مع تزايد قوتها في ليبيا.. «داعش» عينها على تونس

الفقر والبطالة يدفعان الشباب للانضمام لـ«داعش».. وبن قردان الخاصرة الهشة قد تكون بديلاً عن الرقة السورية

تونسي ينتظر فرصته لقطع الحدود إلى ليبيا (واشنطن بوست)
تونسي ينتظر فرصته لقطع الحدود إلى ليبيا (واشنطن بوست)
TT

مع تزايد قوتها في ليبيا.. «داعش» عينها على تونس

تونسي ينتظر فرصته لقطع الحدود إلى ليبيا (واشنطن بوست)
تونسي ينتظر فرصته لقطع الحدود إلى ليبيا (واشنطن بوست)

وصلت العائلات إلى المقبرة في الليل تحمل جثث أبنائهم وإخوانهم التي مزقتها الرصاصات، كما يتذكر سكان الحي. وواحدة تلو الأخرى، وضعت الجثث في قبور مجهولة من دون شواهد أو علامات، لقد كانوا منبوذين حتى بعد وفاتهم. كان القتلى من أعضاء تنظيم داعش الإرهابي.
كانوا جميعًا مواطنين تونسيين، من الذين عبروا الحدود إلى ليبيا للانضمام إلى ذراع التنظيم الإرهابي العاملة هناك. وفي مارس (آذار)، عادوا إلى تونس برفقة بعض من التونسيين المتشددين في محاولة للسيطرة على بلدة بن قردان الحدودية الجنوبية، وهي من مراكز التهريب الحدودية المعروفة التي تقع على مسافة 20 ميلا من الحدود الليبية التونسية. لقي عشرات المتطرفين مصرعهم في الاشتباكات العنيفة مع قوات الأمن التونسية، بما في ذلك ما لا يقل عن 10 من الذين نشأوا وتربوا في تلك الزاوية الجنوبية الشرقية من البلاد.
ولقد تم دفن ثمانية منهم فقط في المقبرة. يقول سمير نقي، وهو مسؤول بارز في الشرطة التونسية: «رفضت بعض العائلات تسلم أو دفن جثث ذويهم».
فشل المجموعة الإرهابية في السيطرة على بن قردان، التي طالما عرفت بأنها من محاضن الإرهابيين في الجنوب التونسي، يعد انتصارا كبيرا في حد ذاته بالنسبة للحكومة التونسية. غير أن الهجوم وتوابعه كشف عن الهشاشة التي تعاني منها تلك الدولة الواقعة في شمال القارة الأفريقية، في الوقت الذي تكافح فيه أيما كفاح لاحتواء التداعيات السامة والموجعة لما يعرف بانتفاضة الربيع العربي قبل خمس سنوات، والتصعيد المستمر والمتنامي من جانب تنظيم داعش وطموحاته الخبيثة هناك.
يشكل المتشددون التونسيون أكبر شريحة من المقاتلين الأجانب في الصراع السوري والعراقي حاليا. ولكن مع الغارات الجوية الأميركية والروسية التي تواصل عمليات القصف هناك، وجهود حظر السفر وتشديد الرقابة على الحدود الدولية، نزع المتشددون التونسيون إلى الانضمام إلى تنظيم داعش في ليبيا. وعلى نحو متزايد، بدأ الصراع الليبي في التسرب إلى تونس، وهي الدولة الوحيدة التي تبدو وكأنها حققت المعادلة الصعبة من حيث إقامة حكومة ديمقراطية فاعلة بعد الثورات المخيبة للآمال.
ولقد أكد تنظيم داعش الإرهابي، والمعروف إعلاميًا أيضا باسم (ISIS) أو (ISIL)، مسؤوليته عن الهجومين اللذين وقعا في تونس العام الماضي: أحدهما هو الهجوم الذي وقع في المنتجع السياحي بمدينة سوسة، والآخر الذي شهده متحف باردو في العاصمة تونس. ولقي العشرات من الناس مصرعهم في هذين الهجومين، وأغلبهم كانوا رعايا من دول أجنبية، على أيدي المسلحين المتطرفين التونسيين الذين يعتقد بأنهم تلقوا تدريبهم في ليبيا.
كانت الغارة المعقدة على بلدة بن قردان – وتعني الهجوم متعدد الجوانب على قوات الأمن التونسية – قد أثارت المخاوف من سعي المسلحين إلى تأمين الملاذ الآمن لهم داخل تونس، التي يجعل منها تاريخها العلماني وميولها الغربية هدفا مؤكدا لدى المتطرفين. يقول محمد المعالي، رئيس إدارة مكافحة الإرهاب التونسية: «بدا من الواضح الآن أن ليبيا باتت تشكل خطرا وتهديدا علينا. فمع الضغوط الشديدة التي يتعرض لها (داعش) في سوريا، فإن وجهتهم الجديدة هي ليبيا، حيث لا توجد، وللأسف الشديد، أية سلطة أو حكومة أو نظام. وبالتالي صارت ليبيا بالنسبة كمثل الجنة تماما».
* تعال وقاتل معنا
الشوارع التي تتخلل منازل بن قردان البسيطة هي شوارع غير معبدة. وهناك حقول بأكملها تستخدم كمستودعات للنفايات. ليست هناك مصانع، أو جامعات، أو أي مظهر من مظاهر التنمية الاقتصادية في المناطق السياحية الشمالية التونسية. وفي أي يوم من الأيام، يجلس العشرات من الشباب التونسي العاطل على المقاهي أو يتسكعون حول الشوارع. وترتبط سبل العيش للكثير من المواطنين هناك بعمليات الاتجار غير المشروعة في السلاح والوقود والسلع الاستهلاكية من وإلى ليبيا.
يقول سالم شوات (80 عاما)، وهو عمدة سابق: «لا يجد شباب بن قردان هناك داع للبقاء هنا بسبب شدة الفقر والتهميش. وفي نفس الوقت، يجتمعون مع عناصر التجنيد من (داعش) الذين يعدونهم بالكثير من الأموال، والسيارات، والحياة الرغدة الجميلة. فماذا تنتظر من الشباب أن يفعل؟ لا يكون أمامهم خيار سوى التهريب أو (داعش)». غادر المئات من الشباب بلدة بن قردان على مدى العقود الثلاثة الماضية للانضمام إلى الجهاد في العراق، وأفغانستان، والبوسنة، ولقد كان النظام القمعي السابق، الذي اضطهد الإسلاميين، أحد الأسباب المباشرة في تطرفهم.
كانت مهاراتهم القتالية ذات قيمة عالية بالنسبة لأبو مصعب الزرقاوي، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق، التنظيم السابق على تنظيم داعش الحالي، والمعروف عنه قوله الشهير: «لو أن بن قردان كانت إلى جوار الفلوجة لكنا استطعنا تحرير العراق». بعد ثورة عام 2011 التي أطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، استفاد المتطرفون من الحريات الجديدة والفراغ الأمني الكبير الذي ساعدهم في نشر الفكر المتطرف بين الكثير من الشبان. فلقد انضم أكثر من 4 آلاف شاب تونسي إلى «داعش» وغيره من الجماعات المسلحة في سوريا والعراق، وكانوا يسافرون إلى هناك في أغلب الأحيان بعد تلقيهم التدريب العسكري والتلقين العقائدي اللازم في ليبيا، على حد وصف محققي الأمم المتحدة. بالإضافة إلى ما يقرب من 1000 إلى 1500 مقاتل تونسي آخرين انضموا إلى الصراع الدائر في ليبيا. وكان أغلب المسلحين قادمين من بلدة بن قردان.
والآن، هناك دلائل تفيد بأن «داعش» يوجه أوامره للمسلحين بالذهاب إلى ليبيا والمكوث هناك، مما يؤكد على الوضع الجغرافي المتغير للتنظيم الإرهابي. فلقد أقام التنظيم الإرهابي معقلا جديدا له في مدينة سرت الليبية بعد مقتل الديكتاتور الليبي السابق معمر القذافي في عام 2011. ووفقا لمسؤولي الاستخبارات الأميركية، ظن المسلحون أن بن قردان يحتمل أن تكون بديلا عن مدينة الرقة السورية، والتي أعلنها التنظيم الإرهابي عاصمة لخلافته المزعومة، إذا ما سقطت إثر الضربات الجوية المستمرة من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) (تشرين أول)، أعلن وزير الدفاع التونسي فرحات الحرشاني أن نحو 250 مقاتلا تونسيا من التابعين لـ«داعش» قد غادروا سوريا متجهين إلى ليبيا في أعقاب بدء الضربات الجوية الروسية هناك. وفي أحد مقاطع الفيديو بغرض التجنيد التي نشرت العام الماضي على شبكة الإنترنت، كان أحد قادة «داعش» يقف على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وكان في ليبيا على أغلب الظنون، وكان يحث المسلمين على النفير لقتال الجنرال خليفة حفتر، وهو القائد المعارض للإسلاميين في ليبيا، والذي تسيطر قواته على أجزاء ممتدة من شرق ليبيا.
وقال القائد الداعشي في خطابه المصور: «إلى جميع الإخوة في الخليج العربي، وفي مصر، وتونس، والسودان، على كل أولئك الغيورين على دينهم، تعالوا انضموا إلى إخوانكم وشاركونا جهادنا». وإن كان هناك دليل على استجابة المتطرفين التونسيين لتلك الدعوات، فهناك أدلة كثيرة في أعقاب الغارات الأميركية على معسكرات التدريب التابعة لـ«داعش» في مدينة صبراتة الليبية في 19 فبراير (شباط). كان أغلب الـ41 قتيلا من التونسيين. وربما كان من بينهم نور الدين شوشان، وهو من القادة البارزين الذي كان يشرف على تجنيد وتدريب المتطرفين التونسيين على شن الهجمات في داخل بلادهم، وفقا للمسؤولين في تونس وليبيا، وبعد أسبوعين تقريبا، اقتحم المسلحون التونسيون بلدة بن قردان.
* هجوم منسق للغاية
يتذكر حسين عبد الكبير المسلحين الملثمين الأربعة الذين دخلوا إلى فناء منزله في شاحنة صغيرة. كان الوقت يجاوز السادسة مساء بقليل. وكان شقيقه عبد العاطي، وهو رئيس لواء مكافحة الإرهاب في بن قردان، يستعد لمغادرة المنزل حينها. وأثناء تفرق الجميع، طارد المسلحون الأربعة عبد العاطي. وصرخ أحدهم بلهجة عربية تونسية خالصة «إنه المرتد عبد العاطي»، كما يقول شقيقه حسين. ثم ظهر مسلحان آخران غير ملثمين من المنزل المجاور وانطلقا من الاتجاه المعاكس. وحوصر عبد العاطي.
يتابع حسين، وهو الرجل عظيم العنق مع لمحة حزن عميقة، قوله: «كان المسلحون يعرفون المنطقة جيدا». وكانت قطرات الدماء لا تزال تلطخ الأرض حيث قتل شقيقه. وأضاف حسين قائلا: «لقد تعرفت على أحدهم. إنه من سكان البلدة هنا». وفي مكان آخر من البلدة، هاجم المسلحون مركز الشرطة، مما أثار اشتباكات عنيفة. وفتح بعضهم النار على الثكنات العسكرية من مئذنة المسجد المجاور، مما دفع بقوات الجيش إلى الرد بفتح نيرانها على المسجد تلك التي خلفت الكثير من الثقوب في الجدران. ثم اندلعت المعارك في الشوارع ضد قوات الأمن في مختلف أجزاء البلدة.
وفي إحدى المعارك، كان سالم ضاوي واقفا في متجره لبيع الهواتف المحمولة أثناء اقتراب أحد المسلحين من أحد المواقع القريبة منه، وقال المسلح له: «لا تقلق، نحن مقاتلو الدولة الإسلامية، لقد جئنا هنا لحمايتكم من المرتدين في الحكومة الكافرة». وقال شهود عيان إن خمسة من المسلحين أقاموا إحدى نقاط التفتيش في مواجهة أحد المقاهي في منتصف الطريق، وكأنهم صاروا أسياد البلدة بالفعل. وكانوا يحملون البنادق الهجومية وقاذفات الصواريخ. وكان بعض منهم يرتدون السترات العسكرية. ثم شرعوا في إيقاف السيارات ومراجعة هويات السائقين.
وعند نقطة واحدة، أخرجوا مسؤولا في الجمارك من سيارته وأطلقوا عليه الرصاص فأردوه قتيلا، كما يقول محمد علي، وهو أحد أصحاب المقهى المذكور. وبعد مقتل المسؤول الجمركي، صرخ أحد المسلحين بلهجة تونسية واضحة قائلا: «غدا سوف نحكمكم جميعا». وفي الوقت الذي توقفت فيه الاشتباكات، كان عدد القتلى من المتطرفين قد بلغ 52 قتيلا في مقابل 12 من قوات الأمن إلى جانب 8 من المدنيين، على حد وصف نقي المسؤول الكبير في الشرطة، الذي أضاف أن كل المسلحين المقتولين كانوا من التونسيين، بما في ذلك ثلاثة من القادة الذين كانوا من بلدة بن قردان.
هل كان ذلك الهجوم بمثابة بالون اختبار لقدرات قوات الأمن التونسية؟ أم كانت عملية انتقامية للغارات الأميركية على مواقع التنظيم؟ هل كان محاولة لتأمين موطئ قدم للمتطرفين في تونس في الوقت الذي تخطط الولايات المتحدة وحلفاؤها للتدخل العسكري في ليبيا؟ قد تكون العملية الإرهابية على بن قردان لأجل ذلك كله، كما يقول المسؤولون الأمنيون التونسيون. وعلى الرغم من صد هجوم المتطرفين إلا أن شعورا عاما بعدم الارتياح بدأ يسري في ربوع البلاد. هناك حاجز أمني مقام من السواتر الرملية والخنادق المائة، ويغطي ما يقرب من نصف الشريط الحدودي التونسي مع ليبيا والبالغ طوله 285 ميل، والذي استكمل معظمه في فبراير الماضي. وعلى الرغم من ذلك فإن الكثير من المتطرفين، إن لم يكن كلهم، لا يزالون يعبرون الحدود للدخول إلى ليبيا. وقبل خمسة أيام من وقوع الهجوم، تمكنت قوات الأمن التونسية من قتل الكثير من المتطرفين المسلحين في أحد المنازل بالقرب من بلدة بن قردان. ومع ذلك تمكن المتطرفون من إعادة تنظيم أنفسهم ليشنوا الهجوم الجريء المنسق للغاية.
قالت قوات الأمن التونسية إنهم عثروا في وقت لاحق على منازل آمنة في بن قردان كانت تستخدم في تخزين الأسلحة المهربة من ليبيا، وهو من الأدلة الثابتة على تورط عصابات التهريب المحلية مع التنظيم الإرهابي في مجالات التمويل وتأجيج حدة الصراع. يتشبه في أن بعضا من أقارب الضابط المقتول عبد العاطي هم من الموالين للتنظيم الإرهابي، والذين تم تجنيدهم للاقتراب كثيرا من الرجل الذي يعرف الكثير عن شبكة المتطرفين في البلدة. وكان المنزل الذي خرج منه المسلحون يعود إلى أحد أبناء العمومة الذي كان أشقاء زوجته قد حاربوا من قبل في سوريا، كما أفاد المسؤولون الأمنيون التونسيون. يقول محمد عبد الكبير والد عبد العاطي أثناء احتضانه لحفيده اليتيم مهاب: «استهدفوه لأنه كان يعرف كل الأشخاص في بن قردان من المتعاطفين مع (داعش). كان يعرف الجميع هنا ممن ذهبوا إلى ليبيا للتدريب على القتال».
* الديمقراطية -في مراحلها المبكرة
ألقي القبض، منذ الهجوم الإرهابي، على العشرات من المشتبه فيهم وسط مخاوف حول وجود المزيد من الخلايا الإرهابية النائمة في بن قردان. وأغلقت السلطات المحلية ثلاثة من المساجد المعروفة بنشر الأفكار المتطرفة. كما أغلقت الحدود ما بين تونس وليبيا في وجه الشباب التونسي ممن هم دون سن 35 عاما – ما لم يكن هناك خطاب مكتوب من أولياء الأمور يفيد بالغرض من السفر إلى ليبيا. وتراقب قوات الأمن عن كثب جميع أقارب المقاتلين المحتملين. أحد أقارب حمزة جاري هو من بين الخاضعين لمراقبة قوات الأمن التونسية. ففي العام الماضي، أعلنت السلطات التونسية أن جاري، وهو أحد مواطني بلدة بن قردان، بأنه أحد أخطر الإرهابيين المطلوبين في البلاد. ولقد ألقي القبض عليه في صبراتة بواسطة الميليشيات الليبية في أعقاب الغارات الأميركية في فبراير الماضي. وفي أحد مقاطع الفيديو المنشورة على الإنترنت الشهر الماضي، اعترف جاري بالعمل في إحدى المحطات الإذاعية الدعائية التابعة للتنظيم الإرهابي.
وقال نسيبه من بن قردان إنه اعتقل وخضع للاستجواب في السجن. وكانت قوات الأمن تنفذ المداهمات الروتينية على منزله في الساعات الأولى من الفجر. وهو غير مسموح له بالسفر إلى الخارج، كما أن نقاط التفتيش توقفه كلما حاول مغادرة البلدة. ولقد حالت وضعيته الأمنية مرارا دون تمكنه من العثور على عمل. يقول نسيب جاري، والذي تحدث مفضلا عدم الكشف عن هويته خشية انتقام أجهزة الأمن: «إنني أدفع ثمن جريمة لم أرتكبها. إن ذلك العدوان من جانب الحكومة هو ما يسبب خيبة أمل الناس في الحكومة. ذلك هو ما يجعل منهم إرهابيين».
يقول المسؤولون الأمنيون التونسيون الكبار إن مثل تلك التكتيكات ضرورية ولازمة. كما أنهم يقولون إن المخاوف بشأن حقوق الإنسان تعيق قدرة أجهزة الأمن على وقف الإرهابيين.
ويقول السيد المعالي رئيس وحدة مكافحة الإرهاب: «ما زلنا في المراحل الأولى من الديمقراطية. ولكن، وبصفة شخصية، فإنني لا أتفهم أبدا معنى حقوق الإنسان للإرهابيين! إنهم يريدون قتلنا جميعا». حذر سالم شوات، العمدة السابق لبلدة بن قردان، وهو يحتسي القهوة في المقهى المكتظ بالرواد، من أن التدابير الأمنية من غير المرجح أن تنجح في وقف تدفق شباب بن قردان من السفر إلى ليبيا، أو القتال من داخل تونس – طالما ظل الجنوب التونسي من دون مدارس، أو طرق، أو فرص عمل. وأضاف العمدة السابق قائلا: «إذا استمر الوضع على منواله الحالي، فقد نفقد السيطرة تماما على الشباب. ونخشى أن يجعلهم الوضع الحالي أكثر سخطًا على الحكومة. كما نخشى أن يدفعهم الأمر إلى ارتكاب كل التصرفات السيئة التي نكرهها».
* خدمة «واشنطن بوست»



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.