النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

أسست للحظة نقدية الكبرى دشنت {انقلابًا كوبرنيكيًا} في القرن الثامن عشر

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة
TT

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

النزعة الإنسانية ومفهوم النقد في دائرة الأخلاق والسياسة

صدر عن دار أفريقيا الشرق، أخيرًا، كتاب «النزعة الإنسانية وإرث الأنوار»، للمفكر المغربي وأستاذ الفلسفة والحداثة السياسية في جامعة عبد المالك السعدي، مصطفى حنفي. في هذا الكتاب، حفر جينيالوجي، تتبع فيه الباحث مفهوم النزعة الإنسانية، ومفهوم النقد، اللذين تأسست عليهما الأنوار. كما يرمي الكتاب في بعده الاستراتيجي، إلى مسألة الأنوار وعصر النهضة الممهد له، ليبني موقفا من التنوير، وذلك استنادًا إلى أقوى آلياته، وهي النقد في عالم معاصر ما أحوجنا فيه إلى التنوير. من الناحية المنهجية، قسم مصطفى حنفي الكتاب، إلى مجموعة من الأقسام والفصول، جاءت معنونة على الشكل التالي:
1 - في الحاجة إلى النقد في الحاجة إلى التنوير:
يحدد مصطفى حنفي في بداية هذا الكتاب، مساراته ويقول: «تتجه الفصول الكبرى التي يتخذها الحضور الفلسفي للنزعة الإنسانية، في دائرة الأخلاق والسياسة. وهي تنطلق من تحديد أولي لطبيعة هذا الحضور وحقل تأملاته، باعتباره حاجة مطلوبة في تاريخ محاصر، وفي أزمنة تعاني دوغمائية الأفكار القطعية، المتجاهلة لقيم هذه النزعة في بناء نموذج الحقيقة». فالأنوار التي أسست للعصر الحديث وجعلت إسهامها فيه جزءا من التاريخ الكوني للبشرية، بلغتها وإشكالياتها ومفاهيمها الكبرى، هي ما أسس للحظة النقدية الكبرى التي دشنت انقلابا كوبرنيكيا في القرن الثامن عشر، تجسد بشكل أوثق مع إمانويل كانط. ويضيف الدكتور مصطفى حنفي، إن العقلانية «التنويرية مع جماعة الموسوعيين الفرنسيين وكتاب نظريات العقد الاجتماعي والنزعة النقدية الكانطية، جعلت من النقد الكاشف عنوانا لعصر بأكمله. وتجلت بالتالي، المهمة المطروحة على هذا العصر، في تخليص الإنسان من أشكال الوصاية كافة، والتبعية التي تكاتف التقليد الفكري والديني والسياسي بفرضه على العقل البشري ردحا من الزمن، سواء تلك التي فرضتها عليه المؤسسة الدينية، أو تلك التي عملت على تكريسها السلطة البشرية. وبالفعل فلقد كان هذا العصر، عصر التنوير، هو «قرن النقد بأتم معنى الكلمة، النقد الذي ينبغي أن يخضع له كل شيء بعبارة كانط نفسه».
لم تكن فلسفة الأنوار، من حيث مقاربة حنفي، رهانا ثقافيا وفلسفيا براغماتيا بالمعنى الاقتصادي للكلمة. بل كانت رهانا كونيا على بناء فلسفة تستطيع تأطير إشكالات الوجود البشري في بعدها الكوني، وتأسيسها على دعائم «عقلانية جديدة، يحضر فيها مبدأ الحق وتحضر بجوارها وبوحي منها قيم وأخلاقيات العقل العملي من وجه آخر». وهو ما يفرض بالضرورة، فلسفة تشريع للجنس البشري، وتحديد قواعد الانتماء إلى هذا الجنس، والتي تفرض «الفصل بين الروحي والزمني، بين الثيولوجي والسياسي. وهو ما حول نسيج الكتابة الفلسفية في معناها الواسع في النص الأنواري، إلى «بيان نقدي»، إن صح التعبير، في وجه تاريخ محاصر تغذيه الأوهام ونير التعصب واللاتسامح».
يريد حنفي من خلال هذه البداية، المعنونة بشعار «في الحاجة إلى النقد في الحاجة إلى الأنوار»، أن يطرح في الفكر الفلسفي في العالم العربي، تصورا سياسيا / فلسفيا - ولو عن طريق التلميح والرمز - يستند إلى فلسفة الأنوار وإرث الأنوار، الذي تأسس على رؤية نقدية للتراث الثقافي والأدبي والسياسي واللاهوتي، الذي ساد منذ أرسطو. وفي طرح الحنفي لهذا التصور، نجده يوجه رسالة ضمنية، لصانعي القرار السياسي والمنشغلين بالفكر السياسي، وكذلك الفاعلين في الميدان، أو مناضلين باللغة الحقوقية في العالم العربي، يقول فيها: إنه لا تنمية ولا تقدم من دون الاستناد إلى مشروع تنويري مبني على النقد وطرح السؤال / سؤال الراهن السياسي في بعده الكوني / العملي.
2 - في معاني النزعة الإنسانية:
ووفقا لمصطفى حنفي، فمفهوم «النزعة الإنسانية Humanisme، هو من بين المصطلحات الأكثر تعقيدا والتباسا في الثقافة الغربية الحديثة. فهو يغطي من باحث إلى آخر ومن فلسفة إلى أخرى، إجراءات وموضوعات ترتبط بنوع من القرابة في المعنى، باصطلاحات تميل إلى حدوده. مثل الإنسانية والإنسانوية». وحسب معجم لالاند، فمادة الإنسانية تشير إلى أربعة مستويات من الدلالة عرضها حنفي كما يلي:
أ‌ - معنى تاريخي: دال على الحركة الفكرية المتمثلة في إنساني النهضة بتراك، إرازم، غيوم، بودي. وقد اتصفت هذه الحركة، بجهودها القوية لرفع قيمة الفكر الإنساني، ولوضعه في المقام المناسب. فربطت بين الثقافة الحديثة والثقافة القديمة، خلال العصور الوسطى والعصور المدرسية التابعة لها. ويستشهد لالاند على هذا المعنى، بتعريف لأحد المؤرخين، «لا تعني النزعة الإنسانية مجرد تذوق للعصر فحسب، بل تعني أيضا عبادة وتقديسا لا يقف عند حدود الافتتان بذلك الموروث القديم، وإنما إلى إعادة إنتاجه. والإنساني هو ذلك الشخص الذي لا يكتفي بالاطلاع على المعارف القديمة واستيحائها. بل هو الذي تسحره شهرتها، فيقوم بنسخها ومحاكاتها، فيتبنى نماذجها وأنماطها، أفكارها ولغتها».
ب‌ - معنى براغماتي: وهو الذي أطلقه ف.ج. شيلر من أكسفورد، على المذهب الإنساني الذي عرض له في مؤلفاته الإنسانية خاصة، والفلسفية عامة، الصادرة في لندن 1903 - 1907. وقد قدم لها بحكمة برثاغوراس، القائلة «إن قضية ما تعتبر صحيحة أو خاطئة تبعا لنتائجها، التي تتضمن قيمة عملية أو تكون مجردة منها. فالحقيقة أو الخطأ، يرتبطان بما ترمي إليه. فإذا كانت الحياة العقلية تفترض غايتها، فإن تلك الغايات لا يمكنها أن تكون إلا على النحو الذي تكون عليه. وبالتالي ينتج عن هذا، أن كل معرفة هي على وجه التحديد، مرتبطة بالطبيعة الإنسانية وبحاجاتها الأساسية». ثم يضيف شلر، أنه لا يمكن استعمال مصطلح النزعة الإنسانية على وجه مفيد، إلا بمراعاة شعور الموجودات البشرية بالمشكلة الفلسفية، وسعيهم لفهم عالم التجربة الإنسانية اعتمادا على ملكات الفكر الإنساني».
والنزعة الإنسانية حسب شيلر، ليست براغماتية في معناها الضيق، وإنما هي تكثيف لدلالات تاريخية / جمالية / فلسفية / أدبية، ترفض الميتافزيقا، وتعري اختلافها عبر العصور، وكيف تم تبريرها وفق الحاجات الفردية، أو تبعا لمصالح جماعية. والنزعة الإنسانية في عمقها الفلسفي، كما يوضح الدكتور حنفي، استنادا إلى لالاند، هي تمسك الإنسان بفضيلة الانتماء إلى كل ما تقوم به ماهيته. ويضيف: «يشير معنى الإنسانية إلى تصور عام للحياة (السياسية والاقتصادية والأخلاقية)، والمبدأ الذي يؤسسها، هو الاعتقاد في خلاص الإنسان بواسطة القوى الإنسانية. ويتعارض هذا الاعتقاد بكيفية صارمة مع المسيحية. إذ كان يدل على أن خلاص الإنسان إنما يتوقف فقط على حقوق الله وقوة الإيمان». أما المعنى اللاهوتي، فـ«يؤكد على أهمية طبيعة الإنسان المركبة من الغايات الإنسانية (الفن / العلوم / الأخلاق والدين)، والغايات الطبيعية الماثلة في صميم طبيعته، أي طرفي التعارض في الإنسان، بين الإرادة العليا والإرادة الدنيا». ويستدرجنا الحنفي من خلال استحضاره لتعدد الدلالات والمعاني التي طبعت مفهوم «الإنسانية» في لحظته التاريخية، أي القرن الخامس عشر والسادس عشر، وصولا إلى الأنوار، ليكشف عن الخلفية الآيديولوجية التي أصبح يوظف بها المفهوم، وكذلك القيم الحامل لها في عصرنا الحالي، تحت تبرير حقوق الإنسان، حيث يقول: «فإذا نحن أضفنا إلى هذا - أي تعدد الدلالات والمعاني - عنف الواقع الذي عاناه الإنسان المعاصر، خلال حربين عالميتين، وما أعقبهما من اضطرابات ونزاعات من أجل السيطرة وبسط الأطماع، واستعباد الشعوب المطالبة بحريتها واستقلالها، أدركنا العوامل التي جعلت فكرة الإنسانية تتحول، في الأدبيات السياسية المعاصرة، إلى شعار دفاعي يغطي تناقضات الواقع وينشر فوقه وجدانية فضفاضة، يحركها روح الإخاء، لتشمل التعبير عن إنسانية تعلو عن الفوارق والاختلافات». وحسب حنفي، فذلك هو ما يجسده (تضخم الشعارات) الإنسانية التي رفعها أنصار (الإنسانية) من أجل بلورة الفلسفة الإنسانية التي تضمنتها المواثيق الدولية والوطنية، بصدد ما يطلق عليه في لغة الحقوقيين (حقوق الإنسان)، أي حقوق جميع البشر في كل زمان ومكان».
3 - إنسانية النهضة:
لم يكن من الممكن للنهضة أن تؤثر في التاريخ البشري والفكري، من دون صياغتها لمفاهيم جديدة قادرة، بقوتها الإجرائية، على التأثير في الواقع والعمل على تغييره. بل إن طبيعة المفاهيم التي جاءت بها النهضة، كانت قادرة على الاستجابة لطموحات القوى الصاعدة التي ملت السكون الذي فرضته الكنيسة على المجتمع، والطامحة إلى وجود تصور جديد يمنح للواقع تصورا أكثر ديناميكية. وهو ما جعل حنفي في هذا الكتاب، يرى إنسانية النهضة ونزعتها الإنسانية، ليست إلا إعطاء القيمة للحركة la valeur du mouvement، ومفهوم التقدم كمحرك للتاريخ. وقد انصب مفهوم التقدم عند إنسانيي النهضة، على فرض غاية ينحو إليها التاريخ تمجد من الإنسان، وترسم له أمثل صوره، وكذلك القيم التي يمكن أن يكون عليها وفي هذا الصدد حسب حنفي، ركز خطاب النهضة في استراتيجيته على:
- الكتاب المقدس في نصه الأصلي
- العالم القديم (الإغريقي - الروماني)
من هنا يتبين كيف أن عملية التقدم كانت تقتضي لحظة وعي تاريخي بأهمية التراث وضرورة بعثه. لا للإقامة فيه، بل من أجل غربلته والوقوف على عناصر التقدم في داخله، وعناصر الجمود والارتكاس من أجل لفضها وتعرية آيديولوجيتها. وهو ما قام رواد النزعة الإنسانية مسلحين بنظرة جمالية / فنية / أدبية / موسيقية / علمية... جديدة للواقع والعالم والذات، مؤسسينها على دينامية الحركة، حركية الواقع والفكر في شكل متأن، وهو ما شكل نسفا جذريا للنص اللاهوتي في صيغته البابوية، التي كانت توظفه من أجل الحفاظ على تصور للكون، والواقع يضمن استمرارية مصالحها ورهاناتها، ولعل صرخة «جوردانو برونو» تعبر بشكل دقيق على هذه الدينامية الجديدة حين يقول كما أورده حنفي في هذا الكتاب الذي نقوم بقراءته «إن العالم هو كل لا متناه ليست له أطراف أو حدود، أو سطوح وأقول إن الكون لا يعني بكيفية جامعة أنه لا متناه، ما دام كل جزء من أجزائه متناهيا، ومادامت العوالم الكثيرة التي يشملها بدورها متناهية، ثم أقول إن الله هو بكيفية جامعة لا متناه، لأنه حاضر في العالم وفي كل جزء من أجزائه». وهنا يبدو واضحا تأثير الثورة الكوبرنيكية، فلم يعد هناك عالم الكون والفساد التي تصوره أرسطو ودافعت عنه الكنسية، بل أصبح الله جزءا من هذا العالم. ليس مطابقا لتركيبه، ولكن محايثا من حيث المكان والزمان وملازما له. إذ تقضي الحكمة الإلهية أن لا يظل الله خارج العالم يتفرج. وهذا ما عبر عنه برونو. وبعبارة أخرى، يقول حنفي: يمكن «أن ننظر إلى مساهمات الإنسانيين على أنها رسمت قارة الإنسانية بلغة تقريظية ملتهبة، تسعى إلى إبراز أشكال التداخل بين الطبيعة والإنسان، فاتحة بذلك تيار العقلانية في حركة النهضة بكل أبعادها المعرفية والسياسية والتربوية. إن هذا يعني أن فكرة إعادة الاعتبار إلى الإنسان، عبر التراث القديم ونقد التصورات والأشكال العتيقة للنظم الفكرية واللاهوتية السائدة، والميل نحو إعادة توجيه التفكير النقدي إلى الحاضر» الذي أعاد مركز السلطة إلى تجربة الفرد وعقله، كل هذه إذن عناصر رئيسية في الإطار المرجعي الذي استندت إليه إنسانية النهضة علوما وفلسفة وأدبا وفنا، في صراعها مع وثوقية الأفكار الدينية واللاهوت الكنسي.
4 - إنسانية الأنوار: رهانات الأخلاق والسياسة
تتجلى راهنية الأنوار، حسب حنفي، من خلال تأسيسها النظري للكثير من الأفكار السياسية التي تشكل جوهر الصراع السياسي المعاصر ويمثل لذلك بالكثير من الخطابات التي ترفع اليوم في الإعلام والمنظمات الحقوقية وينادي بها الزعماء السياسيون بأمثلة من الكتابات المؤسسة للأنواريين. فمثلا خطاب التسامح يمكن العودة به إلى فولتير، الذي أكد على الابتعاد عن الاختلافات العقدية، لضيق أفقها وعدم تسامحها. بل سعى حنفي، إلى أن يوضح قيمة هذا التراث الأنواري، من خلال عودة مجموعة من الفلاسفة المعاصرين إليه، كجون راولز مثلا في تصوره للعدالة وفي تأسيسه إلى قيمها.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.