أحمد الملا: الغذامي مصاب بمتلازمة استوكهولم وأدونيس ليس في ورطة!

يرى أن المثقفين أكثر الفئات المضطهدة في مجتمعاتنا العربية

أحمد الملا: الغذامي مصاب بمتلازمة استوكهولم وأدونيس ليس في ورطة!
TT

أحمد الملا: الغذامي مصاب بمتلازمة استوكهولم وأدونيس ليس في ورطة!

أحمد الملا: الغذامي مصاب بمتلازمة استوكهولم وأدونيس ليس في ورطة!

في الخمسين التي عبرها بهدوء قبل عامين، يبدو الشاعر السعودي أحمد الملا، أكثر عنفوانا وطلبا للمنازلة. يطل كل حين على مشهد متحرك ليزيد من اشتعاله وحركته، لكنه لا يهدأ، وهو يقول إنه «ترك ترويض الوحوش داخله، مفضلا إطلاقها». وبالمناسبة، فقد أصدر أخيرا مجموعة شعرية جديدة حملت اسم «تمارين الوحش»، وهو ديوانه الرابع.. ولديه ثلاث مجموعات شعرية يعكف على طباعتها خلال هذا العام، وهو يقول متحديا: «ما سيصدر هذا العام أراهن عليه بحياتي».
الحوار التالي الذي أجريناه مع الشاعر أحمد الملا، في الدمام بالمنطقة الشرقية حيث يقيم، يتناول قضايا السينما والشعر والتحولات العربية.
> ماذا يشغلك هذه الأيام؟ وماذا تقرأ؟
- يشغلني الموت المجاني الذي يتجول في الخريطة العربية، يشغلني الموتى في طوابير الخبز والكرامة، يشغلني غلو المتدينين، وسيول الطائفية التي توشك أن تهد السدود، يشغلني اليوم التالي. يشغلني الشعر ممزوجا بالحياة، تشغلني الأسئلة البديهية، التي عبرت بإجابات غير مفكر فيها، وتحولت إلى مسلمات راسخة، تشغلني حياتي الصغيرة.
أما القراءة، فأكون صادقا أني معطل، كتب تتراكم وتطل عناوينها من المكتبة ولا أقوى على الاقتراب منها، هذا هو حال القراءة منذ عامين تقريبا، ولولا الشعر – قراءة وكتابة - لاختنقت.
> تمثل تجاربك: «ظل يتقصف» (1995)، و«خفيف ومائل كنسيان» (1997) «سهم يهمس باسمي» (2005)، حتى «تمارين الوحش» (2010)، محطات عبور بين حقول شائكة نحو تجربة شعرية ناضجة.. هل تم ترويض «الوحش» داخلك؟
- بل انفلت وعاد بريا، كأن لم ير لجاما في برية حياته كلها، ولا سياج. قبل المجموعة الأولى، أتلفت تجربتين، ولم ألتفت، وبعد كل مجموعة صدرت لم أجرؤ على نشر ما تلاها إلا بعد عراك طويل وانقلاب على ما سبق. وخلال العام الحالي، ستصدر لي ثلاث مجموعات، وإن لم أهز شجرة الشعر فلا نامت نخلة في أحلامي، ما سيصدر هذا العام أراهن عليه بحياتي.

قضية السينما

> ما قصتك مع السينما، من جديد عدت تطالب بها، وكأنك لم تستسلم بعد سيل من الخيبات المتتالية، آخرها ما حدث في نجران..؟
- السينما قصتي التي لن تنتهي إلا بنهاية الفيلم الذي هو حياتي. وسبق أن كتبت عنها خلال الأعوام القليلة الماضية، لكن ما استجد هو مشاركتي مع المخرجة ريم البيات في مهرجان قس بن ساعدة بنجران (الأسبوع الماضي)، وكانت المشاركة تتمثل في عرض فيلمين من إخراج ريم البيات وكتابتي، على أن أعقبها بقراءة ورقة عن «السينما السعودية» ثم يتم النقاش مع الجمهور، وقد واجهت الأمسية تعطيلا من طرف أعضاء في جهاز الحسبة، بذرائع كثيرة، تصب في عدم السماح للمخرجة بمواجهة الجمهور، والفصل بين الحضور نساء ورجالا، ووضع مدخل خاص للنساء وهكذا، وكالعادة تم التأخر في بدء الأمسية لساعتين، تقريبا، مما أصاب الأمسية بالاحتقان والملل.
في سياق ورقتي التي قدمتها، طالبت بعودة الفعاليات والمهرجانات والصالات، فالسينما موجودة في السعودية بأشكال متعددة، وما يتم من منع لصالات العرض التجارية، أو منع المهرجانات السينمائية، إنما هو نفاق اجتماعي بلباس ديني.

> كانت لك تجربة في تنظيم مسابقة أفلام السعودية الأولى منتصف عام 2008 بنادي الشرقية الأدبي.. هل تبلورت تجربة سينمائية سعودية؟
- المسابقة كانت نتيجة شراكة بين النادي الأدبي و«جمعية الثقافة والفنون» بالدمام، وكم كنا نتمنى أن تستمر سنويا، أما الحديث عن تجربة سينمائية للشباب السعوديين، ففي تصوري هناك الكثير من المبالغة في إطلاق التعريفات، بل كأننا نقر بوجود مناخ مشجع للسينما وما على المبدعين إلا استعراض قدراتهم ومواهبهم.. في حين أن الأمر على العكس تماما، فأهل المجال يعانون الأمرين، جراء ممارسة هوايتهم هذه..
> قلت إنك تعترض على اسم (سينما سعودية)؟
- هذه التسمية الدارجة في سوق الثقافة حاليا وهي «السينما السعودية»، لي عليها اعتراضات، وسأذكر منها في عجالة، سببين: لا وجود لما يسمى سينما سعودية، وليس هناك إنتاج سينمائي. فالأول مصطلح يدل على وجود حراك فني تغذيه قنوات معرفية واقتصادية واجتماعية لا تتوقف عن الجريان، لها مؤسساتها الأكاديمية والثقافية ومناخها التنافسي عبر صالات العرض (وأظن كل مفردة ذكرتها لا وجود لها في بلادنا). أما الثاني، (أي الإنتاج السينمائي)، فليس من صناعة متواترة يعتاش منها حرفيون يعولون على شغلهم، ولا سوق ولا اقتصاد للسينما، مما يصنع أسلوبا يشفع لإطلاق التسمية، هكذا أحاول توضيح رؤيتي بأن ما يحدث الآن ما هو إلا إنتاج أفلام فردية، أي أقل من مصطلح «الأفلام المستقلة» المتداول، الذي أطلقه بعض المتحمسين دون انتباه؛ نعم لدينا أفلام سعودية، أما سينما سعودية فلا. وسيستمر هذا الإصرار الفردي، لشبان وشابات سيجترحون المعجزات لتحقيق أحلامهم، وتخطي الفخاخ المنصوبة لهم بإتقان.

أزمة الليبرالية

> كنت تقول إنك تكتب لتتنفس.. هل يضايقك سقف الحريات.. أم أنك تأقلمت معه..؟
- في الشعر، لا أعرف حدودا، ربما لأني طبعت جميع كتبي الأربعة الأولى خارج البلاد، هكذا أتنفس، وفي هذا العام سأقوم بطباعة ثلاث مجموعات شعرية، في الداخل والخارج معا، إحداها بين نادي الرياض الأدبي وناشرها المركز الثقافي العربي، والثانية لدى نادي تبوك الأدبي وناشرها «مدارك»، والثالثة قيد الإعداد. أجزم بأن سقف النشر لدينا يتسع، باستحياء، وهو حصيلة تراكم ثقافي، وانفتاح قسري بسبب انتشار وسائل الاتصال والتقنية الحديثة التي فرضت بعض شروطها. أما المقال الصحافي، وحيث إني عملت في الصحافة، فإني أعرف كيف ألعب مع الرقيب في داخلي، واعتدت أن أكتب بما يراوغ السقف، ويحدث أحيانا، أن يتم تخفيف جملة أو اثنتين في المقال..
> لماذا ينشغل المثقفون السعوديون بجدل المصطلح عوضا عن مضمونه، حول العلمانية والحداثة.. وما يسميها الغذامي «الليبرالية الموشومة»؟
- لأن «العلمانية» شوهت، وتكاد تكون تهمة تودي بصاحبها، للأسف.. ويتفاداها كثير من المثقفين والمفكرين التنويريين، واستبدلوا بها مصطلح الليبرالية، التي مفهومها في منشأها أقرب إلى «اللعوب» من رصانة ووضوح «العلمانية».. فعندما يتم إلغاء وتصفية الرأي المخالف للرأي المتنفذ، وتجريف المعرفة في معاقلها العلمية ومؤسساتها الثقافية، ورهن كل أوراق التعليم في يد واحدة، تضيق بالرأي الآخر، بل وتزندقه (إن لم تكفره) وتستعدي عليه المجتمع، بكل أطيافه، ومن ثم تجيش عليه ترساناتها المساندة، من منابرها التقليدية، ومنصات التقنية الحديثة، في ظل هذا كله لن تجد إلا بؤرا صغيرة تقاوم هذا الطغيان الفكري، بؤر ورؤوس تغطس كلما اشتد ارتفاع الموج، فتتنقل وتتشكل حسب قدرتها على الاحتمال، وهي بين كر وفر، لكني على يقين بأن تلك الرؤوس إنما هي قمم جبال ضخمة، لا يطفو منها سوى علاماتها الجريئة، حاليا... ونحن على مشارف انحسار شديد للطغيان الفكري.
> بالمناسبة، أين تضع موقف د. عبد الله الغذامي من الليبرالية؟
- د. عبد الله الغذامي، رأيه محل خلاف، وأهم قيمة تحققها الليبرالية (التي ينعاها)، هي تقبل رأي المخالف والتحاور معه، بل الدفاع عن حقه في التعبير عن رأيه، فهو يميل إلى الصف الذي نفاه وألغى حريته، يوما ما. موقف د. الغذامي أشبه ما يكون بالمصاب بمتلازمة ستوكهولم، أي ولاء وتعاطف المخطوف مع المختطف.
> كيف تقرأ التحولات العاصفة في العالم العربي؟ هل فعلا أشرق «ربيع» العرب؟
- نعم، بالمجمل، وبرؤية استشرافية، كان الاستبداد مطمئنا ولا يساوره شك أبدا في ديمومته، لكن «الربيع» أصابه في مقتل، فبين تغير بعض الأنظمة وانتباهة أخرى، يمكن القول إن العاصفة، حركت الساكن وحولته إلى متواليات متسارعة من التحولات، ونحن نشهد طلائعها ليس إلا.
> لماذا يصاب المثقفون بـ«الصدمة» كأن أحدا لم يستوعب بعد ما يحدث؟
- المثقف على قلق دائم، وما يبين على أنه مصدوم، ليس إلا شكلا من أشكال حفره الدائب في الظاهرة وليس السطحي، وعدم قبوله أقنعة الواقع السياسية، التي سرعان ما تتبدل وينسحر بها الجمهور مصفقا، المثقفون هم أكثر الفئات المضطهدة في مجتمعاتنا العربية، فهي التي تنافح عن الحقوق والحريات، ويقاسون من ويلات الاستبداد وأعوانه، في حين أن فئات المجتمع لائذة بهمومها الذاتية. في تأمل سريع للتحول في بعض دول «الربيع العربي»، ها نحن نرى تلون السياسي، وانصياع الاقتصادي لمكاسبه الآنية، وانقلاب الديني على خطابه السابق، في حين يبقى المثقف، يراوح في مكانه، النائي عن السلطة والكاشف لعوارها، مهما تحول شكلها.
> هل قدمت التحولات السياسية في العالم العربي خدمة للثقافة أم أنها ساهمت في تكريس وعي يقوم على الاصطفاف الآيديولوجي والطائفي.. وأعادت إحياء العصبيات القديمة..؟
- التغيير هو الشرارة التي تمد الثقافة بوهجها، وفي رأيي أن ورقة «الطائفية» و«العصبيات الإثنية» هي الورقة الأخيرة للاستبداد، وحتى لو ظهر طغيان منطقها وتسيده للمشهد الراهن، فإني على يقين بأنها سحابة وستنقشع، نعم ستترك ندوبا، لكنها ستطرح التساؤل الأهم وهو مدى مشروعية الاحتكام للطائفية أمام المسألة الوطنية.
> هل تشعر بأن شاعرا كبيرا كأدونيس وضعته السياسة في «ورطة»، فلا هو قادر على الانفكاك عن تنظيراته عن الثورة والتحديث.. ولا هو قادر على الالتحام مع ثورة شعبه، هل تعتبر السياسة «مقبرة» المبدعين الكبار..؟
- أدونيس المفكر، حسب قراءتي، لم يكن في «ورطة» يوما، فهو لم ينقلب على منهجه في التساؤل والتفكير، بل كان موقفه واضحا وصريحا، منذ بداية «الربيع العربي»، لا، بل إنه في جل أطروحاته يحض على التغيير السلمي، وضرورة أن يكون الفكر العلمي رافعة كل تغيير وسلاحه الأصيل. أليس أدونيس من أوائل من تطرق إلى ضرورة زحزحة الثابت والانخراط في التحول، والوقوف بشدة ضد الأحادية، فكريا. ثم ليس من طبيعة المفكر أن ينساق مع التيار، إنما من صميم وجوده أن يقطع مع التيار ويربك الجموع، أرى أنه يحق للمفكر والمثقف أن تكون له مسافة، يختلف فيها مع الحشود المنفعلة في الشارع السياسي. أليس ما تبتغيه الثورة هو زعزعة الطغيان؟ فكيف باسم الثورة يستعاد الاستبداد، ويحاكم المختلف.
> لماذا ينسحب المثقفون «الحداثيون» أو «الليبراليون» من المشهد.. فلديهم نفس قصير بخلاف خصومهم المحافظين، انظر مثلا لتجربتكم في نادي الشرقية الأدبي والانسحاب الجماعي.. ليدخل النادي بعدها في «الكوما»..؟
- لقد تم «تسمين» الفكر المتشدد - رأس حربة المحافظين – أكثر من ثلاثة عقود، سيطر فيها على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والتربوية والتعليمية، بينما تم تجفيف كل منابع «الحداثة» والتضييق على مفكريها، بل حتى نبذ روادها وتكفيرهم على رؤوس الأشهاد، فكيف بالله تتوقع أن يجارى عداء يتدرب منذ نعومة أظفاره، مع هاو لم يركض إلا في مكتبته!! ولولا أن التيار المتشدد - كعادته - تائه في المضمار، لما استطاع أحد السيطرة عليه الآن. أما تجربتنا في مجلس إدارة نادي الشرقية الأدبي (2006 – 2010)، فقد كثر الحديث عن نجاحها إداريا، ولست من يشهد لها. أخص استقالتها المسببة، بتعطيل وزارة الثقافة، العمل بلائحة الانتخابات، وكان هذا موقفنا الجماعي الذي لا أندم عليه، لأن الوزارة عجلت بتنفيذ الانتخابات. وفيما يخص دخول النادي في «الكوما» حسب تعبيرك، فربما هو ثمن الديمقراطية الارتجالية التي تمت بها انتخابات الأندية الأدبية جميعها، لكني على ثقة بأن الأخطاء أثناء بناء التجربة الديمقراطية، أفضل من تأجيلها.
> صار الجدل حول مشروعية قصيدة النثر أمرا قديما.. والقارئ لـ«تويتر» يجد أسطرا شعرية هائلة ومكثفة لمجهولين يكتبون بلا تحفظ وبلا مشروع شعري وبلا ملامح محددة.. كيف تقرأ التجارب الجديدة لهؤلاء الشباب..؟
- «تويتر» نافذة تطل على مشهد خاطف، كي ترسخ الصورة عليها أن تكون طلقة قناص، ومثلما قلنا منذ قليل، تجربة قصيدة النثر، حية ونابضة في المشهد، ومن سماتها إعادة الاعتبار للقول، بعد أن كان للقائل، وها هي تتعاطى التقنية والحداثة، بانسجام أصيل، له وعي تام باللحظة الراهنة.

من شعره:
الصخرة
كنا صغارا متوحشين،
نطارد الفريسة وننهكها،
ننتقي الضعيف والموجوع،
طريدة مثلى.
نطيل رعبها،
وننخزها حين تدوخ،
نجرحها في الرقبة
ونتحلق حولها؛
تعتفر.
كنا سبعة صغار
متوحشين،
حتى سقط أحدنا
في قاع البئر،
سمعنا صرخته الغائرة،
فالتفتنا ولم نعرف أينا.
وها نحن ناقصين،
يتلفت كل واحد منا
ويشك أن قمرا بعين جاحظة،
يحدق في وحدته.
سبعتنا صرخنا
وكانت الصخرة التي سددنا بها
فوهة البئر.



المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان
TT

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

في فيلمه الروائي القصير، «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال»، بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، يقدّم المخرج الصيني تان يوتشنغ عملاً يبدو بسيطاً، لكنه غني بالمعنى، يراهن على الصمت، والمراقبة، والتفاصيل الصغيرة، بوصفها أدوات سرد أساسية لفهم التحوّل الإنساني.

الفيلم، الذي يُعد التجربة الإخراجية الأولى للمخرج، يتتبع فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تعيش حياة رتيبة بين فضاءين مغلقين؛ المنزل ومحطة الوقود حيث تعمل، لا أحداث كبرى، ولا صراعات معلَنة، بل ضغط غير مرئي يتراكم ببطء، ينعكس في نظرات البطلة، وحركتها المحدودة، وطريقة تفاعلها الصامت مع العالم من حولها.

ومنذ اللحظات الأولى، يفرض الفيلم إيقاعه الهادئ، معتمداً على لقطات ثابتة وطويلة، تضع المتفرج في موقع المراقب، لا الشاهد المنفعل، في خيار أسلوبي للمخرج جاء من رؤية إبداعية وقناعة بأن الصمت أحياناً يحمل من المعنى أكثر مما تحمله الكلمات، وأن ترك المساحة للمشاهد كي يملأ الفراغات بمشاعره وتجربته الخاصة هو جوهر الحكاية.

المخرج الصيني تان يوتشنغ - (الشرق الأوسط)

ضمن هذا العالم المحدود، تظهر شخصية سائقة الشاحنة، في حضور عابر زمنياً، لكنه بالغ التأثير، لا تقدّم الشخصية حلولاً، ولا تطلق خطابات، بل تمثل احتمالاً آخر للحياة، نموذجاً لامرأة اختارت مساراً مختلفاً، ودفعت ثمنه، هذا اللقاء القصير يصبح شرارة داخلية، لا تقود إلى تغيير فوري، بل تزرع بذرة وعي، كما لو أن الفيلم يقول إن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً من أحداث صاخبة، بل من لحظات صامتة.

يقول تان يوتشنغ لـ«الشرق الأوسط» إن اختيار فيلمه، «نيير»، للعرض في مهرجان «برلين» كان مفاجأة سعيدة له ولفريق العمل، موضحاً أن «هذا الاختيار أشعره بأن المهرجان يقدّر الجهد الحقيقي المبذول في صناعة الفيلم».

وأضاف أن المشاركة في المهرجان تحمل أهمية خاصة بالنسبة له كمخرج يقدم عمله الأول، لأنها تؤكد أن المهرجانات الكبرى يمكن أن تركز على جودة الفيلم نفسه، وليس على خلفية المخرج أو عدد أعماله السابقة، معتبراً أن ذلك يمثل اعترافاً معنوياً لكل من يؤمن بقيمة السينما الجادة.

تأثر المخرج بحكايات والدته في الطفولة - مهرجان برلين

وأوضح يوتشنغ أن اعتماده على الصمت داخل الفيلم جاء انعكاساً لطبيعته الشخصية، مشيراً إلى أنه يؤمن بأن الصمت أحياناً يحمل معاني أعمق من الكلمات، وأن اللحظات الهادئة تتيح للمشاهد أن يصنع مشاعره الخاصة بدلاً من فرضها عليه عبر الحوار المباشر.

وأشار إلى أن استخدام مواقع تصوير محدودة كان قراراً عملياً وفنياً في الوقت نفسه، لكون أي مخرج في تجربته الأولى يواجه تحدي التوازن بين الطموح الفني والإمكانات المتاحة، لافتاً إلى أن فضاءَي المنزل ومحطة الوقود يعكسان الواقع اليومي للشخصية ويكشفان طبيعة القيود التي تعيش داخلها.

وكشف أن أكبر تحدّ إبداعي واجهه أثناء تنفيذ الفيلم كان اختيار الممثلة المناسبة لدور سائقة الشاحنة؛ إذ كان يبحث عن شخصية قادرة على ترك تأثير قوي على الشاشة، من دون أن تُفقد العمل طابعه الواقعي والشاعري، مشيراً إلى أن التحدي تمثل في تحقيق التوازن بين التعبير الفني والصدق الواقعي.

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في السينما - إدارة المهرجان

وأكد أن الفيلم تأثر جزئياً بتجربته الشخصية، حيث نشأ في أسرة أحادية العائل تقودها والدته، التي كانت تحكي له كثيراً عن انتقالها من الريف إلى المدينة، موضحاً أنه لم يدرك أهمية هذه الحكايات إلا لاحقاً عندما كبر، إذ شعر أنها زرعت داخله وعياً مبكراً بقضية استقلال المرأة والسعي لاختيار مصيرها.

وأضاف أن الأسلوب البصري للفيلم تأثر بلوحات الرسام الأميركي إدوارد هوبر، موضحاً أنه حاول تحويل الإطار السينمائي إلى ما يشبه لوحات تشكيلية تعبّر عن الوحدة والتوتر والضغط النفسي، كما أن اللقطات الطويلة والثابتة تساعد على جذب المشاهد إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تمرّ دون ملاحظة في الحياة اليومية. وأشار إلى أنه لا يسعى إلى فرض تفسير محدد على الجمهور، مؤكداً أن الفيلم بعد عرضه يصبح ملكاً للمشاهدين وتجاربهم الخاصة، لكنه يرى أن الرسالة الأساسية للعمل هي الاحتفاء بكل شخص يمتلك الشجاعة لإعادة كتابة طريق حياته بنفسه.


تونس: إيداع قاضٍ معزول السجن بسبب تدوينات منتقدة للرئيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد في اجتماع مع وزيرة العدل ليلى جفال (صفحة الرئاسة التونسية)
الرئيس التونسي قيس سعيّد في اجتماع مع وزيرة العدل ليلى جفال (صفحة الرئاسة التونسية)
TT

تونس: إيداع قاضٍ معزول السجن بسبب تدوينات منتقدة للرئيس سعيّد

الرئيس التونسي قيس سعيّد في اجتماع مع وزيرة العدل ليلى جفال (صفحة الرئاسة التونسية)
الرئيس التونسي قيس سعيّد في اجتماع مع وزيرة العدل ليلى جفال (صفحة الرئاسة التونسية)

أودعت النيابة العامة في تونس القاضي المعزول هشام خالد، المنتقد سياسات الرئيس قيس سعيّد، السجن لاتهامه بنشر تدوينات «مسيئة».

وأصدرت النيابة العامة 3 بطاقات إيداع بالسجن دفعة واحدة ضد القاضي، بعد التحقيق معه في 3 محاضر منفصلة، وفق ما ذكره محامون على صلة به.

ويأتي توقيف القاضي بعد يومين فقط من إيداع النائب في البرلمان أحمد السعيداني السجن بالتهم ذاتها؛ لنشره أيضاً تدوينات ساخرة ضد الرئيس سعيّد.

مظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويلاحق هشام خالد، الذي أوقف الخميس الماضي من قبل فرق أمنية مختصة في الجرائم الإلكترونية، بتهمة «الإساءة إلى الغير عبر الشبكة العمومية للاتصالات».

والقاضي هشام خالد ضمن أكثر من 50 قاضياً أُعفوا من مناصبهم بأمر من الرئيس قيس سعيّد في 2022 بتهم ترتبط بالفساد وتعطيل قضايا الإرهاب.

وكانت المحكمة الإدارية قد ألغت غالبية قرارات الإعفاء، لكن الحكومة لم تصدر مذكرة بإعادة القضاة المعنيين، ومن بينهم هشام خالد، إلى مناصبهم.

ووفق مجلة «قانون» في تونس، فإنه «يعاقَب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وسنتين، وبخطية من مائة إلى ألف دينار، كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات».


لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)
لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)
TT

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)
لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك في الولايات المتحدة، على أن تُخصّص عائداتها لصالح جمعية «بانثيرا» الخيرية، دعماً لجهود الحفاظ على القطط الكبيرة، حسب موقع «سي إن إن» الأميركي.

وبعد بيع اللوحة في مزاد سوذبي يوم الأربعاء، حطمت الرقم القياسي السابق لأغلى لوحة للفنان الهولندي رامبرانت من القرن السابع عشر تُباع في مزاد علني، الذي بلغ 3.7 مليون دولار، وسُجّل للوحة «صورة رجل وذراعاه على خاصرتيه».

وقال توماس كابلان، الملياردير الأميركي فاعل الخير، وشريكه جون آيرز، مالكا لوحة «الأسد الصغير يستريح» إنهما سيخصصان عائدات المزاد لصالح مؤسستهما البارزة لحماية القطط البرية، «بانثيرا».

وجاء في بيان لكابلان قبل المزاد: «حماية الحياة البرية هي الشغف الوحيد الذي يفوق حبي لرامبرانت، وأرغب في جذب المزيد من الناس إلى هذه القضية». وأضاف كابلان، الذي كان يمتلك مع زوجته دافني 17 لوحة لرامبرانت مع بداية العام: «لا أجد طريقة أنسب من السماح لهذه اللوحة الرائعة، التي أحَبها أفراد عائلتنا لسنوات طويلة وتحمل معاني شخصية عميقة لي ولجون آيرز، بالانتقال إلى مكانها الجديد... لخدمة بانثيرا».

وفي بيان منفصل، قال آيرز إن «وجود عمل فني يجسد روح وجوهر الأسود بوضوح، سيساعد الآن في حماية نظرائها الأحياء». وأضاف: «لا أستطيع أن أتخيل إرثاً أسمَى لهذه التحفة الفنية من أن تسهم في بقاء النوع الذي ألهمها (القطط)».

ووفقاً لدار سوذبي، كان الفنان، واسمه الكامل رامبرانت هارمنزون فان راين، في أوائل أو منتصف الثلاثينات من عمره، وفي ذروة عطائه الإبداعي في أمستردام، عندما رسم «الأسد الصغير يستريح».

ويبلغ ارتفاع اللوحة 4.5 بوصة، وتصوّر أسداً في وضعية استراحة من زاوية ثلاثة أرباع، مع طوق حول عنقه، «مما يشير إلى أنه رُسم من نموذج حي»، حسب بيان دار المزادات.

وأضاف البيان: «كل ضربة فرشاة تُجسّد الأسد بتفاصيل متقنة، فتبرز هيئته، وكذلك حيويته واتزانه وقوته».

وكانت رؤية أسد حي في أوروبا أمراً نادراً وقت رسم اللوحة، ورجحت دار «سوذبي» أن رامبرانت ربما أُتيحت له فرصة رؤية أسد في أحد المعارض.