لافتات أحزاب ومنظمات دينية، تعجّ بشعارات وخطابات متضاربة، هذه هي الصورة العامة لمشهدية الإشهار عن التوجهات والعقائد في بغداد، في مقابل إعلانات ضوئية موسمية عن عروض من المسرح التجاري، وملصقات دعائية متفرقة تجدها في مقاهي وسط العاصمة، عن حفلات توقيع كتب أو أمسيات موسيقية وسينمائية، لكن كثيرا من تجارب «الإعلان الثقافي» التي توقفنا عندها، إما تفتقر إلى تصميم فني جذاب، وإما أن طريقة وضعها في الشارع عشوائية وبلا تقاليد ثابتة، كأن يكون هناك جدار حر في كل حي يحتضن النشاط الثقافي، وليس نتفا من الإعلانات يوضع ملصق منها في شارع عام فيُزال بعد ساعات، أو ينمحي بوضع ملصق لشركة تجارية فوقه فيلغيه بالكامل، مثل حياة عدد من العراقيين التي تلغيها الملغمات بثوان خاطفة.
وبقيت مشكلة تسويق الثقافة العراقية إلى خارج حدود البلاد، واحدة من المعضلات التي لم يحلها تغيير النظام في بغداد، وانفتاح البلاد على حركة استيراد غير مسبوقة للكتب والمطبوعات، وسفر عدد غير قليل من المبدعين العراقيين، من دون أي إملاءات رسمية، ليس لأن الدولة ديمقراطية والحياة مزدهرة في بغداد؛ بل لأن التعددية السياسية فرضت صراعا شغل أمراء الطوائف وقادة الأحزاب عن قوننة الرقابة بشكل مدروس ومنظم، لكن ما عمق الإشكالية العراقية، ثقافيا، نسق الإعلام العربي، بمحافظته على سياق إخباري يتابع بدقة تفصيلات الأزمة الأمنية والسياسية، وما يتبع ذلك من تداخلات طائفية وقومية، ولا يلتفت لعلامات حيوية في يوميات الحياة العراقية. واحد منها هذا الحجيج الشهري إلى المسرح الوحيد الصالح لاستيعاب العروض المسرحية والموسيقية، حيث المسرح الوطني، والمناسبة الشهرية هي حفل الأوركسترا السيمفونية الوطنية العراقية، عائلات وصبية وصبايا، شباب وكهول، يتناسون واقع المدينة في الخارج ويأتون لاكتساب ساعات من الصفاء مع معزوفات تستدعيهم للإصغاء إليها، فحاسة السمع التي تعودت أصوات الانفجارات، ترسم هربها الجميل في القاعة خافتة الضوء. وليكن القول هنا تحديا لإدارات فضائيات عربية تقدم الأجندات السياسية على صور الحياة الأخرى، البعيدة عن ميول الكتل ومستجدات الصراع بين الأحزاب المتنفذة، من التي تمنحها تلك الوسائل ساعات من بثها اليومي.
أدمنا منذ 2003 أن نطلق العنان لأفواهنا وأصواتنا فيها متباينة الحدة والصدى، السياسي يصرخ: «نحن نعتقد..»، ورجل الدين يهتف على المنصات: «إخوة الإيمان..»، والشاعر العمودي يهجو وبعض آخر يحرض بصوت جهوري، فيرد عليه الجمهور مصفقا: «أعد أعد»، ولا شيء يريح البصر في بغداد، أو يحفز العين لوقفة ناقدة إزاء حفلة الأصوات المجانية والمتنافرة؛ فالعمران في سبات الموتى الأحياء، وألوان الفضاء العام رمادية في الغالب. ربما بدأت محاولات تقديم المبادرات ضمن شغل بصري، في ممارسة احتجاجية ضمن مشروع للمخرج الشاب سجاد عباس عبر كتابة عبارة «أكدر أشوفك» (أستطيع رؤيتك) على أعلى مبنى المطعم التركي وسط بغداد، قبالة مقر الحكومة والبرلمان في المنطقة الخضراء، التي مسحت حروفها بعد أيام من كتابتها، وسط اتهامات تسقيطية بأنها من صنائع الماسونية في بغداد.
ليس المبدعون المحترفون وحدهم من قدم تجارب تعتمد الخطاب البصري وحده، بما فيه من لمسة احتجاج، بل أناس مجهولون من عامة المجتمع، أحد هؤلاء حلاق ببغداد (حي الطالبية)، كان التعبير عن رفضه إحاطة محل عمله بجدران الكونكريت، هو أن يكتب على الجدران أنفسها عبارة «حلاقة هاني اطفر وتلكاني» أي (اجتاز الكونكريت قفزا وستجدني)، ولاحظ الداخلون إلى بغداد من جهة حي الشعب، يوم غرقت بمياه الأمطار عام 2013 عبارة كتبها مواطن مجهول الهوية هي «هنا معبر رفح» على جدار كونكريتي لم يغطِ الماء حافته الجانبية؛ إذ يمكن المشي والعبور بواسطتها؛ في إشارة للسخرية من مستوى الخدمات الذي وصلت إليه العاصمة، وصعوبة التحرك وسط فيضان الشوارع والبيوت.
يمكن أيضا التنبيه إلى تجارب شعراء من بابل قرأوا نصوصهم في أمكنة خربة، لكن فعلهم البصري لم يتخلص من النطق، بوصفه حاسة تشوه استعمالها في عراق ما بعد 2003. ولا نغيّب من الخطاب البصري الاحتجاجي، شغل الكاريكاتير العراقي، منذ أعمال مؤيد نعمة وعبد الرحيم ياسر وخضير الحميري إلى أحمد فلاح. في تجربتنا ببيت الشعر العراقي، قلنا منذ أشهر: لا بد من نقلة نوعية في العمل، ضمن هدف الاشتغال على بصر المتلقي، وعوامل الفعل المعني تعتمد بدرجة أساسية على المواءمة بين المضمون المنتخب والشكل الجامع لهذه المحاولة، فكانت فكرة «مقاطع للمارة»، باختيار مقاطع من قصائد شعراء عراقيين ووضعها في ملصقات فنية بتصاميم تحمل حسا مبتكرا، وكانت المقاهي بعدها ملتقى مفتوحا أمام الجميع، لا قيود فيه بين النخبة المفترضة وجمهور المتلقين، هي الميدان الأول لتطبيق التجربة. المفاجأة كانت في تجاوب أصحاب المقاهي السريع وردود بعضهم التي نصت: «الأهم ألا يكون شعرا شعبيا»، لأبادر بالسؤال عن السبب، وفي داخلي قناعة تستشف الجواب المنتظر الذي جاء: «إن الشعر الشعبي اليوم ارتبط بالعنف والدم وأغلبه صراخ»، والكلام لصاحب أحد المقاهي في حي الجادرية ببغداد.
بعد هذا الحوار السريع واطمئنان صاحب المقهى لملصق فيه شعر فصيح، تلمس ثمة رغبة لدى آخرين من أصحاب المقاهي في تكريس هذه المبادرة وجعلها تقليدا دائما، بعضهم طلب تصاميم الملصقات لينوّع في وضع كل منها بين شهر وآخر.
عُلّقت الملصقات بمقاطعها، وواحد منها كان للشاعر كاظم الحجاج، جاء منه: «لدينا شعب لا نواب له..- حتى الكتل الكبرى- ليست من طين حري..- ليست من طين الزقورات الممزوج مع التبن..- لدينا تبن لا غير».
بعد شهر من ذلك، وقبل أيام تحديدا، ومع إطلاق فعالية «جليسك يصافحك»، التي شملت ضمنا احتفاء باليوم العالمي للكتاب، ليس في حفلات توقيع ومنصة للإمضاء والحديث المباشر، وإنما بتكريس المبدأ نفسه، الرسالة المعتمدة على البصر، تخففا من أنماط النطق وأصوات المتكلمين، كان مفرحا للغاية أن تحتضن واجهات مكتبات معروفة ببغداد ملصقات فيها تقديم لكتب بعينها، لم نرد أن تقتصر مصافحة المارة على مناطق وشوارع حضور الكتاب، ونعني شارعي المتنبي والسعدون وساحة التحرير فقط، بل ذهبنا إلى حي الأعظمية واضعين عند مدخل مكتبة الصباح ملصق كتاب «غبش المرايا» للمترجمة خالدة حامد (2016 دار المتوسط)، إذ راح يحدثني صاحبها عن إعجابه بأغلفة كتب داري الجديد والمتوسط واستثماره مواقع التواصل في الترويج لمكتبته، وملصقا آخر عن كتاب «شجار عائلي» للشاعر خالد خشان (2015 دار صافي) في حي الكاظمية على واجهة مكتبة العلامة محفوظ. فضلا عن الصداقات التي تتكون مع بشر تتخيل أنهم بعيدون عنك، من أصحاب مقاهٍ ومكتبات، ومع بلوغ مساحة تلقٍ جديدة غير الجمهور المعتاد الذي يتابع النشاط الثقافي على اختلاف تمظهراته الإبداعية من أمسيات ومعارض، يمنحك فعل مغادرة القاعات المغلقة صوب الأمكنة المفتوحة والعامة، قدرة على تطوير التخطيط والتنسيق لمبادرات مع أناس أبعدك وهمك عنهم، بأنك تصورت سابقا انغلاقهم على وجودهم المحدد في مقهى أو مكتبة ما، ليصبح التعاون معهم محفزا على الحفر والبحث في منطقة اشتغال جديدة، تخوض فيها رحلة مجازفة صوب أذهان قصيّة، نازعًا عنك مسبقات «الروح الإنكارية» التي تريد أن تهشم أي بوادر لتقبّل المجتمع لمحاولات بسيطة ومتواضعة، لكنها غنية بجوهرها الثقافي.
* شاعر ورئيس بيت
الشعر العراقي في بغداد
«مقاطع للمارة».. ملصقات شعرية على جدران بغداد
في حركة احتجاجية على شعارات الأحزاب والإعلانات التجارية
مقطع للشاعر كاظم الحجاج على واجهة مقهى الشابندر
«مقاطع للمارة».. ملصقات شعرية على جدران بغداد
مقطع للشاعر كاظم الحجاج على واجهة مقهى الشابندر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





