاب قبل نهائي كأس ملك إسبانيا، بعدما سيطر على مُجريات المباراة.

في هذه الأثناء، يتصدر برشلونة ترتيب «الدوري الإسباني» برصيد 58 نقطة. ويتساوى أتليتيكو مدريد وفياريال برصيد 45 نقطة، بفارق كبير عن الصدارة.

وفي مواجهة جيرونا، يوم الاثنين المقبل، يفتقد برشلونة جهود بيدري ورافينيا وجافي للإصابة، بعد أن يحل ضيفاً على أتليتيكو مدريد في ذهاب ما قبل نهائي كأس الملك، اليوم.

بالنسبة لريال مدريد، المعادلة واضحة: الحفاظ على تألقه المحلي، وتجاوز الملحق الأوروبي، ومواصلة الضغط على برشلونة لتجنب أي مفاجآت غير سارة.


السلطات الأميركية تعلن إنهاء حملة ضد المهاجرين في ولاية مينيسوتا

أحد عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب-غيتي)
أحد عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب-غيتي)
TT

السلطات الأميركية تعلن إنهاء حملة ضد المهاجرين في ولاية مينيسوتا

أحد عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب-غيتي)
أحد عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب-غيتي)

قال توم هومان، المسؤول الأميركي عن ملف الحدود، اليوم الخميس، إن الحملة على المهاجرين في ولاية مينيسوتا، التي أسفرت عن احتجاجات جماعية واسعة ومقتل شخصين، أوشكت على الانتهاء.

وأكد هومان، في مؤتمر صحافي: «نتيجة لجهودنا هنا، لم تعد مينيسوتا ملاذاً آمناً للمجرمين»، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس». وأضاف: «لقد اقترحتُ إنهاء هذه العملية المكثفة، ووافق الرئيس ترمب».

كانت وكالة الهجرة والجمارك الأميركية قد أطلقت عملية «ميترو سيرج»، في الأول من ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وتقول السلطات الفيدرالية إن الحملات التي استهدفت مدينتَي مينيابوليس وسانت بول أسفرت عن توقيف أكثر من 4 آلاف شخص. وفي حين وصفت إدارة ترمب المعتقلين بأنهم «مهاجرون غير شرعيين ومجرمون»، فقد جرى احتجاز كثيرين ممن ليس لديهم سوابق جنائية؛ بينهم أطفال ومواطنون أميركيون.

وتابع هومان: «لقد جعلت هذه الحملة مينيابوليس أكثر أمناً. وأكرِّر مجدداً، إنها لم تعد ملاذاً آمناً للمجرمين».

وأعلن هومان، الأسبوع الماضي، أن 700 عنصر من القوات الفيدرالية سيغادرون مينيسوتا فوراً، إلا أن أكثر من ألفَي عنصر ما زالوا منتشرين في شوارع الولاية. وأشار هومان، الخميس، إلى أن عملية الانسحاب بدأت هذا الأسبوع، وستستمر الأسبوع المقبل، مؤكداً اعتزامه البقاء في مينيسوتا للإشراف على الانسحاب.

وصرح الحاكم الديمقراطي تيم والز، يوم الثلاثاء، بأنه يتوقع أن تنتهي عملية «ميترو سيرج» في غضون «أيام، لا أسابيع أو أشهر»، وذلك بناء على محادثاته مع كبار مسؤولي إدارة ترمب. وأبلغ الصحافيين بأنه تحدّث، هذا الأسبوع، مع كل من هومان، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي ويلز.

كما قال عمدة مينيابوليس جيكوب فراي إنه عقد «اجتماعاً إيجابياً» مع هومان، يوم الاثنين، ناقشا خلاله إمكانية سحب مزيد من العناصر الفيدرالية.

كان هومان قد تولّى قيادة العملية في مينيسوتا، أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، وذلك بعد حادث إطلاق النار المميت الثاني الذي نفّذه عناصر الهجرة الفيدراليون، وفي خِضم تصاعد ردود الفعل السياسية والتساؤلات حول كيفية إدارة العملية.

وأوضح والز: «نحن نعمل وفق مبدأ (ثق ولكن تحقق)»، مضيفاً أنه يتوقع تلقي مزيد من المعلومات من الإدارة، «خلال اليوم أو اليومين المقبلين»، بشأن مستقبل ما وصفه بأنه «احتلال» و«حملة انتقامية» ضد الولاية.

ولفت والز النظر إلى أنه لا يوجد سبب يدعوه لعدم تصديق تصريح هومان، الأسبوع الماضي، بأن 700 عنصر فيدرالي سيغادرون مينيسوتا فوراً، لكن الحاكم أضاف أن ذلك يعني بقاء 2300 عنصر في شوارع مينيسوتا. وكان هومان قد عزا ذلك الوقت إلى «زيادة غير مسبوقة في التعاون» أسفرت عن تقليل الحاجة إلى العناصر الفيدراليين في مينيسوتا، بما في ذلك المساعدة المقدَّمة من السجون التي تحتجز مهاجرين قابلين للترحيل.