رئيس وزراء الهند في دائرة الاتهامات

جدل مستمر حول شهاداته العلمية وتاريخ ميلاده

ناريندا مودي (رويترز)
ناريندا مودي (رويترز)
TT

رئيس وزراء الهند في دائرة الاتهامات

ناريندا مودي (رويترز)
ناريندا مودي (رويترز)

أصبحت المؤهلات العلمية لرئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي محل جدل كبير يهز المشهد السياسي في الهند الآن، حيث يتعرض لهجوم شرس، وسط مزاعم بأنه لم يدرس الدراسات العليا في العلوم السياسية كما يدعي، وأنه لم يتدرج في التعليم إلى ما بعد الفرقة العاشرة.
وبعد أيام من توجيه رئيس وزراء ولاية دلهي أرفند كجريوال، الحاصل على درجة علمية رفيعة في تكنولوجيا المعلومات، اتهامات شديدة اللهجة لرئيس الوزراء ناريندا مودي بالكذب بشأن درجته العلمية، أصدر الحزب الحاكم «بهاراتيا جاناتا بارتي» (حزب الشعب الهندي) كشف بدرجات مودي الجامعية، وكلف كبار قادته آميت شاه وأرون جايتلي بتولي الرد على تلك الاتهامات. ومن ناحيته، قال آميت شاه رئيس الحزب الحاكم في تصريحات له في مؤتمر صحافي إن: «أرفند كجريوال ينشر الأكاذيب حول رئيس الوزراء محاولا النيل من سمعته، وعليه أن يعتذر ليس فقط لرئيس الحكومة، بل أيضًا إلى الأمة ككل»، مضيفًا وهو يوزع نسخ بالشهادات والدرجات العلمية لرئيس الوزراء على الصحافيين أن «الخطاب العام في أدنى مستوياته الآن، ومن العار علينا أن يتطلب ذلك توضيح».
ومن جهته حكى جايتلي، خريج جامعة دلهي، عن ذكرياته مع مودي أثناء قدومه إلى دلهي لاجتياز الاختبارات خلال فترة حالة الطوارئ من 1975 إلى 1977. ويصدق على كلامه قائلا: «أعرف ذلك لأنني صرت رئيسًا لاتحاد الطلبة بجامعة دلهي بعد إعلان حالة الطوارئ». وبعد ذلك بنحو ساعة، اتصل كجريوال مؤسس حزب «عام آدمي» بوسائل الإعلام ليعلن أن «الدرجات مزورة». كما قال آشتوش، رئيس حزب «عام آدمي» وصحافي سابق، إن «الاسم الذي تحمله استمارة الدرجات هو ناريندا دامودار داس مودي في حين الاسم الذي تحمله الشهادة ناريندا دامودار داس مودي. وبالمثل، فقد صدرت استمارة الدرجات عام 1977. بينما صدرت الشهادة في 1978، كيف ذلك؟».
وجدير بالذكر أن حزب «عام آدمي» يدعي أنه منذ توليه حكم ولاية دلهي قام بالتحقيق على جميع المستويات، ولم يجد ذكرا إلا لشخص واحد يدعي ناريندا كومر مودي من ألوار بولاية راجستان، وقد التحق بالجامعة عام 1975.
وأضاف آشتوش: «أعلن، على مسؤوليتي الكاملة، عدم وجود ما يثبت تقديم رئيس الوزراء مودي للالتحاق بالجامعة، لا يوجد رقم تسلسلي بالتحاقه ولم تصدر أي شهادة جامعية من جامعة دلهي تحمل اسمه، ولم يرد ذكر اسمه في أي من الجامعات الأخرى». وتتركز جوهر مزاعم الحزب حول أن ناريندا دامودار مودي لم يتخرج أبدا من الجامعة عام 1978. وفي الوقت نفسه، فإن قادة حزب «عام آدمي» آشتوش وسانجاي سينغ بالتعاون مع جامعة دلهي قد رفعا قضية من أجل الحصول على صورة من الطلب الذي قدمه ناريندا مودي للالتحاق بالجامعة، مع نسخ من استمارات: التسجيل بخط يد مودي والسجل التابع له وبيان بدرجاته السنوية وقائمة حفل توزيع الشهادات المدرج بها اسمه لعام 1979.
ولمزيد من التشكيك في مزاعم رئيس الوزراء مودي، نشر ديغ فيجاي سينغ حزب المؤتمر الوطني الهندي مقطع فيديو قديم لمودي يقول فيه بأنه لم يتخط التعليم الثانوي. والفيديو هو جزء من مقابلة صحافية أجراها معه الصحافي راجيف شوكلا في برنامجه «روباروا». ويقول ردًا على سؤال عن مؤهله العلمي: «أكملت تعليمي حتى مرحلة الثانوية العامة»، وبنشره للفيديو طالب ديغ فيجاي سينغ رئيس الوزراء بالتوضيح.
ومن جانبها، أصدرت اللجنة المركزية للإعلام الأسبوع الماضي تعليمات لجامعتي دلهي وغوجارات بالإفادة بالتفاصيل. وبدورها قالت جامعة غوجارات بأن مودي حصل على شهادة البكالوريوس بتقدير 62.3 في المائة. وأقرت الجامعة أن مودي أنهى درجته الجامعية في العلوم السياسية عام 1983. كطالب منتسب، وبأنه درس مواد دراسية اشتملت على السياسة الأوروبية وتحليل السياسة الهندية، وعلم النفس السياسي. إلا أن جامعة دلهي لم تصدر أي تفاصيل إلى الآن. ومن اللافت أن كل ما كان معروفا عن مؤهلات مودي الأكاديمية في السابق من السجلات المتاحة هو حصوله على الشهادة الثانوية العامة من مدرسة «شري بي إن» من مدينة فادنغار وتقديمه في امتحانات القبول للجامعة في فيسنجار.
وبدأ الجدل عندما أثار أرفند كجريوال رئيس وزراء ولاية دلهي القضية مطالبًا بمعلومات حول المؤهل التعليمي لمودي من اللجنة المركزية للإعلام.
وردت اللجنة بمطالبة جامعتي دلهي وغوجارات بالإفادة بتفاصيل المؤهلات العلمية التي حصل عليها مودي، كما طالبت مجلس الوزراء بتزويد الجامعات برقم طلب التحاقه وعام تخرجه من الجامعة لتسهيل المهمة على الجامعات لإيجاد المعلومات.
وفي ظل اللغط المثار حول المؤهلات العلمية لرئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي، تشير الوثائق أيضًا إلى تاريخي ميلاد مختلفين له. تاريخ ميلاده المذكور على موقعه الإلكتروني الرسمي هو 17 سبتمبر (أيلول) 1950. بينما تشير الشهادة التي أصدرتها جامعة غوجارات إلى تاريخ ميلاده في 29 أغسطس (آب) 1949. ومن جانبها تثير الجماعات السياسية الشكوك حول تلاعب جامعة غوجارات في الأوراق، مع العلم أن مودي ظل رئيسًا للوزراء في ولاية غوجارات لمدة 12 عامًا، والتي لا تزال تحت حكم أحد أشد المقربين له.
وبدوره يقول العضو البارز في حزب المؤتمر الهندي شاكتيسنه غوهيل إن: «سجل الطلاب في كلية إم إن فيسنجار (التي قدم فيها مودي على امتحانات القبول التي تعادل الصف الثاني عشر الدراسي) تكشف أن تاريخ ميلاده في 29 أغسطس 1949. ونود أن نعرف ما السر وراء تباين تواريخ الميلاد، وما هو تاريخ ميلاده المدون في جواز سفره وفي باقي أوراقه الرسمية؟». وهنا يقول صحافي بارز بأن «الجدل الدائر حول مؤهلات رئيس الوزراء قضية بالغة الخطورة، فهو معروف في وسائل التواصل الاجتماعي، ويُعرف بنشاطه على (تويتر) و(فيسبوك). ومن ثم، فعليه أن يُخرج السجلات من خزينته – أو أينما كانوا - وينشرها على الإنترنت ليراها الجميع ويضع حدا لذلك الجدل على الفور».
وقد يذهب البعض إلى أن التعليم الرسمي ليس شرطًا من شروط رئاسة الوزراء، حيث لم يبدأ الاهتمام بالمؤهلات التعليمية للسياسيين إلا مؤخرًا وأصبحت الشغل الشاغل للرأي العام. ففي السابق كانت السياسة والصحافة المهن الوحيدة التي لا تتطلب أي شروط مسبقة للترشح أو الحصول على وظيفة، فلم يحاول أي من الجيل السابق من السياسيين البارزين بالهند في إخفاء عدم ذهابهم إلى الجامعة.
وبطبيعة الحال، المؤهل الجامعي ليس ضمانة على الكفاءة أو موهبة الحكم والإدارة، والتاريخ هو خير شاهد على ذلك، فاثنان من أعظم حاكمي الهند (أكبر ورانجيت سينغ) كانا أميين لا يعرفان القراءة والكتابة. ومن جهته، قال ماني شانكر أير النائب عن حزب المؤتمر، الذي قد سبق وصرح عام 2014 أنه على مودي أن يبيع الشاي فحسب، إن «ما هي المعضلة الكبرى وراء شهادات مودي العلمية؟ فالمسألة ليست حول مؤهلاته التعليمية. المسألة هي خيانة الأمانة والنزاهة الشخصية للرجل الأكثر نفوذًا في البلاد».
ومن ناحية أخرى، ادعى مراسل جريدة «تايمز أوف إنديا» في تقرير له أنه قابل البروفسور دينش شوكلا الذي أخبره أن مودي قد حضر فصول الفرقة الأولى من البكالوريوس وإن كان بشكل غير منتظم. ونقل على لسان البروفسور أن مودي: «لم يكن يحضر بانتظام كبقية طلبة الصف، ومن ثم قمت أنا وزملائي بإمضاء حضوره في كشف الحضور لكي يتمكن من دخول الامتحانات». أما بالنسبة لتاريخ الميلاد الخاطئ، يقول الأخ الأكبر لمودي بأن تاريخ الميلاد قد سُجل بشكل خاطئ في سجلات المدرسة كباقي الأسر الريفية التي لم تكن دقيقة بشأن التواريخ. ولطالما ادعت عائلة مودي أنه ولد في عام 1950.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended