إردوغان يرفض الاستجابة لطلب أوروبا بتعديل قوانين مكافحة الإرهاب

نجاة الصحافي التركي جان دوندار من هجوم مسلح أمام المحكمة

إردوغان يرفض الاستجابة لطلب أوروبا بتعديل قوانين مكافحة الإرهاب
TT

إردوغان يرفض الاستجابة لطلب أوروبا بتعديل قوانين مكافحة الإرهاب

إردوغان يرفض الاستجابة لطلب أوروبا بتعديل قوانين مكافحة الإرهاب

حذر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس الاتحاد الأوروبي من أن أنقرة لن تغير قوانينها حول مكافحة الإرهاب مقابل إعفاء مواطنيها من تأشيرات الدخول إلى دول فضاء «شنغن»، ما يشكل عثرة أساسية أمام اتفاق إدارة أزمة الهجرة.
ويأتي التصعيد في موقف إردوغان غداة إعلان رئيس وزرائه، أحمد داود أوغلو، تنحّيه كرئيس للحزب الحاكم وبالتالي كرئيس للحكومة، حيث وعد الرئيس التركي بطرح الإصلاح الدستوري الذي يعزز سلطاته على استفتاء في أقرب وقت ممكن.
وردّا على هذه التغيرات السياسية، شدّد عدة مسؤولين أوروبيين على ضرورة أن تحترم تركيا الاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي حول وقف تدفق المهاجرين. وفي خطاب شديد اللهجة في إسطنبول، رفض إردوغان تعديل قانون مكافحة الإرهاب نزولا عند طلب الاتحاد الأوروبي مقابل إعفاء الأتراك من التأشيرات. وقال في خطابه إن «الاتحاد الأوروبي يطلب منا تعديل قانون مكافحة الإرهاب. ولكن في هذه الحالة نقول: نحن في جهة، وأنتم في جهة ثانية».
وكانت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، منحت الأربعاء تأييدها المشروط لإعفاء الأتراك من تأشيرات الدخول إلى فضاء «شنغن»، في إطار الاتفاق المبرم مع تركيا حول أزمة الهجرة. لكن المفوضية الأوروبية أوضحت أنه ما زال يتعين على تركيا تطبيق خمسة معايير حول التأشيرات من أصل 72 «بحلول نهاية يونيو (حزيران)» لجعل الإجراء ممكنا، وفقا لنائب رئيس المفوضية فرانك تيمرمانز. وتتعلق هذه المعايير خصوصا بمحاربة السلطات التركية للفساد، وإعادة النظر أيضا في التشريعات المتعلقة بالإرهاب.
من جانب آخر، أعلن إردوغان أن الإصلاح الدستوري الذي يعطي رئيس البلاد سلطات موسعة يجب طرحه سريعا على استفتاء. وقال إن «دستورا جديدا ونظاما رئاسيا يشكلان ضرورة ملحة»، داعيا إلى عرض المشروع «في أقرب وقت» على استفتاء، معتبرا أن تدخله في السياسة الداخلية «أمر طبيعي» بعد تنحي رئيس وزرائه.
وأضاف إردوغان في خطابه أن «البعض منزعج من متابعتي عن كثب التطورات المتعلقة بالحزب، ما الذي يمكن أن يكون أمرا طبيعيا أكثر من هذا؟».
وأعلن رئيس الوزراء التركي أمس نيته التنحي، في قرار يعزز موقع إردوغان في مسار إحكام قبضته على البلاد. وعبر عدة مسؤولين أوروبيين، في مقدمهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عن أملهم في ألا يؤثر تنحي رئيس الوزراء التركي على الاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي حول الهجرة.
وأعلن المتحدث باسم المستشارة الألمانية، يورغ سترايتر، أن «الاتحاد الأوروبي وألمانيا سيطبقان مستقبلا جميع التزاماتهما ونتوقع المثل من الطرف التركي». وقال سترايتر في لقاء صحافي دوري إن «المستشارة حتى الآن قامت بعمل مثمر مع رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، ومع جميع المسؤولين الأتراك. وننطلق من مبدأ استمرار هذا التعاون الجيد والبناء مع رئيس الوزراء الجديد». كما شدد على أن اتفاق الهجرة لوقف تدفق اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا عبر بحر إيجة لم يبرم «بين الاتحاد الأوروبي وداود أوغلو، بل بين الاتحاد الأوروبي وتركيا».
وينص الاتفاق على ترحيل كل المهاجرين الساعين إلى دخول اليونان بشكل غير شرعي، إلى تركيا مقابل تعهد أوروبي باستقبال لاجئ سوري مقابل كل لاجئ يبعد إلى الأراضي التركية. من جهتها، قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني إنه من المبكر جدا تحديد «تداعيات» التغيير السياسي في تركيا. وأوضحت خلال زيارة إلى كوسوفو «سنبحث كل هذه الأمور بالطبع، أولا مع السلطات التركية وسنحدد معا الخطوات اللازمة للمضي قدما».
بدوره، قال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز إن الاتحاد الأوروبي يراهن على الاستمرارية في (التفاوض مع) تركيا رغم التغيرات السياسية. وأضاف للصحافيين في روما: «آمل في أن تواصل الحكومة التركية المقبلة بغض النظر عمن سيكون رئيسها، النهج البناء للتعاون الذي كان يمثله أحمد داود أوغلو».
لكن تنحي داود أوغلو أثار مخاوف حول استمرارية الاتفاق حول الهجرة في ألمانيا، التي استقبلت أكبر عدد من طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي عام 2015، بلغ أكثر من مليون شخص. وأعرب حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، حزب المستشارة، وحزب الخضر المعارض عن الأسف للتغيير في رئاسة الحكومة التركية. وصرح المسؤول في الاتحاد المسيحي نوربرت روتغن: «في جميع الملفات المهمة لأوروبا، أراد داود أوغلو تقريب تركيا من أوروبا. أما إردوغان فمن الجلي أنه لا يرغب في ذلك» مضيفا: «هذا خبر سيئ لأوروبا وخصوصا لتركيا». كما أسفت المتحدثة باسم حزب الخضر كاترين غورينغ - ايكارت لمغادرة «شريك جدير بالثقة».
من جهة أخرى، نجا الصحافي التركي المعارض، جان دوندار، أمس من هجوم مسلح أمام قصر العدل في إسطنبول حيث يحاكم بتهمة «كشف أسرار دولة»، وتم اعتقال المهاجم، حسب ما نقلت صحافية وكالة «الصحافة الفرنسية» في المكان.
وأوضحت المراسلة أن رجلا أطلق عدة طلقات من مسدس، فأصاب صحافيا تلفزيونيا في ساقه، قبل أن يلقي سلاحه أمام الكاميرات ويسلم نفسه إلى الشرطة. وقال دوندار، رئيس تحرير صحيفة «جمهورييت» بعد الاعتداء: «لم أصب بأذى وأنا لا أعرف هذا الشخص». وأفادت وسائل إعلام أن الرجل صرخ «خائن»، قبل إطلاق رصاصات عدة باتجاه ساقي دوندار.
ويحاكم دوندار مع رئيس مكتب صحيفة «جمهورييت» في أنقرة، اردم غول، بتهمة كشف معلومات عن قيام السلطات التركية بتسليم أسلحة إلى مجموعات مسلّحة في سوريا. ويمكن أن يحكم على الصحافيين بالسجن المؤبد في هذه المحاكمة التي لقيت انتقادات واسعة محلية ودولية. ويتهم الصحافيان بالتجسس وكشف أسرار دولة ومحاولة القيام بانقلاب عبر نشر مقالة مرفقة بشريط فيديو تكشف عن قيام أجهزة المخابرات التركية بتسليم أسلحة إلى مسلحين في سوريا.



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.