خطة دونالد ترامب لزيادة الضرائب على الأثرياء «مزحة»

يمكن لشريحة الـ«1%» أن تتنفس الصعداء أخيرًا

وفق خطة ترامب كان أصحاب أعلى الدخول في المجتمع الأميركي سيدفعون ضرائب تتجاوز  39.6 في المائة إذا ما تولى منصب الرئيس (رويترز)
وفق خطة ترامب كان أصحاب أعلى الدخول في المجتمع الأميركي سيدفعون ضرائب تتجاوز 39.6 في المائة إذا ما تولى منصب الرئيس (رويترز)
TT

خطة دونالد ترامب لزيادة الضرائب على الأثرياء «مزحة»

وفق خطة ترامب كان أصحاب أعلى الدخول في المجتمع الأميركي سيدفعون ضرائب تتجاوز  39.6 في المائة إذا ما تولى منصب الرئيس (رويترز)
وفق خطة ترامب كان أصحاب أعلى الدخول في المجتمع الأميركي سيدفعون ضرائب تتجاوز 39.6 في المائة إذا ما تولى منصب الرئيس (رويترز)

نسمع كلاما كثيرا من منصة هيلاري كلينتون عن الضرائب الجديدة على الأثرياء، وفي الأيام الأخيرة بدا أن دونالد ترامب قد يسير في الاتجاه نفسه.
وعندما سئل يوم الأحد في برنامج «واجه الصحافة» الحواري حول فرض الضرائب على الأثرياء، أجاب قائلا: «بالنسبة للأثرياء، أعتقد بصراحة أن الضرائب ستزيد، هل تعرف لماذا؟ لأنها ينبغي أن تزيد بالفعل».
إنه يقول الآن إنه لم يكن يتحدث حول المعدلات الحالية لضرائب الدخل بالنسبة للأشخاص من ذوي الشرائح العالية، والتي تبلغ 39.6 في المائة، وإن كان قال ذلك، فستكون خطوة كبيرة بالنسبة للسيد ترامب، المرشح المفترض للحزب الجمهوري، لرفع تلك المعدلات إلى شريحة أعلى، حيث إن خطته الضريبية الرسمية تتصور أن أعلى معدل ضريبي ممكن لن يجاوز نسبة 25 في المائة.
وفي مقابلة أجريت عبر الهاتف يوم الاثنين الماضي، حاولت الحصول على توضيح للأمر من السيد ترامب حول تصريحاته بشأن زيادة الضرائب على الأثرياء، وسألته ما إذا كان أصحاب أعلى الدخول في المجتمع الأميركي سيدفعون ضرائب تتجاوز النسبة المقررة، وهي 39.6 في المائة إذا ما تولى منصب الرئيس؟
فأجاب السيد ترامب قائلا: «كلا، في واقع الأمر، سيكون المعدل أقل من ذلك».
ولكن كيف يمكن ذلك، مع الوضع في الحسبان أنه قال من قبل إن الضرائب على الأثرياء سترتفع؟ ولقد أوضح السيد ترامب أنه كان يعني أنه قد يضطر إلى قبول معدل أعلى من الضرائب يفوق نسبة 25 في المائة التي تدعو إليها خطته الضريبية المعلنة، ولتمرير خطته الضريبية عبر الكونغرس، فعليه على الأرجح أن يتقدم ببعض التنازلات، ولكن مع تقديم مثل تلك التنازلات، فإن المعدل الأقصى سيكون أقل مما عليه الوضع الآن، كما قال.
لم يوافق الكونغرس على تمرير بعض من مقترحات الرئيس أوباما الضريبية الأكثر طموحا، وقد يكون الكونغرس أكثر تقبلا بدرجة طفيفة حيال مقترحات الرئيس الجديد، والسيد ترامب، على سبيل المثال، سيجد من الصعوبة بشكل خاص أن يخفض معدلات الضرائب إذا ما سيطر الحزب الديمقراطي على مجلس الشيوخ بعد شهر نوفمبر (تشرين الثاني).
ومن غير المرجح أيضا بالنسبة للسيدة كلينتون أن تحصل على كل ما تريده إذا ما حاز الحزب الجمهوري على الأغلبية في كلا المجلسين.
ولا يعني ذلك أن قضايا الضرائب لن تكون لها الأولوية في الانتخابات، حيث يمكن للسيد ترامب والسيدة كلينتون استخدام ورقة الخطط الضريبية لإلقاء الضوء على برامجهم الانتخابية الرئاسية، ولخصومهم كذلك، أثناء محاولتهم استمالة أصوات الناخبين المترددين.
ومن شأن التخفيضات الضريبية الخاصة بالسيد ترامب أن تساعده على كسب أصوات الناخبين الذين يشعرون بالقلق حيال بعض الأفكار الأخرى أو حيال لهجة الحملة الانتخابية خاصته.
ومع ذلك، فإن بعض الدعم الذي يتلقاه السيد ترامب يأتيه من أناس صارت تطلعاتهم الاقتصادية خافتة مع تزايد ثراء الأثرياء، ووفقا لخبراء ومحللي الضرائب، فإن الأثرياء ينتظرون ضرائب غير متوقعة أكثر مما يتوقعه أصحاب الطبقة المتوسطة في عهد السيد ترامب.
ويقدر مركز السياسة الضريبية، وهو مشروع مشترك بين المعهد الحضري، يساري التوجه، وبين معهد بروكينغز، أن سياسات السيد ترامب، في المتوسط، ستمنح شريحة الـ1 في المائة من دافعي الضرائب الأثرياء تخفيضا على الضرائب الفيدرالية بقيمة 275 ألف دولار، أو ما يساوي 17.5 في المائة من الدخول بعد استحقاق الضرائب، بينما الأسر من الطبقة المتوسطة ستحصل على تخفيضات بقيمة 2700 دولار، أو ما يساوي 5 في المائة من الدخول بعد استحقاق الضرائب.
لذا؛ سألت السيد ترامب، لماذا لا تفرض الضرائب على الأثرياء بمعدلات أعلى مما هو مفروض عليهم اليوم؟ فأجابني قائلا: «إنني أريد أن تكون الضرائب منخفضة على الجميع بقدر الإمكان، وعندما نبدأ في زيادة الضرائب على الناس، فسيغادرون البلاد على الفور، وفي كثير من الأحيان يكونون هم الناس الذين يوجدون فرص العمل».
من شأن خطة الضرائب الخاصة بالسيد ترامب أن تعرضه للمشاكل على جبهة أخرى، حيث يقول محللو الميزانية: إن خفض الضرائب بالمعدلات التي يتصورها قد يؤدي إلى انخفاض كبير في الإيرادات، ويقدر مركز السياسة الضريبية أن يبلغ انخفاض الإيرادات مبلغ 9.5 تريليون دولار خلال 10 سنوات، ومع وضع هذا المبلغ في الحسبان، فلقد حققت الحكومة الفيدرالية أرباحا العام الماضي تقدر بـ3.2 تريليون دولار، وإن لم ينخفض الإنفاق في المقابل، ولم يتمكن الاقتصاد في توفير المزيد من الإيرادات، فسيتعين على الحكومة الفيدرالية الاقتراض لتغطية العجز المتحقق؛ مما يزيد من الدين العام الداخلي.
توقعات العجز الكبير هذه تعزز موقف السيدة كلينتون، كمدير مالي سليم الرؤية، والتي يمكن أن تساعد في دعم جهودها لاستمالة المزيد من الناخبين الجمهوريين المعتدلين المترددين بشأن السيد ترامب، وزيادات الضرائب لدى السيدة كلينتون من شأنها، من الناحية النظرية، أن تعوض الإنفاقات لديها، وفقا لدراسة أجرتها لجنة الميزانية الاتحادية المسؤولة، وهي منظمة سياسية تخدم توجهات الحزبين الكبيرين.
يشكك السيد ترامب، من جهته، في فكرة أن الانخفاض الحاد في الإيرادات سينجم عن تخفيضاته الضريبية المزمعة، حيث يقول عن ذلك «إن تلك الأرقام مجنونة»، مشيرا إلى أن الاقتصاد شهد نموا قويا في أعقاب التخفيضات الضريبية الكبرى في عهد الرئيس الراحل ريغان (ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الاقتصاد الأميركي قد شهد نموا كبيرا كذلك في أعقاب الزيادات الضريبية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون).
وماذا لو أن السيدة كلينتون قالت: إن توجهها المالي أكثر تحفظا من السيد ترامب؟ أجاب السيد ترامب عن ذلك قائلا: «ولكنها لن تنجح في تسيير دفة الاقتصاد».
من خلال تركيز السيدة كلينتون للزيادات الضريبية بالكامل على الأثرياء تقريبا، فإنها تقول: إنه لا يتعين عليها ممارسة المزيد من الضغوط على الطبقة المتوسطة، ويساعدها هذا الموقف العزف على وتر حساس لدى الناخبين المعنيين بعدم المساواة في الدخول، وإذا ما سعت نحو الحصول على ترشيح الحزب، قد يساعدها ذلك في استمالة المؤيدين للسيناتور بيرني ساندرز في نوفمبر.
ومن واقع خطة السيدة كلينتون الضريبية، فإن شريحة كبيرة من الإيرادات الإضافية ستأتي من الحد من المقدار الذي يمكن لأصحاب الدخول العالية اقتطاعه من دخولهم الخاضعة للضرائب، ويمكن للناس أن يسددوا 4 في المائة زيادة في الضرائب على الدخل الذي يجاوز 5 ملايين دولار في العام.
وبالنسبة لأولئك الذين يحققون دخولا تزيد على مليون دولار في العام، فقد يواجهون الحد الأدنى من الضرائب بمقدار 30 في المائة، وهي القاعدة المعروفة باسم قاعدة بافيت، كما أن التغييرات الضريبية المقترحة من جانب السيدة كلينتون قد تؤدي إلى أن يسدد الأثرياء المزيد من الضرائب.
ويهدف السيد ترامب، بالإضافة إلى تخفيض ضرائب الدخل على الأثرياء، إلى التخلص من الضرائب العقارية تماما.
ومع ذلك، فهناك عناصر في خطته قد يسلط الضوء عليها إذا ما وجهت له الاتهامات بمحاباة الأثرياء، وعلى غرار السيدة كلينتون، فهو يريد تخفيض أو إلغاء الخصومات على الأثرياء، وعندما سألت السيد ترامب عن نوع الخصومات التي ينتوي الحد منها، قال مجيبا «إننا نعمل على إعداد قائمة بمختلف الخصومات، وسننشر تلك القائمة خلال الأسبوع المقبل»، وربما بعد ذلك، يمكن لشريحة الـ1 في المائة أن تكون قادرة على معرفة ما إذا كان هناك شيء يدعوهم للخوف من السيد ترامب.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.