المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

تأثرت بالمواقع الإلكترونية والتمويل والتوزيع ومطالبات بدعمها حكوميًا

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير
TT

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

منذ بدايات القرن العشرين، واجهت المجلات الثقافية العربية فترات ازدهار وفترات اضمحلال، تبدو جلية مع فترات الحراك السياسي والاجتماعي. وطرحت أزمة الإغلاق المفاجئ لمجلة «دبي» الثقافية مؤخرا، تساؤلات عدة حول أزمة المجلات الثقافية هل هي غياب الدور أم الرسالة؟ أم العجز عن مخاطبة جيل الشباب الذي يحلق في فضاءات مواقع «السوشيال ميديا»؟ أم أنها أزمة الصحافة الورقية بشكل عام؟ استطلعت «فضاءات» آراء عدد من رؤساء تحرير المجلات والملاحق والمواقع الثقافية في العالم العربي، في محاولة للوقوف على أسباب الأزمة التي ظهر تشعبها وارتباطها بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارتباط المجلات الثقافية بالدور الإقليمي للدولة وتصدير توجهاتها عبر الثقافة واجهةً لها، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجهها في عدد من الدول.
في مصر، تعاني المجلات الثقافية عثرات كثيرة، لكنها تحاول الصمود، فهي تعاني بشكل جلي معضلة التمويل، فضلا عن تراجع الصحافة الورقية المصرية بوجه عام، ما دعا وزارة الثقافة المصرية في أبريل (نيسان) الماضي لتشكيل لجنة عليا لتقييم أوضاع المجلات الثقافية، وبحث غلق بعضها أو دمجها. بدأت أزمة «المجلات الثقافية» منذ بداية سبعينات القرن الماضي، حيث تراجعت الحركة الثقافية مع هجرة المثقفين واستهداف الثقافة من قبل الدولة ممثلة في ملاحقات واعتقالات، فقد توقفت في ذاك الوقت مجلات «الكاتب»، «الطليعة»، «الفكر المعاصر»، «المجلة» والتي كان لها دورها في تقديم جيل جديد من المبدعين والأدباء. أما في التسعينات، فتصدرت وزارة الثقافة المشهد ودفعت بعدد من المجلات منها «فصول»، و«القاهرة» التي تحولت الآن إلى جريدة أسبوعية، ومجلة «إبداع»، و«سطور». وكانت من أبرز المجلات الخاصة «وجهات نظر» التي كان لها طابع مميز، ومجلة «أدب ونقد» التي كانت تصدر عن حزب التجمع منذ عام 1984، ومجلة «الكتابة الأخرى» التي تصدر وتتوقف من آن لآخر، ومجلة «أمكنة» الفصلية للشاعر علاء خالد، وهي أيضا غير ثابتة في الصدور، كذلك توقفت مجلة «تحديات ثقافية» التي كان يصدرها الشاعر مهدي بندق.
يقول رئيس تحرير مجلة «الهلال» الروائي سعد القرش: «أزمة المجلات الثقافية في الوطن العربي تؤكد أن المال لا يصنع الثقافة، لكنه قد يصنع أنشطة صاخبة، ويصنع مجلات عدد قرائها في بلد الصدور أكبر من عدد كتابها، لكنه لا يضمن استمراريتها». ويشير إلى أن «سبب الأزمة غياب المراكز الثقافية الكبرى في العالم العربي، كمصر وبغداد وبيروت ودمشق، والتحولات السياسية الجارفة التي تمر بها؛ ما أدى إلى خلل كبير، فضلا عن افتقار المجلات الثقافية إلى العمق الثقافي والقدرة على الإنجاز وتحدي المواقع الثقافية الإلكترونية». وعن وضع مجلة «الهلال» التي ظلت صامدة منذ صدورها قبل 125 عاما، يقول: «المجلة مدعومة بكتابها العرب الذين يتنازلون عن أجورهم في مقابل رؤيتهم للمجلة التي تربوا عليها».
ويشير إلى أن «مشكلة الهلال كباقي المجلات المصرية تعاني غياب الدولة عن التوزيع، حيث إن الشركة القومية المنوطة بالتوزيع والتي تحتكره لا تقوم بدورها، فلا توزع المجلة في الدول العربية، فالكتاب العرب لا يرون إبداعهم، ورغم ذلك هم مستمرون في دعمنا».
ويسلط القرش الضوء على الأسباب الكامنة وراء الأزمة: «بداية من عهد جمال عبد الناصر أشك أن هناك حاكما مصريا قرأ كتابا، فالدولة في حالة عداء مع المثقفين الذين كان يسميهم السادات «الأراذل»، فلا توجد رؤية لدى أي رئيس أو للدولة ككل تتعلق بالثقافة، قد تكون المجلات الثقافية مجرد واجهة لبعض الدول، لكنها بالنسبة لمصر دور ورسالة وعبء نتحمله».
«الأزمة..أزمة تلقٍ بالأساس» هكذا يكشف الروائي أشرف الخمايسي، الذي يعمل في مجلة «الثقافة الجديدة» التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، عن واقع بعض المجلات الثقافية المصرية التابعة للدولة، قائلا: «للأسف مجلات مثل (مسرحنا) و(خيال) لا تباع منها سوى 20 نسخة في دولة تعداد سكانها يفوق 90 مليون نسمة، أما مجلة «الثقافة الجديدة» فهي توزع ما بين ألفين إلى 3 آلاف نسخة»، مضيفا: «للأسف المجلات الثقافية تخاطب المثقفين فقط، وهذا خطأ فادح، فالمثقفون يكتبون لنفسهم، يقرأون ما يكتبونه وما يكتبه أصدقاؤهم في أضيق الحدود، بل ويشترون الأعداد التي ينشر بها ما يكتبون فقط».
وعن حل الأزمة من وجهة نظر صاحب رواية «منافي الرب»، يرى أنه «لا بد من التوجه للناس ولعامة الشعب من غير المثقفين؛ فالهدف أن نخاطبهم ونعبر عنهم، هذه المجلات أداة لتوصيل الثقافة ونشرها، ولا يصح أن تظل منغلقة على جماعة بعينها، وإتاحة الفرصة لكل من يرغب في نشر إبداعه دون قيود وتعنت».
ويحاول شباب المبدعين المصريين التغلب على الوضع المظلم في الصحافة الثقافية بوجه عام، بمبادرات فردية وجماعية عدة للبحث عن بدائل ممكنة وقنوات لنشر إبداعاتهم. تحدثنا إلى الكاتب سامح فايز، وهو صحافي يكتب في عدد من المجلات والجرائد الثقافية من بينها جريدة «القاهرة» الأكثر استقرارا نظرا لدعم الدولة لها، والذي كانت له تجربتان في تأسيس موقعين ثقافيين؛ لنشر الأخبار والفعاليات الثقافية والإبداع الشبابي على الإنترنت، هما: «الشباك»، و«كتب وكُتاب»، ومؤخرا أسس مبادرة جديدة أسماها «التيار الثقافي البديل». يقول: «النشر في المجلات الثقافية منغلق على جماعات معينة، وهذه المبادرة رد فعل على حالة الإحباط التي تسود في الوسط الثقافي المصري، في ظل تراجع دور وزارة الثقافة المصرية وحالة التردي السائدة منذ عام 2000 تقريبا». ويرجع الأسباب في أزمة المجلات الثقافية إلى «عدم مجارات التغييرات الاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمعات العربية، وعدم الاستجابة للتطورات التكنولوجية التي أفرزتها الصحافة الإلكترونية، وتطور الـ«سوشيال ميديا» وانجذاب الشباب لها، فهم يتابعون الأخبار والفعاليات عبرها، فما الذي سيجعل الشباب ينتظر مجلة تصدر كل شهر؟
ويضيف فايز: «صحيح أن بعض المجلات التابعة للوزارة شهدت طفرة بعد تغيير إدارتها مثل: (عالم الكتب) و(إبداع)، لكن ذلك لن يدوم لأن ذلك مرهون بتغيير الإدارة وفقا لمدة عمل محددة». ويشير إلى أنه حينما ترأس تحرير موقع «كتب وكتاب» تصفحه 30 ألف مستخدم، وتابعه 20 ألف على «فيسبوك»، وكانت تجربة ناجحة جدا سدت ثغرة في الوسط الثقافي، لمتابعته الفورية للفعاليات الثقافية، إلا أن الأزمة المالية وعدم وجود تمويل أطاحت به بعد أشهر».
وتحاول الهيئة المصرية العامة للكتاب، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، اتباع استراتيجية لتطوير المجلات التي تصدر عن الهيئة، كما وقعت الهيئة مؤخرا برئاسة د.هيثم الحاج على بروتوكول لطباعة مجلة «أدب ونقد» الخاصة، ودعمها في إطار دعم النشاط الثقافي للأحزاب، وشكلت لجنة لإعادة تقييم المجلات الثقافية التي تصدر عنها وتقنين أوضاعها.
يقول الكاتب الصحافي مصطفى عبد الله، رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابق، وعضو لجنة التقييم بالهيئة المصرية العامة للكتاب: «شكّل وزير الثقافة لجنة عليا لبحث آليات النشر بالمجلات التي زاد عددها عن 20 مجلة ولا تحقق مبيعات منذ عشرات السنين ومستمرة في الصدور برغم ضعف عدد القراء، واللجنة التي تضم الدكتور جابر عصفور وعددا من كبار المثقفين في مصر، تحاول النظر في استمرار هذه المجلات أو دمجها وإغلاق بعضها».
ويعزي عبد الله السبب الرئيسي لأزمة أغلب المجلات الثقافية في مصر إلى «نمطيتها وجمودها، ووجود هيئة تحرير ثابتة أدى بها إلى هذا الوضع المتردي، حيث تحرص هيئة التحرير على صدورها بغض النظر عن محتواها ومضمونها، فلا سياسة توزيع ولا سعي للقارئ، وتتجسد المأساة في تراكم الأعداد المرتجعة في المخازن». ويرى عبد الله أن «للصحافة الإلكترونية تأثيرا مباشرا في المجلات الثقافية، وكان لها أيضا أثر كبير على حركة الإبداع ذاته، فخلقت فضاء واسعا لأدباء الصعيد، وقلصت معاناتهم لنشر إبداعاتهم، وكشفت زيف الأدباء المُدعين»
وعن أزمة مجلة «دبي» الثقافية التي كان يكتب بها عمودا ثابتا، قال: «أصبح المسؤولون عن المجلات الثقافية في وضع حرج بعد الإغلاق المفاجئ لـمجلة «دبي»، التي كانت تنعم بالاستقرار، وكان توزيعها يتخطى 70 ألف نسخة شهريا، وكذلك أزمة مجلة «العربي» التي كانت توزع أكثر من 100 ألف نسخة، وهي أرقام قياسية للمجلات الثقافية، وتعرض تلك المجلات الناجحة للإغلاق أمر ينبئ بخطورة حجم المشكلة أمام المجلات الخليجية التي قامت بدور كبير في مد الجسور الثقافية بناء على رؤية ثقافية، لكنها للأسف لم تعكس الواقع الخليجي؛ لذا أعتقد أن هذا سبب رئيسي في اختلالها».
التخلي عن المشروع الثقافي أيضا سبب رئيسي وراء أزمة المجلات الثقافية، وهو ما لفت إليه الروائي إبراهيم فرغلي، عضو هيئة تحرير مجلة «العربي» الكويتية، الذي يقول: «أغلب المجلات العربية تصدر بدعم حكومي من الدول التي تصدرها، ولكن الاختلاف ربما يكمن في المناخ الذي تأسست فيه هذه المجلات على يد رواد من المثقفين ومن أصحاب الرؤية السياسية الذين كانوا يرون في تطور العقل العربي ضرورة للتنمية، أما الآن ففي ظل الاستقطابات السياسية دخلت الحكومات طرفا يريد أن يراقب كل شيء، إما خوفا من الفتن الطائفية، أو خوفا من الحسابات السياسية الدقيقة، وبالتالي لم يعد للمشروع الثقافي الآن الأولوية كما كان الأمر في الماضي». ويضيف: «أي دولة قد تفرض حالا من التقشف فسيصيب الثقافة قبل غيرها. طبعا هذه مفارقة مؤلمة؛ لأن الواقع الراهن بكل ما نراه فيه من تغيرات واضطرابات وتنام للعنف وانتشار الإرهاب يكاد يؤكد أن الثقافة التي كانت حكرا على الدوريات والمؤسسات الثقافية تحتاج إلى أن تدخل في نسيج التعليم العام لكل الدول العربية وليس التخلي عن المشروع الثقافي».
ويسلط فرغلي الضوء على أسباب أخرى «طبعا هذا كله يأتي مع وجود جيل جديد يتعاطى ثقافة جديدة ويتابع ما يحدث في العالم ويفقد الثقة بسرعة في أي مطبوعة تبدو له جامدة أو بعيدة عن روح العصر وثقافته. ويلفت إلى أن الحل يكمن في «ضرورة أن يدخل العلم والاهتمام بالعلوم مع الثقافة والفكر اليوم في شكل مطبوعات شابة تناسب روح العصر وتقدم الأسئلة العميقة في أشكال صحافية تناسب الشباب. الثقافة ليست ترفا وليست أولوية مؤجلة كما قد يتصور البعض».
المملكة العربية السعودية، تواجه المجلات الثقافية أزمات أيضا وتحديدا المجلات الخاصة، وفقا للمثقف السعودي محمد السيف، رئيس تحرير «المجلة العربية»، الذي يقول: «هناك عزوف كبير من الشباب وجمهور القراء في الوطن العربي عن المواد الدسمة والموضوعات الأدبية الكلاسيكية، التي كانت تطرحها المجلات الثقافية في القرن الماضي، وهناك تأثير كبير ومباشر من مواقع (السوشيال ميديا) على كل من المجلات والمواقع الثقافية». ويشير «تعرضت (الفيصل) منذ عامين لأزمة تمويل وتوقفت وعادت لتصدر كل شهرين، كذلك تستمر معاناة مجلات أخرى مثل «المنهل»، و«القافلة»، لكن المجلة العربية لا تواجه تلك الأزمة؛ لأنها «مدعومة من الدولة ولها ميزانية مستقلة تكفل لها الاستقرار، فضلا عن حرصها على التواصل مع الأدباء والمبدعين الشباب من مختلف أنحاء الوطن العربي، ومد جسور التواصل معهم عبر نشر موضوعات متنوعة وتهمهم ومقابلات معهم ونشر إبداعاتهم، والحرص على التوزيع الجيد لها».
وحول تأثر المجلات الثقافية بوجود المواقع الثقافية الإلكترونية، يقول: «لم تؤثر تلك المواقع في المجلات، بل إنها أيضا تتعرض لأزمات أكبر ومشكلات مادية تؤدي لإغلاقها، فضلا عن عدم التفاعل معها أيضا».
ويرى السيف أنه «على الصحافة الثقافية بوجه عام أن تتقبل قدرها الحتمي بالإغلاق أو التواري؛ لأن الأزمة ليست فقط تمويل أو توزيع؛ مؤكدا «مفتاح الأزمة هو المضمون الذي تقدمه الصحافة الثقافية للجمهور».
وفي لبنان، أغلقت عدة مجلات ثقافية خلال القرن العشرين منها: «الأديب» الشهرية التي استمرت في الصحافة الأدبية من سنة 1942 إلى سنة 1983. وفي عام 2013 صدر العدد الورقي الأخير من مجلة الآداب البيروتية التي كانت واحدة من أهم المجلات الثقافية والأدبية في العالم العربي. أما في الوقت الحالي، فقد انعكست حالة الترهل والتشظي السياسي على الصحافة الثقافية، ورغم أن وزارة الثقافة اللبنانية أطلقت العام الماضي مجلة فصلية هي «شؤون ثقافية»، في محاولة لإنعاش المقاومة الثقافية، إلا أن أزمة الملحق الثقافي في جريدتي «النهار» و«السفير» كانت بمثابة طامة كبرى في الوسط الثقافي العربي لما لهما من ثقل. يقول الشاعر عباس بيضون، رئيس الملحق الثقافي بجريدة السفير، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «توقفت المجلات الثقافية منذ زمن بعيد، وهنالك أسباب عدة لتدهور الصحافة الثقافية في لبنان؛ أولها: بالطبع الوضع السياسي الذي يفرض على الجمهور أن يستقي الثقافة والمعلومات والأخبار من مصادر تتفق مع مواقفه وانتماءاته السياسية، ثانيها: انتشار المواقع الإلكترونية الثقافية التي أصبحت أسرع وأقرب للجمهور، ثالثها: مشاكل التمويل التي أصبحت تطيح ليس بالصحافة فقط، بل بصناعة النشر ككل، بسبب تكلفة الورق وانخفاض العائد». ويرى بيضون أن قدر الصحافة الثقافية هو الاضمحلال والتواري في ظل كل هذه الظروف، أما عن المثقف اللبناني وأين ينشر إبداعه، فقال: «يتجهون للمواقع الإلكترونية». وبصوت يحدوه تشاؤم كبير: «لا أجد حلولا للأزمة، وعلى ما يبدو أنها مستمرة ولن تجد المجلات الثقافية مخرجا؛ لأن الأسباب عميقة ومتجذرة ومتشابكة؛ لكن ربما يمكن للدولة والمؤسسات الاقتصادية الخاصة أن تقوم بدور في التمويل والدعم، ولا بد للمجتمع أن يتحمل المسؤولية تجاه الصحافة الثقافية وإلا فلا مفر من الإغلاق».



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.