«في فمي لؤلؤة».. حجر العاطفة والتاريخ في أزمنة منسية

ميسون صقر تستنطق حفريات اللؤلؤ في مغامرة سردية

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«في فمي لؤلؤة».. حجر العاطفة والتاريخ في أزمنة منسية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

رواية التحديات والأزمنة المتراكبة، يتصدر هذا الإحساس بقوة مشهد قراءتي لرواية الشاعرة الإماراتية ميسون صقر «في فمي لؤلؤة»، الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، وهي الثانية لها بعد روايتها «ريحانة» في عام 2003.
تبرز فكرة التحدي منذ الخيوط الأولى للرواية، في ترك «شمسة» حقل الدراسة بعد خلاف بينها وأستاذها معلم الأنثربولوجيا حول طبيعة البحث التي تنوي به مواصلة الدراسات العليا بالجامعة، ورفضه خطتها لإنجازه، متهمًا إياها بالانسحاب من الكتابة الأكاديمية الرصينة المجردة إلى «كتابة بلا عظم».
ورغم حبها الدفين لأستاذها، الذي يظل يومض بخفة في جنبات الرواية، فإن شمسة تنتصر لحكايات جدتها عن الذاكرة القديمة للمكان، التي تذكرها بجزء حي من تاريخها الشخصي هناك في تلك البيئة الإماراتية التي شهدت تفتح عينيها على الحياة، كما تنتصر لحواديت الجدة نفسها عن عالم الصيادين ورحلات الغوص في مياه الخليج بحثًا عن اللؤلؤ. ويتحول كثير من هذه الحواديت، بما تحمله من دلالات ورموز إلى طاقة حية، لإثارة الدهشة والأسئلة على مدار الرواية الحاشدة بفصولها الستة وصفحاتها التي قاربت على الستمائة صفحة، ومكابدة كتابتها ومعايشتها على مدار 7 سنوات مضنية من التقصي والنبش، والبحث في حفريات اللؤلؤ عبر وثائق ورسائل ومتون وهوامش، وأساطير، وحكايات متناثرة في فضاء التاريخ والجغرافيا، وخطى البشر وأحلام الغواصين، وصراعات العيش وسط عواصف البحر والطبيعة، ومواجهة مخاطر الموت بالأغاني والشعر والمواويل الشعبية، وغيرها من المقومات السردية والفكرية، الذي يزخر به نسيج الرواية الخصب، ومن بينها مساءلة فكرة الكتابة نفسها، هل هي ملاحقة لأزمنة انقضت، واستشراف لأزمنة أخرى آخذة في التفتح والنهوض، أم هي سلاح الذات لمقاومة الموت والإحساس بالذبول. تشير شمسة إلى هذه الهواجس في مقطع دالٍّ من الرواية قائلة: «كلما كتبت مات أحد، وكلما فكرت فيه مرضتُ، كلما شرعت في الكتابة بدأ أحد من أسرتنا في الغياب.. ها أنا أعاود قتل عائلتي، ولا أقتل الكتابة». وإمعانًا في مناورة السرد واللعب مع الكتابة لا تكتفي الكاتبة بغواية صيد اللؤلؤ ومغامرة الغوص في عوالمه القصية، وإنما تضيف لهذه المغامرة غواية الصورة، مستفيدة من خبرتها كفنانة تشكيلية في تصميم الغلاف، فتدفع بصورة للممثلة الشهيرة مارلين مونرو لتتصدر واجهة الغلاف، وهي ترتدي عقدًا من اللؤلؤ الصناعي، بينما يتناثر على وجهها خريطة قديمة لمنطقة الإمارات مشكِّلة غلالة نصية وفنية، ينضوي تحتها كثير من الرموز والدلالات، ما بين زمن أصبحت غوايته الطبيعية فوق رف التاريخ، وآخر يتشكل منه بشكل هجيني، لكنه في صدارة المشهد.
وعلى ذلك، تسلط الرواية الضوء على تاريخ الحياة في مجتمع دولة الإمارات، وتحديدًا إمارة الشارقة، مسقط رأس الكاتبة، ناسجة من تلك الوقائع، لا سيما صيد اللؤلؤ وحكايات الغواصين وتراث البيئة بأعرافه وتقاليده وعاداته شبكة للسرد والحكي، تتحرك في شكل ضفائر سردية متعددة ومتراكبة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعاطفيا. ورغم أن قوسي البداية والنهاية مرتبطان بمهنة الغوص وصيد اللؤلؤ، ورصد تحولاتها ولحظات أفولها وانهيارها، خصوصًا بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي، واكتشاف النفط، وبداية نشأة الدولة الحديثة، وتغير منظومة الصراع، ونظرة الغرب لمنطقة الخليج، رغم كل هذا لا تضع الرواية ثوابت وفقًا لمسار تاريخي محدد، وإنما تحاول استنطاق الماضي في الحاضر، الخاص في العام، متخذة من إيقاع الموجة محورًا لفضاء رحلتها، بين أزمنة وأمكنة متنوعة، تنحسر وتغيب، لكنها سرعان ما ترتد إلى الشاطئ. شاطئ الكتابة، وفوق ترابه تستدعي الكاتبة الساردة على لسان أبطال الرواية قصصا وحكايات ومواقف لبشر ومستعمرين وثورات، كما تتكشف لها في طوايا السرد رسائل ووثائق لرحالة ومستشرقين، بعضها ابن ماض لم يزل نبضه حيًا، وبعضها ابن حاضر لا يستطيع أن ينطق باسمه، فبجوار الشارقة، الرحم الأم للرواية، وعبر مناخاتها المشدودة كحلم معلق ما بين الوهم والواقع، تتنقل الرواية ما بين الهند، وكينيا والقاهرة، مقر إقامة «شمسة» ومرتع صباها وأحلامها ودراستها، أيضًا هناك نمط الحياة في البادية ومواسم الصيد وخيام الصيادين ومفردات حياتهم الضحلة الفقيرة، كما تتنقل بين الحصون، حيث مقر الحكم، وحياة الشحوح في الجبال، حيث المراعي المفتوحة وحظائر الإبل.
هناك نسق سردي مشرّب بمسحة تاريخية، لكنه لا يتعامل مع التاريخ كحقيقة مكتفية بذاتها، وإنما يطرحه كسؤال ممتد في الزمان والمكان، في رحم الرواية والواقع معًا، وهو ما يضفي على الكثير من شخصيات الرواية طابع التشكيل الحلمي أو الملحمي، الذي يقترب كثيرًا من مصاف الأسطورة، وعلى نحو خاص، شخصية «مرهون» الغواص الأمهر، بطل الرواية الرئيسي، حيث يتداخل في أبعادها الواقعي بالتخييلي، الحضور بالغياب. لكن مرهون يظل في كل تحولاته تجسيدا لشفرة إنسانية غامضة، تراوح بين زمنين، زمن الماء وزمن اليابسة، زمن الغوص بحثًا عن اللؤلؤ من أجل لقمة العيش، وزمن الغوص في طوايا الروح والجسد والطفولة بحثا عن مساحة نقية لتقلبات العاطفة والحب والارتواء.. «جرتني قدماي إلى الخارج عند البحر، لأرى إن كان مرهونًا هناك، هل سيحدثني البحر؟ جلست قليلا أنتظر شيئا ما لا أعرفه، وأفكر في وليم ومسعود وعالم السفينة.. ندهت: يا مرهون يا مرهون، لم يسمعني!، كل ما فعله أنه أزاح الفطم الذي يغلق أنفه به، ثم مسح الماء من على وجهه، أفرغ سلة المحار، تنفس عميقا، وغطس ثانية».
يشكل مرهون زمن الرواية الخاص الداخلي الحميم، فهو صائد اللؤلؤة الساحرة النادرة، التي بسببها قامت حروب ومطاردات، كما أنه في كل تجلياته لا يتخلى عن ذاتيته وروحه المفطورة بالصدق والتلقائية.
ومن ثم، تنمو الرواية دراميا بقوة التاريخ والعاطفة معا، التاريخ في إطاره السياسي الاقتصادي الاجتماعي للمنطقة ومنحنيات التحول من عالم التجارة إلى الزراعة والصناعة في حياة البدو والمدينة.
والعاطفة، في حزمة من الأحلام المؤجلة والمعطلة، سواء في علاقة شمسة بأستاذها، أو في بحث مروة صديقتها ورفيقتها في الرحلة، عن علاقة حميمة صادقة، تعول عليها اجتماعيا في تغيير مسار حياتها البائسة، أو في علاقة آمنة بمرهون، التي تتحول إلى مشهد تراجيدي محفوف بالغدر والهروب والخيانة، حيث تلقى مصرعها على يد يوسف «زوجها» سارق اللؤلؤة الثمينة، وكذلك في علاقة وليم الرحالة المصور بفيكتوريا الممرضة الإنجليزية، فرغم أنها تكبره بسنوات، فإنه أصبح يمثل لها الرمق الأخير في التشبث بالحياة، لا سيما بعد موت زوجها القبطان الشهير ورحيل ابنتيها عنها. أو في حنين شمسة الدائم لفضاء العائلة، وصورة الجدة والأب والأم.
إنه حجر التاريخ والعاطفة، فوقه تتعدد عوالم هذه الرواية، وتتنوع أسئلتها في مدارات مشربة بروح الملحمة، فالتاريخ حكّاء بطبعه، لكن قراءته من قبل المؤرخين والمختصين قد تنحي العاطفة جانبًا، لكنه في عين الكاتب الروائي، وتحديدًا هنا في هذه الرواية مادة قابلة للحكي، لا يمكن أن نجردها من العواطف والرؤى والانفعالات التي تتحول في تقنيات القص إلى إشارات وعلامات ورموز، من خلالها يتم استدعاء التاريخ، بقوة الماضي والحاضر والمستقبل معًا.. اللافت أيضًا أن التاريخ بكل تداعياته وثقله وخفته، لا يمثل خصوصية المكان، بل يشير إليه بشكل عابر، بينما يحفر هذه الخصوصية ويدل عليها الشخوص بكل مسارب حياتهم الخشنة المجدبة، وأحلامهم العادية البسيطة في غد أكثر أمنًا، يوفر لهم الحد الأدنى لحياة كريمة، لا يشعرون في كنفها أنهم مجرد عبيد للقمة عيش بالكاد تكفي لوجودهم أحياء فوق سطح الحياة.
هو إذن تاريخ من الغبن واللؤلؤ، هكذا تصفه الكاتبة على لسان أمها، وهي ترى العقد الذي أهدته لها الجدة، يتألق في عنقها بلؤلؤته الفريدة الساحرة التي اصطادها مرهون.. «تنظر إلي وهي تقول إنه شرف لي أن أحمل تاريخا للوجيعة يا حبيبتي».
هذا الوجع يتناثر في جسد الرواية كعصارة حية لخبرة حياة، تحاول أن تكشف عن معناها الأعمق والأشمل في واقع لم يعد مغلقًا على ذاته، يتجسد ذلك عبر مقومات نصية وفنية تتمتع بحيوية فائقة، ولغة سردية سلسلة، يمتزج فيها الفصيح بالعامي الشفاهي أحيانًا، كما أن عالم اللؤلؤ نفسه يتحول إلى قيمة معرفية إنسانية، فالرواية تجعلنا نعايش هذا العالم، ونلمس رذاذه ورائحته، وعرق الصيادين وهواجسهم، وساعات نومهم وأكلهم وشربهم، في كل مراحل الغوص، وذلك خلال حرفية عالية في الوصف والتدوين لنثريات الحياة، سواء فوق مركب الصيد في البحر، أو في طقوسها والاستعداد لها على البر.. وهو ما نرصده على هذا النحو في لقطة من مشاهد الرواية: «قبل الفجر بلحظات ينتبه الغواصون جميعًا، ويبدأون يومهم، تبدأ الجلبة في السفينة حتى يعم الظلام ليلاً، وتهدأ الحركة، فيجلسون في شبه حلقات، يفلقون المحار الذي اصطادوه في النهار أو محار اليوم السابق، الذي يكون قد مات الكائن المحاري داخله، وهم يغنون، ويلقون القصيد ويتحاورون». وبالعصارة النصية نفسها يتحول الوصف إلى ما يشبه الاستبطان الداخلي، لما تنطوي عليه الشخوص من رؤى وعواطف ومشاعر وانفعالات، في أقصى لحظات الحياة حزنا وألمًا، وأقصاها صخبًا واستمتاعًا بشواغل الروح والجسد.
نحن أمام نص روائي حمال لروايات ونصوص كثيرة، تفيض عنه في علاقة صاعدة دراميًا وإنسانيًا بشكل تلقائي: هناك نص مرهون والبحر وآمنة، هناك نص شمسة وأستاذها وتحولات فكرة الكتابة وإثبات الذات بقوة الفكرة نفسها وضعفها الإنساني أيضًا، هناك علاقة وليم بفيكتوريا، و أيضًا صوره ورسائله المهمة سواء للمعتمد البريطاني أو لصديقة جيرارد رفيقه في بعثته إلى أفريقيا، وهي رسائل توثق لكل شيء في الخليج حتى علاقات النساء.. هناك علاقة كاترين ابنة فيكتوريا، التي تتنكر في شخصية قبطان وتقود بالفعل إحدى السفن بالخليج، وتستضيف آمنة على متنها، هناك حكاية اللؤلؤة الفريدة التي جلبها مرهون، وكيف سُرِقت من على السفينة، وانتهى بها الحال في عقد ثمين تتوارثه أم شمسة عن جدتها، هناك معرض اللؤلؤ، ورسائل وليم بعد أن عثر عليها، وغيرها من النصوص التي خلقت لها هذه الرواية باقتدار مجالات إدراك ومعرفة جديدة، ووثقت لتراث اللؤلؤة بكل أنواعه وأشكاله وحكاياته في شتى حدوسات المعرفة الإنسانية، كتاريخ للجمال والغبن أيضا.. أو كما تقول شمسة في رسالة أخيرة لأستاذها في ختام الرواية: «لم أكن أكتب بحثا، كنت أبحث عما أكتبه، وأستشف الحياة في رشفها اللؤلؤ الكامن في المحار، ويشي بكل عنف وعشق، لقد تركت الحزن ينهشني لعدم تفهمك، لكن قصة الحياة سحبتني إليها».



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»