المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

تأثرت بالمواقع الإلكترونية والتمويل والتوزيع ومطالبات بدعمها حكوميًا

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير
TT

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

منذ بدايات القرن العشرين، واجهت المجلات الثقافية العربية فترات ازدهار وفترات اضمحلال، تبدو جلية مع فترات الحراك السياسي والاجتماعي. وطرحت أزمة الإغلاق المفاجئ لمجلة «دبي» الثقافية مؤخرا، تساؤلات عدة حول أزمة المجلات الثقافية هل هي غياب الدور أم الرسالة؟ أم العجز عن مخاطبة جيل الشباب الذي يحلق في فضاءات مواقع «السوشيال ميديا»؟ أم أنها أزمة الصحافة الورقية بشكل عام؟ استطلعت «فضاءات» آراء عدد من رؤساء تحرير المجلات والملاحق والمواقع الثقافية في العالم العربي، في محاولة للوقوف على أسباب الأزمة التي ظهر تشعبها وارتباطها بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارتباط المجلات الثقافية بالدور الإقليمي للدولة وتصدير توجهاتها عبر الثقافة واجهةً لها، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجهها في عدد من الدول.
في مصر، تعاني المجلات الثقافية عثرات كثيرة، لكنها تحاول الصمود، فهي تعاني بشكل جلي معضلة التمويل، فضلا عن تراجع الصحافة الورقية المصرية بوجه عام، ما دعا وزارة الثقافة المصرية في أبريل (نيسان) الماضي لتشكيل لجنة عليا لتقييم أوضاع المجلات الثقافية، وبحث غلق بعضها أو دمجها. بدأت أزمة «المجلات الثقافية» منذ بداية سبعينات القرن الماضي، حيث تراجعت الحركة الثقافية مع هجرة المثقفين واستهداف الثقافة من قبل الدولة ممثلة في ملاحقات واعتقالات، فقد توقفت في ذاك الوقت مجلات «الكاتب»، «الطليعة»، «الفكر المعاصر»، «المجلة» والتي كان لها دورها في تقديم جيل جديد من المبدعين والأدباء. أما في التسعينات، فتصدرت وزارة الثقافة المشهد ودفعت بعدد من المجلات منها «فصول»، و«القاهرة» التي تحولت الآن إلى جريدة أسبوعية، ومجلة «إبداع»، و«سطور». وكانت من أبرز المجلات الخاصة «وجهات نظر» التي كان لها طابع مميز، ومجلة «أدب ونقد» التي كانت تصدر عن حزب التجمع منذ عام 1984، ومجلة «الكتابة الأخرى» التي تصدر وتتوقف من آن لآخر، ومجلة «أمكنة» الفصلية للشاعر علاء خالد، وهي أيضا غير ثابتة في الصدور، كذلك توقفت مجلة «تحديات ثقافية» التي كان يصدرها الشاعر مهدي بندق.
يقول رئيس تحرير مجلة «الهلال» الروائي سعد القرش: «أزمة المجلات الثقافية في الوطن العربي تؤكد أن المال لا يصنع الثقافة، لكنه قد يصنع أنشطة صاخبة، ويصنع مجلات عدد قرائها في بلد الصدور أكبر من عدد كتابها، لكنه لا يضمن استمراريتها». ويشير إلى أن «سبب الأزمة غياب المراكز الثقافية الكبرى في العالم العربي، كمصر وبغداد وبيروت ودمشق، والتحولات السياسية الجارفة التي تمر بها؛ ما أدى إلى خلل كبير، فضلا عن افتقار المجلات الثقافية إلى العمق الثقافي والقدرة على الإنجاز وتحدي المواقع الثقافية الإلكترونية». وعن وضع مجلة «الهلال» التي ظلت صامدة منذ صدورها قبل 125 عاما، يقول: «المجلة مدعومة بكتابها العرب الذين يتنازلون عن أجورهم في مقابل رؤيتهم للمجلة التي تربوا عليها».
ويشير إلى أن «مشكلة الهلال كباقي المجلات المصرية تعاني غياب الدولة عن التوزيع، حيث إن الشركة القومية المنوطة بالتوزيع والتي تحتكره لا تقوم بدورها، فلا توزع المجلة في الدول العربية، فالكتاب العرب لا يرون إبداعهم، ورغم ذلك هم مستمرون في دعمنا».
ويسلط القرش الضوء على الأسباب الكامنة وراء الأزمة: «بداية من عهد جمال عبد الناصر أشك أن هناك حاكما مصريا قرأ كتابا، فالدولة في حالة عداء مع المثقفين الذين كان يسميهم السادات «الأراذل»، فلا توجد رؤية لدى أي رئيس أو للدولة ككل تتعلق بالثقافة، قد تكون المجلات الثقافية مجرد واجهة لبعض الدول، لكنها بالنسبة لمصر دور ورسالة وعبء نتحمله».
«الأزمة..أزمة تلقٍ بالأساس» هكذا يكشف الروائي أشرف الخمايسي، الذي يعمل في مجلة «الثقافة الجديدة» التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، عن واقع بعض المجلات الثقافية المصرية التابعة للدولة، قائلا: «للأسف مجلات مثل (مسرحنا) و(خيال) لا تباع منها سوى 20 نسخة في دولة تعداد سكانها يفوق 90 مليون نسمة، أما مجلة «الثقافة الجديدة» فهي توزع ما بين ألفين إلى 3 آلاف نسخة»، مضيفا: «للأسف المجلات الثقافية تخاطب المثقفين فقط، وهذا خطأ فادح، فالمثقفون يكتبون لنفسهم، يقرأون ما يكتبونه وما يكتبه أصدقاؤهم في أضيق الحدود، بل ويشترون الأعداد التي ينشر بها ما يكتبون فقط».
وعن حل الأزمة من وجهة نظر صاحب رواية «منافي الرب»، يرى أنه «لا بد من التوجه للناس ولعامة الشعب من غير المثقفين؛ فالهدف أن نخاطبهم ونعبر عنهم، هذه المجلات أداة لتوصيل الثقافة ونشرها، ولا يصح أن تظل منغلقة على جماعة بعينها، وإتاحة الفرصة لكل من يرغب في نشر إبداعه دون قيود وتعنت».
ويحاول شباب المبدعين المصريين التغلب على الوضع المظلم في الصحافة الثقافية بوجه عام، بمبادرات فردية وجماعية عدة للبحث عن بدائل ممكنة وقنوات لنشر إبداعاتهم. تحدثنا إلى الكاتب سامح فايز، وهو صحافي يكتب في عدد من المجلات والجرائد الثقافية من بينها جريدة «القاهرة» الأكثر استقرارا نظرا لدعم الدولة لها، والذي كانت له تجربتان في تأسيس موقعين ثقافيين؛ لنشر الأخبار والفعاليات الثقافية والإبداع الشبابي على الإنترنت، هما: «الشباك»، و«كتب وكُتاب»، ومؤخرا أسس مبادرة جديدة أسماها «التيار الثقافي البديل». يقول: «النشر في المجلات الثقافية منغلق على جماعات معينة، وهذه المبادرة رد فعل على حالة الإحباط التي تسود في الوسط الثقافي المصري، في ظل تراجع دور وزارة الثقافة المصرية وحالة التردي السائدة منذ عام 2000 تقريبا». ويرجع الأسباب في أزمة المجلات الثقافية إلى «عدم مجارات التغييرات الاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمعات العربية، وعدم الاستجابة للتطورات التكنولوجية التي أفرزتها الصحافة الإلكترونية، وتطور الـ«سوشيال ميديا» وانجذاب الشباب لها، فهم يتابعون الأخبار والفعاليات عبرها، فما الذي سيجعل الشباب ينتظر مجلة تصدر كل شهر؟
ويضيف فايز: «صحيح أن بعض المجلات التابعة للوزارة شهدت طفرة بعد تغيير إدارتها مثل: (عالم الكتب) و(إبداع)، لكن ذلك لن يدوم لأن ذلك مرهون بتغيير الإدارة وفقا لمدة عمل محددة». ويشير إلى أنه حينما ترأس تحرير موقع «كتب وكتاب» تصفحه 30 ألف مستخدم، وتابعه 20 ألف على «فيسبوك»، وكانت تجربة ناجحة جدا سدت ثغرة في الوسط الثقافي، لمتابعته الفورية للفعاليات الثقافية، إلا أن الأزمة المالية وعدم وجود تمويل أطاحت به بعد أشهر».
وتحاول الهيئة المصرية العامة للكتاب، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، اتباع استراتيجية لتطوير المجلات التي تصدر عن الهيئة، كما وقعت الهيئة مؤخرا برئاسة د.هيثم الحاج على بروتوكول لطباعة مجلة «أدب ونقد» الخاصة، ودعمها في إطار دعم النشاط الثقافي للأحزاب، وشكلت لجنة لإعادة تقييم المجلات الثقافية التي تصدر عنها وتقنين أوضاعها.
يقول الكاتب الصحافي مصطفى عبد الله، رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابق، وعضو لجنة التقييم بالهيئة المصرية العامة للكتاب: «شكّل وزير الثقافة لجنة عليا لبحث آليات النشر بالمجلات التي زاد عددها عن 20 مجلة ولا تحقق مبيعات منذ عشرات السنين ومستمرة في الصدور برغم ضعف عدد القراء، واللجنة التي تضم الدكتور جابر عصفور وعددا من كبار المثقفين في مصر، تحاول النظر في استمرار هذه المجلات أو دمجها وإغلاق بعضها».
ويعزي عبد الله السبب الرئيسي لأزمة أغلب المجلات الثقافية في مصر إلى «نمطيتها وجمودها، ووجود هيئة تحرير ثابتة أدى بها إلى هذا الوضع المتردي، حيث تحرص هيئة التحرير على صدورها بغض النظر عن محتواها ومضمونها، فلا سياسة توزيع ولا سعي للقارئ، وتتجسد المأساة في تراكم الأعداد المرتجعة في المخازن». ويرى عبد الله أن «للصحافة الإلكترونية تأثيرا مباشرا في المجلات الثقافية، وكان لها أيضا أثر كبير على حركة الإبداع ذاته، فخلقت فضاء واسعا لأدباء الصعيد، وقلصت معاناتهم لنشر إبداعاتهم، وكشفت زيف الأدباء المُدعين»
وعن أزمة مجلة «دبي» الثقافية التي كان يكتب بها عمودا ثابتا، قال: «أصبح المسؤولون عن المجلات الثقافية في وضع حرج بعد الإغلاق المفاجئ لـمجلة «دبي»، التي كانت تنعم بالاستقرار، وكان توزيعها يتخطى 70 ألف نسخة شهريا، وكذلك أزمة مجلة «العربي» التي كانت توزع أكثر من 100 ألف نسخة، وهي أرقام قياسية للمجلات الثقافية، وتعرض تلك المجلات الناجحة للإغلاق أمر ينبئ بخطورة حجم المشكلة أمام المجلات الخليجية التي قامت بدور كبير في مد الجسور الثقافية بناء على رؤية ثقافية، لكنها للأسف لم تعكس الواقع الخليجي؛ لذا أعتقد أن هذا سبب رئيسي في اختلالها».
التخلي عن المشروع الثقافي أيضا سبب رئيسي وراء أزمة المجلات الثقافية، وهو ما لفت إليه الروائي إبراهيم فرغلي، عضو هيئة تحرير مجلة «العربي» الكويتية، الذي يقول: «أغلب المجلات العربية تصدر بدعم حكومي من الدول التي تصدرها، ولكن الاختلاف ربما يكمن في المناخ الذي تأسست فيه هذه المجلات على يد رواد من المثقفين ومن أصحاب الرؤية السياسية الذين كانوا يرون في تطور العقل العربي ضرورة للتنمية، أما الآن ففي ظل الاستقطابات السياسية دخلت الحكومات طرفا يريد أن يراقب كل شيء، إما خوفا من الفتن الطائفية، أو خوفا من الحسابات السياسية الدقيقة، وبالتالي لم يعد للمشروع الثقافي الآن الأولوية كما كان الأمر في الماضي». ويضيف: «أي دولة قد تفرض حالا من التقشف فسيصيب الثقافة قبل غيرها. طبعا هذه مفارقة مؤلمة؛ لأن الواقع الراهن بكل ما نراه فيه من تغيرات واضطرابات وتنام للعنف وانتشار الإرهاب يكاد يؤكد أن الثقافة التي كانت حكرا على الدوريات والمؤسسات الثقافية تحتاج إلى أن تدخل في نسيج التعليم العام لكل الدول العربية وليس التخلي عن المشروع الثقافي».
ويسلط فرغلي الضوء على أسباب أخرى «طبعا هذا كله يأتي مع وجود جيل جديد يتعاطى ثقافة جديدة ويتابع ما يحدث في العالم ويفقد الثقة بسرعة في أي مطبوعة تبدو له جامدة أو بعيدة عن روح العصر وثقافته. ويلفت إلى أن الحل يكمن في «ضرورة أن يدخل العلم والاهتمام بالعلوم مع الثقافة والفكر اليوم في شكل مطبوعات شابة تناسب روح العصر وتقدم الأسئلة العميقة في أشكال صحافية تناسب الشباب. الثقافة ليست ترفا وليست أولوية مؤجلة كما قد يتصور البعض».
المملكة العربية السعودية، تواجه المجلات الثقافية أزمات أيضا وتحديدا المجلات الخاصة، وفقا للمثقف السعودي محمد السيف، رئيس تحرير «المجلة العربية»، الذي يقول: «هناك عزوف كبير من الشباب وجمهور القراء في الوطن العربي عن المواد الدسمة والموضوعات الأدبية الكلاسيكية، التي كانت تطرحها المجلات الثقافية في القرن الماضي، وهناك تأثير كبير ومباشر من مواقع (السوشيال ميديا) على كل من المجلات والمواقع الثقافية». ويشير «تعرضت (الفيصل) منذ عامين لأزمة تمويل وتوقفت وعادت لتصدر كل شهرين، كذلك تستمر معاناة مجلات أخرى مثل «المنهل»، و«القافلة»، لكن المجلة العربية لا تواجه تلك الأزمة؛ لأنها «مدعومة من الدولة ولها ميزانية مستقلة تكفل لها الاستقرار، فضلا عن حرصها على التواصل مع الأدباء والمبدعين الشباب من مختلف أنحاء الوطن العربي، ومد جسور التواصل معهم عبر نشر موضوعات متنوعة وتهمهم ومقابلات معهم ونشر إبداعاتهم، والحرص على التوزيع الجيد لها».
وحول تأثر المجلات الثقافية بوجود المواقع الثقافية الإلكترونية، يقول: «لم تؤثر تلك المواقع في المجلات، بل إنها أيضا تتعرض لأزمات أكبر ومشكلات مادية تؤدي لإغلاقها، فضلا عن عدم التفاعل معها أيضا».
ويرى السيف أنه «على الصحافة الثقافية بوجه عام أن تتقبل قدرها الحتمي بالإغلاق أو التواري؛ لأن الأزمة ليست فقط تمويل أو توزيع؛ مؤكدا «مفتاح الأزمة هو المضمون الذي تقدمه الصحافة الثقافية للجمهور».
وفي لبنان، أغلقت عدة مجلات ثقافية خلال القرن العشرين منها: «الأديب» الشهرية التي استمرت في الصحافة الأدبية من سنة 1942 إلى سنة 1983. وفي عام 2013 صدر العدد الورقي الأخير من مجلة الآداب البيروتية التي كانت واحدة من أهم المجلات الثقافية والأدبية في العالم العربي. أما في الوقت الحالي، فقد انعكست حالة الترهل والتشظي السياسي على الصحافة الثقافية، ورغم أن وزارة الثقافة اللبنانية أطلقت العام الماضي مجلة فصلية هي «شؤون ثقافية»، في محاولة لإنعاش المقاومة الثقافية، إلا أن أزمة الملحق الثقافي في جريدتي «النهار» و«السفير» كانت بمثابة طامة كبرى في الوسط الثقافي العربي لما لهما من ثقل. يقول الشاعر عباس بيضون، رئيس الملحق الثقافي بجريدة السفير، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «توقفت المجلات الثقافية منذ زمن بعيد، وهنالك أسباب عدة لتدهور الصحافة الثقافية في لبنان؛ أولها: بالطبع الوضع السياسي الذي يفرض على الجمهور أن يستقي الثقافة والمعلومات والأخبار من مصادر تتفق مع مواقفه وانتماءاته السياسية، ثانيها: انتشار المواقع الإلكترونية الثقافية التي أصبحت أسرع وأقرب للجمهور، ثالثها: مشاكل التمويل التي أصبحت تطيح ليس بالصحافة فقط، بل بصناعة النشر ككل، بسبب تكلفة الورق وانخفاض العائد». ويرى بيضون أن قدر الصحافة الثقافية هو الاضمحلال والتواري في ظل كل هذه الظروف، أما عن المثقف اللبناني وأين ينشر إبداعه، فقال: «يتجهون للمواقع الإلكترونية». وبصوت يحدوه تشاؤم كبير: «لا أجد حلولا للأزمة، وعلى ما يبدو أنها مستمرة ولن تجد المجلات الثقافية مخرجا؛ لأن الأسباب عميقة ومتجذرة ومتشابكة؛ لكن ربما يمكن للدولة والمؤسسات الاقتصادية الخاصة أن تقوم بدور في التمويل والدعم، ولا بد للمجتمع أن يتحمل المسؤولية تجاه الصحافة الثقافية وإلا فلا مفر من الإغلاق».



النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس
TT

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أننا لا نعثر في الشعر العربي القديم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسطورة، أو غيرها من أساطير اليونان، غير أن هذا الشعر عرف عبر رموزه المختلفة، قدراً عالياً من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات.

وسواء بدا هذا الزهو تعبيراً عن حاجة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها في وجه العزلة والقلق، كما في حالة امرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كان متصلاً بروح الجماعة، كما لدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنا النرجسية قد شكَّل إحدى السمات الأساسية للشعر العربي، الذي كان الفخر بالنفس والجماعة واحداً من ركائزه وعلاماته.

والأرجح أن النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني، حيث الذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تجد ما يعصمها من التشتت سوى الافتخار بنفسها، والالتفاف كالشرنقة على هويتها الفردية أو الجمعية.

وقد بدا الافتتان بالذات واضحاً في شعر امرئ القيس، وهو الذي أفرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بالافتتان، كما كان شأنه مع أم الحويرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها على ظهر ناقتها، فإنه حين بالغت في الغنج والتمنع، يعمد إلى إثارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم.

كما لم يتوانَ «الملك الضليل» عن التباهي بكسر الأعراف والمحرمات، سواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة:

ويوم دخلتُ الخدْر خدر عنيزةٍ

فقالت لك الويلاتُ إنك مرجِلي

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني عن جَناكِ المعلَّلِ

فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ

فألهيتُها عن ذي تمائمَ محْولِ

على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعتداد بالذات المفردة فحسب، بل كثيراً ما بدا اعتداداً بالذات الجمعية، باعتبارها امتداداً لذات الشاعر، وحصنه وملاذه. فهو إذ يخوض حرباً ما، فليس ليذود عن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم، بما فيها من تصوير ملحمي لشجاعة بني تغلب، هي الشاهد الأبلغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

كأنّا والسيوف مسلّلاتٌ

وَلدنا الناس طرّاً أجمعينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرُّ له الجبابر ساجدينا

وكثيراً ما يبدو الزهو النرجسي بالذات، رداً مشبعاً بالمرارة على ظلم القبيلة، التي لم تتساهل أبداً في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بن العبد الذي انساق وراء ملذاته، وقد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لم يجد رداً مناسباً على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ».

أما عند عنترة فقد بدا الاعتداد بالذات، نوعاً من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بسبب سواد لونه. وإذ وجد عنترة في بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتداداً بشجاعته، واستعادة رمزية لهويته المهددة. وهو ما يؤكده قوله: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ». أو قوله وهو يعمل على استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلةُ دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها».

ومع أن تباهي الشعراء بأنفسهم في الجاهلية، قد أخلى مكانه في صدر الإسلام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتداداً للزهو الجاهلي بالذات. وحيث شارك سحيم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجد في مخادع الحب، الميادين البديلة التي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضطهاد. وإذ رأى سحيم في انشغال رجال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كان حرصه على إغاظة رجال القبيلة الذين بالغوا في ازدرائه، أكثر من حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية على نحو علني، حتى إذا قرر بنو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً:

شُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكمُ

إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ

عرقٌ على ظهر الفراش وطِيبُ

أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحد فروع قريش الأكثر منعة وثراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عن الفجور والزنا وارتكاب المحرمات. كما أن نزوع عمر إلى التمرد، لم تقتصر وجوهه على السلوكيات العابثة والتلذذ الأقصى بالحياة فحسب، بل تعدتهما إلى الشعر نفسه، حيث حوَّل قصائده ومقطوعاته إلى احتفال عارم بالمغامرات العاطفية والتلذذ بمتع العيش وملذاته، ضارباً بعرض الحائط كل دعوة إلى الوقار والزهد والاحتشام.

وإذ بدا شعر عمر ترجمة أمينة لأحوال نفسه، فنحن لن نعدم الشواهد التي تعكس صورة أناه المتفاقمة، وهو القائل في وصف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، هُرعن فرقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ». كما أنه في سياق الامتداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الوالهات، لا تجد ما تستعين به على النهوض، إذ تزل بها القدمان، سوى ذكر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك:

وإذا ما عثرت في مشيها

نهضتْ باسمي وقالت: يا عمرْ

على أن أي حديث عن النرجسية في الشعر العربي القديم، لا يستقيم دون التوقف عند شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتعظيم النفس، حدوداً قلّ أن بلغها أحد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مزاياه الشخصية، كالشجاعة والمروءة والأنفة والشعور بالغربة. وقد بدا واضحاً أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فوران صباه وانتماؤه القرمطي، في تعزيز أناه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله:

أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي

وكلُّ ما قد خلق الله وما لم يخلقِ

محتقرٌ في همّتي كشعرة في مفرقي

وإذ رافقت هذه السمة المتنبي في جميع مراحل حياته، فلن يعوزنا العثور على عشرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره العميق بالعظمة والنبوغ. فهو لم يتحرج من القول: «أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي»، أو «ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي»، أو وصف غربته وتعاليه عن معاصريه من البشر، بالقول: «وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ، ولكنْ معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قدم»، والصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدىً له. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم.

وقد يكون الشاعر الأندلسي ابن حمديس، أخيراً، أحد أكثر الشعراء قدرة على اختزال الشخصية النرجسية بقليل من الكلمات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله:

كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ


عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
TT

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كما تشهد الأبحاث التي دأبت على دراستها وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُعرف بـ«ركن العرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بين سلسلة من القامات الأنثوية. تتبنّى هذه الحلّة طرازاً شاع في العالم المتوسّطي خلال القرون الميلادية الأولى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها.

يحتلّ وسط سقف هذه القنطرة شريط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفاً نباتياً تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقنثا. تمتدّ هذه الشتول بأوراقها المسنّنة في فضاء التأليف، وتتوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الهندسي. لا يخلو هذا التأليف من العناصر التصويرية، الآدمية والحيوانية، إذ نجد في القسم الأسفل من هذا الشريط قامتين متواجهتين في وضعية نصف جانبية، ترفع كل منهما ذراعيها في اتجاه الأخرى، ونجد في القسم الأعلى طائرين متواجهين في وضعية جانبية، يرفع كلّ منهما رأسه في اتجاه الآخر. تحيط بهذا الشريط النباتي ستّ قامات نسائية نصفية، توزّعت على جانبي جداري القنطرة المقوّسين في بناء تعادلي محكم.

تتشابه هذه القامات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب في تشابهها التماثل، مع اختلافات بسيطة تحضر في تفاصيل ثانوية. ترتفع الرؤوس بشكل ثابت، محدّقة في اتجاه المشاهد، وتكشف عن وجوه ذات ملامح واحدة، تكلّلها خصل من الشعر تلتفّ من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحد، وقوامه جبّة، تتغير ألوانها ونقوشها بين قامة وأخرى. الحركة واحدة، وتتمثّل بحضور وشاح على شكل رزمة عريضة تنفتح أفقياً عند حدود الصدر. يستقرّ كلّ من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطفّ أفقياً في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلى جانبها زهرية يونانية في طرف الصورة. ويتكرّر هذا التأليف بشكلّ مماثل على الحائط الشمالي.

ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بـ«قوس المجد». وتنتصب وسط هذه العواميد سلسلة من القامات في وضعية المواجهة. ترتفع أربعة عواميد على الحائط الغربي، وتجاورها شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِيَ الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجال الحرس، كما يوحي اللباس والرماح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امرأة تنتصب وسط شجيرات خضراء، حاملة بيديها شتولاً مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امرأة تنتصب كذلك في وضعية مشابهة. يتكرّر هذا التأليف على الحائط الشمالي، مع اختلاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت القوس الأول. وتقف امرأة وسط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخير، رافعة بيدها اليسرى نحو الأعلى قرناً ضخماً.

يستعير هذا التأليف مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي المتوارث. فالمرأة التي ترفع رزمة، هي في الأصل «غايا»، الأرض الأم التي ولد منها الكون وتشكّل، بحسب سفر التكوين اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمة ملأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هذه الخصوبة، وفقاً لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بعده. يجمع ركن العرش الأموي بين أربع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بيدها عالياً، وهي في الفن الكلاسيكي «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هذا القرن في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هاديس»، أي «مانح الثروة»، وذلك كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه» التي تعدّدت صورها ورموزها، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة. ورث الفن المسيحي هذا المثال فجرّده من دلالاته الأولى، وجعل منه رمزاً للوفرة والعطاء، ويبدو أنه دخل الفن الأموي من هذا الباب.

تحضر القامة الملكية برفقة حرسها على الجدار الغربي، كما تحضر على الجدار الشمالي المقابل. في المقابل، يظهر صاحب القصير متربّعاً على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتلّ الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صورة سيادة الخلافة على هذه الأرض المثمرة. تكتمل هذه الصورة بحضور عناصر أخرى من هذه الحلة الاستثنائية. في الإيوان الشرقي، تظهر ثلاث قامات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هاتين القامتين كتابتان يونانيتان، «الحكمة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تقف في الطرف المقابل، متكئة على عمود مربّع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتلّ الأعلى من الحائط الجنوبي في الإيوان الغربي. فوق لوحة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كلّاً منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر».

في الخلاصة، تمتدّ سيدة الخلافة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر.


تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.