خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

مسؤولون أميركيون أكدوا ضلوع جماعات الضغط المرتبطة بطهران في إثارة مشروع «العدالة ضد داعمي الإرهاب» * تصعيد التوتر بين واشنطن والرياض يهدد إرث أوباما

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
TT

خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)

تصاعدت مطالبات في الولايات المتحدة تساندها بعض وسائل الإعلام الموجهة من بعض جماعات الضغط الموالية لطهران والمساندة للاتفاق النووي، بضرورة الكشف عن الأوراق والملفات غير المعلنة التي تزعم وجود علاقة للسعودية بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
هذه الملفات عبارة عن 28 ورقة ضمن تقرير حبيس الأدراج في مبنى «الكابيتول»، حيث يقع مقر الكونغرس منذ نحو 14 عامًا.
وأشارت تقارير صحافية الشهر الماضي إلى احتمالية إقرار البرلمان الأميركي (الكونغرس) مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، الذي يُتيح تحميل السعودية مسؤولية هجمات سبتمبر في المحاكم الأميركية.
يقول مسؤول استخباراتي سابق في إدارة بوش الابن إنه يعتقد أن اللوبي الإيراني ومن خلفه بعض الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، الذين صوتوا في معركة الاتفاق النووي لصالح تمرير «قرار التأييد» وراء مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، وذلك كإجراء انتقامي من السعودية المناهضة للاتفاق النووي.
شهدت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة المزيد من التوتر خلال الأسابيع الماضية، وعادت المزاعم القديمة حول الرياض والإجراءات القانونية التي كان البعض يرغب باتخاذها ضدها في الفترة اللاحقة على خلفية مأساة 11 سبتمبر إلى السطح مرة أخرى.
يميل جناح اليسار بالحزب الديمقراطي، الذي يؤيد بقوة رغبة الرئيس باراك أوباما في إقامة تحالف استراتيجي بعيدا عن التحالفات التقليدية لأميركا في الشرق الأوسط وصوب إيران، لتأييد التحرك بعيدا عن المملكة العربية السعودية. ومن جهة أخرى، يميل جناح الوسط بالحزب الديمقراطي لتجنب التورط في ذلك الجدل. وعلى الرغم من أن بعض الجمهوريين اليمنيين ألقوا بتصريحات معتدلة تدعو لإصلاح العلاقات السعودية الأميركية، ما زال هناك جانب من اليمين يرفض ذلك. وفي الوقت نفسه، التزم جانب كبير من الجماعات العرقية الشرق أوسطية التي تعيش بالخارج، الذين كان من المفترض أن يؤيدوا المملكة العربية السعودية في مناقشات الرأي العام الأميركية، الصمت المطبق.
وربما لا يكون مفاجئًا أن يصدر تصريح عن الجانب السعودي ينادي بـ«الإصلاح الاستراتيجي» للعلاقات بين كلا البلدين في أعقاب زيارة الرئيس أوباما للرياض الشهر الماضي، التي نظر إليها مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة باعتبارها زيارة مخيبة للآمال: فقد صرح الأمير تركي الفيصل لـ«سي إن إن» في حوار أجري معه في 20 أبريل (نيسان) بأن وقت «إعادة تقييم العلاقات مع أميركا قد حان - إلى أي حد يمكن أن نذهب في اعتمادنا على أميركا. إلى أي حد يمكننا أن نعتمد على ثبات توجهات القيادة الأميركية. ما الذي يجعل مصالحنا المشتركة تلتقي.. لا أعتقد أننا يجب أن نتوقع أن يعود أي رئيس أميركي جديد إلى الأيام الخوالي عندما كانت الأمور مختلفة».
ولكي نفهم الظاهرة وتداعياتها على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، أجرت الشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر تحقيقًا موسعًا يتضمن مناقشات مع مسؤولين أميركيين سابقين بالاستخبارات المطلعين على تنظيم القاعدة وتحالفاته المعقدة، وحوارًا مع خبير أميركي مرموق حول مكافحة الإرهاب والرئاسة الأميركية، وحوارًا مع عالم نفس من نيويورك لديه خبرة في السرية و«ازدواجية المعايير» في النفسية السياسية الأميركية.
وكانت المحصلة هي تكوين صورة حول فترة زمنية تتضمن غموضا غير مسبوق واضطرابا في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وعدم وجود معارضة منظمة ومتجانسة للأجندة الاستراتيجية للرئيس أوباما فيما يتعلق بإيران والمملكة العربية السعودية ومناطق الحروب بالوكالة في المنطقة.
هناك مقدمة مهمة للتصعيد الجديد في التوتر بين السعودية والولايات المتحدة: ففي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تقارير في وسائل الإعلام الأميركية تشير إلى أن إيران لم تلتزم تماما بالاتفاقية النووية الإيرانية، ومع ذلك استمرت إدارة أوباما في السعي بقوة لرفع أكبر قدر ممكن من العقوبات التي ما زالت مفروضة على إيران.
فعلى سبيل المثال، اختبرت إيران صاروخين باليستيين جديدين في مارس (آذار) تزعم الولايات المتحدة أنهما ينتهكان القيود التي فرضتها الأمم المتحدة على برنامج الصواريخ الإيراني. ومن ثم، قدم البيت الأبيض عرضا اقترح فيه فرض جولة جديدة من العقوبات على إيران، وهو الاقتراح الذي أثار أزمة قانونية مفاجئة.
وأصبح واضحا أن الصفقة النووية تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، السيطرة على طموحات طهران فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية. ولكن في الوقت نفسه، كانت إدارة أوباما تدفع بقوة لكي ترفع العقوبات الإضافية المفروضة على إيران، فعلى سبيل المثال، اتضح في أواسط شهر أبريل أن إدارة أوباما كانت تحث حكام الخمسين ولاية على إلغاء القوانين التي تقضي بحرمان الشركات التي تشارك في أعمال مع إيران من التمويل الحكومي. ووفقا لما نشرته «الشرق الأوسط» خلال الأسابيع الماضية، يبدو أن إدارة أوباما عازمة على منح إيران القدرة على التعامل بالدولار في تعاملاتها المالية الدولية - وهي المنحة التي يمكنها إثراء خزائن الحكومة الإيرانية وهو ما يمكن أن تستغله السلطات لتحقيق أي غرض تختار السعي لتحقيقه.
ومن جهة أخرى، بدأت بعض الأصوات الإعلامية الأميركية تدق جرس الإنذار حول هذه التوجهات الجديدة. ففي مثال صارخ، كتب المعلق المحافظ، ماكس بوت، في مجلة «كومنتاري»، التي تعارض الصفقة النووية الإيرانية: «بدأ احتفاء الرئيس بإيران يأتي بنتائج عكسية، حيث يكثف الملالي الذين لم يتخلوا عن أساليبهم الداعمة للإرهاب، جهودهم تأييدا للميليشيات الدموية في سوريا والعراق وما بعدهما - ومن ثم يدفعون بالمزيد من السنة إلى براثن الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة و(داعش)».
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس كان يثير غضب حلفائه السابقين في دول الخليج ويخسر تأييد رؤيته «للتوازن الاستراتيجي» مع إيران على صعيد الرأي العام الأميركي.
أضف إلى ذلك تطورًا آخر في أواسط أبريل أغضب مؤيدي اتجاه الإدارة صوب إيران بالإضافة إلى الحكومة الإيرانية نفسها:
ففي 20 أبريل في قرار جاء بتصويت 6 في مقابل 2، أصدرت المحكمة الأميركية العليا حكما بفرض ملياري دولار نيابة عن ضحايا الإرهاب الذي ترعاه إيران بما في ذلك تفجير ثكنات فيلق البحرية في 1983 في لبنان، الذي أسفر عن مقتل 241 من العاملين به. ووفقا للحكم، يمكن للمدعين في القضية أن يحصلوا على الأموال من البنك المركزي الإيراني الذي جمدت أصوله الولايات المتحدة. وفي أعقاب ذلك، هدد الرئيس حسن روحاني مباشرة بالطعن على قرار صرف ملياري دولار برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وبمعنى آخر، لم تكن مناقشات السياسة الخارجية بصفة عامة في صالح تطلع الرئيس في المضي قدما في الهدف المميز لسياسته الخارجية ألا وهو إعادة التوازن بالاتجاه لإيران.
وفي أبريل أيضا، تغيرت ديناميات المناقشات الأميركية العامة على نحو درامي، بعيدا عن التركيز على إيران والصفقة النووية وباتجاه النقاط التاريخية للجدال بين الولايات المتحدة والسعودية.
وجاء أول عامل في ذلك التغير قبل عدة أيام من رحلة أوباما المقررة للمملكة العربية السعودية «لتهدئة الأجواء» مع زعماء مجلس التعاون الخليجي، عندما تم بث مقطع فيديو تصدر عناوين الأخبار في برنامج «60 دقيقة». صور البرنامج حوارا مطولا مع السيناتور الديمقراطي السابق بوب غراهام الذي كان يلعب دورا رئيسيا في التحقيقات الأميركية الحكومية الأولى في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بعد وقوع الهجمات. (جدير بالذكر أن غراهام كان يعرب باستمرار عن تأييده للصفقة النووية الإيرانية). في الحوار، لفت غراهام انتباه الناس إلى وثيقة الـ«28 ورقة» الشهيرة الآن - ما زالت جزءا سريا من تقرير قدمته لجنة بالكونغرس كانت تحقق في إخفاق الاستخبارات فيما يتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ولمّح غراهام مرارا أثناء الحوار، على غرار الكثير من المسؤولين والشخصيات الإعلامية، إلى أن هذه الصفحات تتضمن معلومات تزعم وجود صلة بين السعودية وأخطر العمليات الإرهابية التي حدثت على الأراضي الأميركية على الإطلاق. وفي إطار عرضه لأفكاره المعروفة، كان غراهام يلجأ إلى لب المناقشات الأميركية العامة، الذي يتعلق بموضوع مطروق منذ 12 عاما، على الرغم من أنه لم يحدث أي تطور في ما يتعلق بوثيقة الـ«28 صفحة» يبرر تصدير ذلك باعتباره «خبرا جديدا».
جدير بالذكر في هذا السياق، أن الحكومة السعودية كانت تدعو منذ عام 2003 للإفراج عن الـ28 صفحة حتى تتم مناقشتها صراحة وعلانية.
وأشار مسؤول أمني أميركي أنه قبل نحو 13 عاما أكد وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل أن بلاده ليس لديها شيء تخفيه أو تسعى لحجبه، بل «تؤمن المملكة أن نشر الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة - لأسباب غير واضحة حتى الآن - سيمكنها من الرد على أي مزاعم بصورة واضحة وموثوقة، وإزالة أي شكوك حول دور السعودية المعلن والحقيقي في حربها ضد الإرهاب والتزامها بذلك أمام العالم».
على أي حال، ففي ظل ثقافة سياسية تتشكك بصفة عامة في «نظريات المؤامرة»، وصف كثير من نقاد إدارة أوباما ما يعتقدون أنه كان جهودا مستترة للتلاعب بالرأي العام الأميركي من خلال تشتيت الانتباه بعيدا عن إيران وصوب المملكة العربية السعودية.
وقد استشهد الصحافي المحافظ، لي سميث، الذي يكتب في مجلة «ويكلي ستاندرد» بمصدر سابق بمجلس الأمن الوطني مطلع على وثائق الـ«28 صفحة» وهو يقول: «لا يوجد شيء مهم بهذه الصفحات». ومن ثم استنتج سميث أن هذا الجدل كان متعمدا «بنية توريط السعوديين». وتأييدا لذلك الموقف، قال إدوارد تورزانسكي، ضابط الاستخبارات في الحكومة الأميركية خلال فترة حكم ريغان «لجأت الإدارة إلى نمط سلوكي استخدمت عبره أي أداة أمكنها استخدامها لكي تعزز العلاقات مع إيران.. (و) بصفة عامة يتضح أن الإدارة تحجب أجزاء محددة من المعلومات في أوقات محددة، لكي يكون لديها رصيد سياسي يمكنها من تحقيق الغرض الذي ترغب فيه وتنشر أجزاء أخرى من المعلومات في أوقات أخرى للدفاع عن نفس الهدف. وقد تميل بعض وسائل الإعلام لعدم انتقاد الرئيس وحمايته عندما تتعرض مبادرته السياسية لخطر محدق».
وقد أثار إحياء النقاش حول الـ«28 ورقة» نقاشًا إعلاميًا محملا بالعواطف، حتى أصدرت بعض الشخصيات العامة انتقادات حادة ضد السعودية بصحيفة «نيويورك تايمز» 21 أبريل الماضي.
وفي الوقت نفسه، جاءت تغطية صحيفة «وول ستريت جورنال» الأقرب لليمين على الدرجة نفسها من الحدة. ويبدو أن تلك التعليقات التي تم نشرها في صحيفة معروفة بانتقادها لسياسات إدارة أوباما كانت تستهدف التركيز على المناحي التي تثير غضب خصوم أوباما في واشنطن. بمعنى آخر، كان المقال يحاول إثارة غضب الجمهوريين لكي يتخلوا عن الرغبة في إصلاح التحالفات العربية التقليدية لأميركا.
بالتزامن مع إصدار تقرير «60 دقيقة»، كانت هناك محاولات في الكونغرس للتصويت على مشروع قانون يطلق عليه «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب»، كان قد تقدم به أحد الجمهوريين وسيناتور ديمقراطي في سبتمبر الماضي وهو ما يمكن أن يدفع أسر ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن يقاضوا السعودية عن الأضرار التي لحقت بهم في المحاكم الأميركية - رغم عدم وجود دليل يدين المملكة في الأحداث.
وفي تلك البيئة المشحونة، أصدر مسؤولون بالبيت الأبيض تصريحات تجعل الإدارة الأميركية تبدو كـ«صوت الاعتدال» إن لم تكن أكثر المدافعين عن المملكة العربية السعودية. وأعلن البيت الأبيض معارضته لمشروع القانون - لأسباب إجرائية، وفقا للمتحدث باسم البيت الأبيض جوشوا إرنست: «إن تخوفنا الرئيسي هو أن هذا القانون يمكن أن يضع الولايات المتحدة ودافعي الضرائب وجنودنا ودبلوماسيينا في خطر بالغ إذا ما تبنت الدول الأخرى قوانين مشابهة». كما أجرت الإدارة أيضًا سلسلة من المكالمات الهاتفية مع عدد من الشخصيات الرئيسية بالكونغرس لحثهم على التصويت ضد التشريع. وفي تصريحات رسمية حول لقاء الرئيس بزعماء مجلس التعاون الخليجي في الرياض، تمت الإشارة أكثر من مرة إلى أنه لم يتم التطرق إلى التشريع أو إلى وثيقة الـ28 صفحة.
وفي ظل وصول التوتر السعودي الأميركي للذروة، أصدر اثنان من القادة السابقين بلجنة الحادي عشر من سبتمبر اللذان يشاطران الرأي العام الاحترام والجدية في الأمور المتعلقة بالمأساة تصريحات مهمة، الحاكم السابق توم كيان والنائب السابق لي هاميلتون. يسعى التصريح لتصحيح عدد من المفاهيم الخاطئة التي تمت إثارتها في الأسابيع الأخيرة كنتيجة للمناقشات الإعلامية المحمومة حول الـ«28 ورقة».
وقد بذل كل من هاميلتون وكيان جهودا مضنية في تصريحاتهما لكي يؤكدا أن التقرير الضخم الذي أصدرته لجنة الحادي عشر من سبتمبر ذا أهمية كبرى للمملكة العربية السعودية، نظرا لحقيقة أن معظم المختطفين في تلك الهجمات كانوا مواطنين سعوديين. ولكنهما أقرا أيضًا بأن المملكة نفسها أصبحت الهدف الرئيسي للجماعات المتطرفة، وأن «السعودية حليف للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، كما قتل الكثير من الجنود السعوديين في المعركة ضد عناصر (القاعدة)».
خلال فترة الخطاب التصعيدي الذي امتد لعدة أسابيع، كان من المدهش أن نلاحظ أن بعض أكبر المنظمات الإسلامية الأميركية في واشنطن التزمت الصمت فيما يتعلق بقضية الـ«28 ورقة» و«قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب». كما لم يعربوا عن اعتراضهم على ميل إدارة أوباما بعيدا عن المملكة العربية السعودية وباتجاه إيران. وعلى النقيض، انضمت بعض المنظمات الإسلامية الأميركية للفريق المؤيد لسياسات الإدارة الأميركية فيما يتعلق بإيران، وأعربوا عن حماسهم للمساعدة في تلك العملية.
ومن أبرز الأمثلة في ذلك السياق كان «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية - كير» الذي تأسس في التسعينات على يد أعضاء من «رابطة فلسطين الإسلامية» المؤيدة لحماس في شمال أميركا. وسرعان ما خلقت المنظمة لنفسها مساحة بين الجماعات المسلمة الرئيسية في أميركا حيث كانت تمزج بين النشاطات في الحقوق المدنية والتصريحات السياسية من حين لآخر. ووسط الجدال العام حول الاتفاقية الإيرانية النووية في عام 2015، دعت «كير» الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للحديث في أميركا، ولم تكن المرة الأولى: «أخذا في الاعتبار التوتر الذي يتنامى بين إيران والولايات المتحدة، من الضروري الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة بين البلدين، وهذه إحدى طرق الاستمرار في فتحها».
ولكن الجماعة لم تبذل أي جهود لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية - وعلى الرغم من أن المزاعم ضد الحكومة السعودية عادت للظهور مرة أخرى خلال ربيع 2016، التزم كل من موقع المنظمة وقياداتها الصمت التام حيال القضية.
جدير بالذكر في هذا السياق أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، تم تصنيف «كير» باعتبارها «تنظيما إرهابيا» من قبل حكومة الإمارات، ربما نظرا لوجود الكثير من التقاطعات مع الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين.
ولكن الجماعات الإسلامية ليست هي التنظيمات الوحيدة التي اتخذت موقفا سلبيا تجاه حشد الدعم للتحالف السعودي الأميركي. فعلى الرغم من وجود عناصر سياسية لبنانية أميركية تؤيد موقف السعودية في بلادهم وكذلك جماعات يمنية أميركية وسورية أميركية تتطلع إلى المملكة العربية السعودية لمساعدة إخوتهم في مواطنهم، لم تحاول أي من هذه الجماعات، على مستوى تنظيمي، أن تؤثر في الرأي العام الأميركي لصالح المملكة العربية السعودية في واشنطن. أما بالنسبة للجماعات اليهودية والجماعات الموالية لإسرائيل، فقد أعربت المنظمة اليهودية اليسارية «جي ستريت» عن دعمها للاتفاقية النووية الإيرانية. ولكن المنظمة الأكبر والأكثر موالاة لإسرائيل «إيباك» فقد عارضت بقوة الاتفاقية النووية الإيرانية، وكانت من أكثر المدافعين عن الأردن ومصر والعلاقات الوثيقة مع حلفاء إسرائيل العرب. ولكن فيما يتعلق بالأمور المزعجة بالنسبة للمملكة العربية السعودية - مثل وضع وثيقة الـ«28 ورقة» وقانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، لم تتخذ «إيباك» حتى يومنا الحالي أي موقف علني.
وكانت جماعات الضغط الوحيدة للجاليات الأجنبية بالولايات المتحدة التي اتخذت موقفا واضحا من الجدل هي إحدى أكثر الجماعات معارضة للمملكة العربية السعودية: جماعات الضغط الإيرانية. تضمنت المجموعة «المجلس الوطني للعلاقات الإيرانية الأميركية» و«المجلس الإيراني الأميركي»، اللذين كانا ينشران أكثر التصريحات المنذرة بشأن الـ«28 صفحة» كما أن المعلقين السياسيين المطالبين بإصدار «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب».. كانوا يؤيدون جميعا الخطاب الموالي لطهران وينظرون إلى الحرس الثوري الإيراني باعتباره أفضل من الجهاز الأمني السعودي كحليف في الصراع ضد الإرهاب.
رغم وجود أصوات مناهضة للمملكة السعودية والأصوات التي تطالب بتمرير قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، أعلنت بعض الأصوات عن تأييدها الواضح للتحالف السعودي الأميركي.
فقد كتب ماكس بوت، أحد المعلقين المحافظين المرموقين في مجلة «كومنتاري» أن واشنطن لا يجب أن تسمح للتحالف الأميركي السعودي بأن ينهار. قال بوت: «تعد المملكة العربية السعودية قوة رئيسية وضرورية لدعم النظام الذي تقوده أميركا في الشرق الأوسط. ولكن إيران، على النقيض من ذلك، يحكمها نظام ثوري عازم على مد حكمها في المنطقة وتدمير إسرائيل والحصول على الأسلحة النووية».
ومن جانبه، أكد جون بولتون، السفير السابق لدى الأمم المتحدة وأحد المدافعين عن إدارة جورج بوش، اعتقاده أن السعودية لا تتحمل هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ففي حوار مع شبكة «فوكس» الإخبارية في 18 أبريل، قال: «دعونا نكن واضحين، لقد نظرت إدارتان مختلفتان للغاية، وهما إدارة جورج بوش وإدارة باراك أوباما، في مئات الآلاف من الصفحات التي تتضمن أدلة تتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتوصلت إلى أن المملكة العربية السعودية والمسؤولين بها لم يكونوا متورطين».
وفي الوقت نفسه، يمكن لتأثير تلك المناقشات الحادة - خصوصًا فيما يتعلق بوثيقة الـ«28 ورقة» السرية - أن تزيد حالة البارانويا، والخوف، في السياسات الأميركية.
ومن ثم يقول إيرا موسى، الطبيب النفسي ومدير التدريب بمعهد ويليام ألانسون وايت، بنيويورك: «تظهر الصعوبات عندما تكون الوثائق والتقارير سرية جزئيًا، وبالتالي، لا تستطيع عقولنا احتمال وجود فراغات، خصوصًا إذا ما كان الأمر يتعلق بأكثر الأحداث كارثية في التاريخ الأميركي. ودون المعلومات المفقودة في الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة، سوف يطلق الأفراد وكذلك الجماعات ببساطة ودون وعي العنان لخيالهم وللافتراضات لكي يملأوا الفراغات.
كما يصبح الأفراد أكثر عرضة لتصديق الإشاعات التي تأتي من المصادر التي يميلون للارتباط بهم. وعلى الرغم من أنه في وقت ما سيصبح من الضروري الإفراج عن وثيقة الـ(28 صفحة)، يمكننا أن نتساءل: لماذا زادت حاليا التقارير والتكهنات حول محتواها. وسوف تزيد الفانتازيا حول تلك المادة السرية يغذيها مخاوفنا وتوتراتنا، على غرار خوفنا من السير في الظلام أو خوف الأطفال من الأشباح المختبئين تحت الأسرّة».
* ينشر بالتزامن مع الشقيقة {المجلة}



«معهد الدراسات اليهودية»: الإسرائيليون يخشون «حرباً أهلية»

امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
TT

«معهد الدراسات اليهودية»: الإسرائيليون يخشون «حرباً أهلية»

امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)

كشف التقرير السنوي لـ«معهد الدراسات اليهودية» الذي نُشرت نتائجه الأحد، عن تصاعد المخاوف من الانقسام الداخلي داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث اعتبر أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع، أن الاستقطاب المجتمعي يمثل التهديد الأخطر الذي يواجه الدولة، فيما عبر التقرير عن وجود خشية لدى الإسرائيليين مما وصفته وسائل إعلام عبرية بـ«حرب أهلية محتملة» عدّوها «أخطر على وجودهم من الفلسطينيين، و(البرنامج) النووي الإيراني».

ووفقاً للتقرير، رأى 55 في المائة من المستطلعين أن الانقسام الداخلي يشكل الخطر الأكبر على إسرائيل، متقدماً بفارق ملحوظ على «التهديد النووي الإيراني» الذي اختاره 23 في المائة، أو الصراع مع الفلسطينيين (18 في المائة).

وقالت صحيفة «معاريف» إن التقرير أظهر أن «الإسرائيليين يخشون بشدة خطر الحرب الأهلية أكثر من الفلسطينيين والنووي الإيراني». ويتفق 6 من كل 10 إسرائيليين (60 في المائة) على وجود خطر حقيقي حالياً لإراقة الدماء والعنف الجسدي داخل إسرائيل (حرب أهلية).

وفي التقرير يعترف نحو نصف الجمهور العلماني في إسرائيل (الذي يشكل أكبر مجموعة بين اليهود)، بأنهم لم يعودوا مقتنعين بأن إسرائيل هي المكان الصحيح، والأكثر أماناً لأطفالهم وأحفادهم للعيش فيه.

وبينما تؤيّد غالبية الجمهور (80 في المائة) تجنيد «الحريديم» (اليهود المتشددين)، فإن الرفض لدى «الحريديم» لا يزال صلباً؛ إذ عبّر 79 في المائة من بينهم عن معارضة التجنيد «حتى عندما يتم تقديم أطر عمل مخصصة، ومنفصلة مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتهم».

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي يوم 30 يونيو 2024 (أ.ب)

وقالت وسائل إعلام إسرائليية إن التقرير يؤكد بوضوح أن العامل الرئيسي الذي يمنع الإسرائيليين من الشعور بالتقارب فيما بينهم اليوم، ليس الجنسية أو العرق أو الأصل؛ بل الانتماء إلى معسكر سياسي متنافس (يمين أو يسار).

وقالت «معاريف»: «يؤدي الاستقطاب السياسي إلى تدمير كل شيء: إذ يقيّم أنصار اليسار مدى قربهم من أنصار اليمين بدرجة 1.25 فقط، بينما يقيّم أنصار اليمين مدى قربهم من اليسار بدرجة 3.48».

بنيت يحذر من انتخاب نتنياهو مجدداً

في غضون ذلك، شن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بنيت، هجوماً شرساً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، محذراً الإسرائيليين من أن «فترة ولاية أخرى لنتنياهو ستترك إسرائيل بلا مجتمع».

وجاء تصريحات بنيت وهو المنافس الأبرز لنتنياهو في الانتخابات المقبلة والمتوقعة في أواخر العام الحالي، خلال مقابلة مع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ندد خلالها بنهج نتنياهو في كل شيء.

واعتبر بنيت «أنه (نتنياهو) فقد ببساطة القدرة على الحكم، وعلى كسب الحروب، وعلى استعادة الأمن والنظام، وعلى دمج المتشددين دينياً في المجتمع الإسرائيلي، وعلى إصلاح مكانة إسرائيل المتضررة في العالم».

كما هاجم بنيت «الحرب المطولة» على جبهات متعددة، باعتبار أنها «لم تكن عقيدة إسرائيل»، لأنها «تستنزف المجتمع والجنود والاقتصاد، وتضر بمكانة الدولة».

ووصف بنيت الانتخابات المقبلة في إسرائيل بأنها «أهم انتخابات في تاريخ إسرائيل»، مضيفاً في حديثه مع الصحيفة بمقر حملة حزب «معاً»؛ الحزب الجديد المندمج الذي يقوده الآن مع رئيس الوزراء السابق يائير لبيد، أن إسرائيل تواجه «لحظة وجودية»، وحذر من أن ولاية أخرى في ظل الحكومة الحالية، ستترك إسرائيل بلا اقتصاد ولا مجتمع ولا مكانة دولية فاعلة.

بنيت ولبيد خلال مؤتمر صحافي مشترك بمدينة هرتسيليا الإسرائيلية مساء الأحد (إ.ب.أ)

واعتبر بنيت الذي شغل منصب رئيس الوزراء في الفترة من 2021 إلى 2022 بعد إزاحة نتنياهو، أن اعتماد نتنياهو على شريكيه في الائتلاف من اليمين المتطرف؛ إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، قد جعله عاجزاً عن العمل. كما انتقد بنيت بشدة تعامل الحكومة مع أزمة التجنيد الإجباري لليهود «الحريديم»، واصفاً نهج إسرائيل الممتد لعقود تجاه الحكم الذاتي لـ«الحريديم»، بأنه حالة «انتحار وطني بطيء».

وفيما يتعلق بعنف المستوطنين، أدان بنيت العنف ضد الفلسطينيين الأبرياء وضد الجنود «بأشد العبارات الممكنة». وأضاف: «سأعيد القانون والنظام إلى إسرائيل».

وبالنسبة للفلسطينيين، قال: «سنحمي أمن إسرائيل مع الحفاظ على كرامة الشعب الفلسطيني وسبل عيشه. لن يرحلوا، ولن نرحل نحن أيضاً. علينا أن نتحلى بالحكمة الكافية لاتخاذ خطوات تُحسّن حياتهم اليومية دون المساس بأمن المواطنين الإسرائيليين».

وتحدث بنيت عن إضعاف المجتمع الإسرائيلي عبر الحكومة الحالية حتى قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول)، عبر «الإصلاح القضائي والطريقة التي تصرفت بها الحكومة، والتي كانت بمثابة رسالة إلى نصف الشعب الإسرائيلي: نحن نحتقركم، وسننتقم منكم».


أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
TT

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إن من غير الواقعي توقع أن يحقق أي اتفاق جديد بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وطهران «تحسناً ملموساً» مقارنة بالاتفاق النووي الذي أبرمته إدارته مع إيران قبل 11 عاماً.

وفي مقتطفات من مقابلة بُثت، الأحد، ضمن برنامج «هذا الأسبوع» على شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال أوباما إن التوصل إلى اتفاق لا يلبي كل مطالب واشنطن يبقى أفضل من الانزلاق إلى حرب شاملة، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث أوباما عن الاتفاق النووي المبرم عام 2015، الذي انسحب منه ترمب خلال ولايته الأولى، مشككاً في «إمكان وجود اختلاف جذري أو تحسن ملموس بين أي اتفاق يتم التوصل إليه حالياً والاتفاق الذي أبرمناه في البداية». وأضاف أن اتفاقه «بقي سارياً مدة طويلة قبل انسحاب الولايات المتحدة منه».

وتأتي تصريحات أوباما بينما يلوح ترمب منذ أشهر بإمكان التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران، من دون أن توقع طهران أي وثيقة حتى الآن. ويقول ترمب إن الاتفاق المرتقب سيمنع إيران إلى الأبد من امتلاك سلاح نووي، وسيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز المغلق عملياً.

ولم تؤكد طهران بعد استعدادها للتوقيع، وقالت إن محادثات السلام مع الولايات المتحدة «لا جدوى» منها حالياً، بعد ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. وتصر إيران على أن يشمل أي اتفاق كل جبهات النزاع.

وقال أوباما إن تعثر المسار الجديد يذكر بأن واشنطن لا تستطيع «فرض إرادتها بالقوة، أو شق طريقها نحو الحلول بالقصف» بدلاً من اعتماد دبلوماسية شاملة. وأضاف: «كان يُفترض أن نكون قد تعلمنا هذا الدرس».


الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن من يؤمن بالوحدة والتماسك الوطني، ويدّعي الالتزام بولاية الفقيه، فعليه أن يجعل قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي أساساً للتحرك، باعتبارها حصيلة رأي جميع أركان النظام، في رد مباشر على تصاعد الهجمات الداخلية ضد مسار التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن بزشكيان قوله إن المجلس الأعلى للأمن القومي خلص إلى أن «مسار الحوار يجب أن يستمر»، مؤكداً أن قرار الحرب والتفاوض يعود إلى المجلس الذي يضم ممثلين عن مختلف مؤسسات الحكم، ومن بينهم ممثلو المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

ووجه بزشكيان انتقاداً مباشراً إلى التلفزيون الرسمي، قائلاً إن ما يُطرح أحياناً في الهيئة، بشأن الحرب والمفاوضات لا يعكس بالضرورة مواقف المجلس الأعلى للأمن القومي أو المجلس الأعلى للدفاع أو توجيهات المرشد. وحذر من محاولات «خلق انقسامات داخلية» وتعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وأضاف أن التطورات الأخيرة أظهرت أن «لا دولة أكثر حرصاً من إيران نفسها على مصالحها»، وأن طهران «لا ينبغي أن تتكئ على أحد...». وقال: «لن ننحني أمام أي قوة، لكننا نعد أنفسنا مسؤولين ومطالبين بالرد أمام الشعب الإيراني ومطالبه المشروعة»، مشدداً على أن المقصود بالشعب «كل الإيرانيين، لا تيار أو مجموعة بعينها».

وشدد بزشكيان على أنه لا يجوز لأي فرد أو تيار أن يضع نفسه فوق آليات اتخاذ القرار الرسمية، أو أن يحاول فرض قراءته الخاصة عبر ضغط إعلامي أو سياسي. وقال إن أي مسار تفاوضي يبقى مرهوناً بموافقة المرشد الإيراني وتقديره، مؤكداً أنه يعدّ نفسه ملزماً بالقرار النهائي للنظام، حتى إذا خالف رأيه الشخصي.

وأضاف أن النقد والمطالبة «حق طبيعي للمجتمع»، لكنه اعتبر مهاجمة أشخاص كلفوا بمهام قانونية «بعيدة عن الإنصاف والمروءة». وتابع: «من المؤسف أن من يؤدون واجباتهم في إطار مهام رسمية، وبهدف حماية المصالح الوطنية وكرامة البلاد، يواجهون اتهامات مثل الخيانة أو بيع الوطن».

وربط الرئيس الإيراني بين مسار التفاوض والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب، قائلاً إن أولوية حكومته هي تحسين معيشة الإيرانيين وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر.

وشدد على أن التفاوض لا يعني التخلي عن المبادئ أو الخضوع للضغوط، بل هو إحدى أدوات تأمين المصالح الوطنية، مؤكداً أن حكومته تسعى، عبر الحفاظ على الاقتدار الوطني، إلى «إيجاد انفراجة للبلاد وتأمين مصالح الشعب».

وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار يستقبل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي لدى وصولهما إلى إسلام آباد للمشاركة في الجولة الأولى من المحادثات الأميركية - الإيرانية في 11 أبريل الماضي (أرشيفية - الخارجية الإيرانية)

شعارات ضد قاليباف وعراقجي

جاءت تصريحات بزشكيان بعدما تحولت تجمعات مؤيدة للمرشد وتحشد لها السلطات يومياً في طهران ومشهد، إلى استعراض ضد الاتفاق المحتمل مع واشنطن، وقادتها وجوه توصف بأنها قريبة من «جبهة بايداري» الأصولية المتشددة. وفي ساحة ابن سينا بطهران، هتف محتجون ضد وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهما من أبرز الوجوه المرتبطة بمسار التفاوض.

وردد المحتجون شعارات من بينها: «عراقجي، اخجل... واترك البلاد»، و«قاليباف، عراقجي... ماذا عن دم قائدنا؟». كما تجمع عشرات الأشخاص أمام مبنى وزارة الخارجية في مشهد، احتجاجاً على تصريحات عراقجي بشأن الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة.

وبحسب مقاطع نشرتها وكالة «فارس»، رفع المحتجون شعارات ضد عراقجي، معتبرين أن التفاهم المحتمل لا يصب في مصلحة إيران، ويضعف ورقة الضغط التي تمتلكها طهران في مضيق هرمز.

وترافق ذلك مع تصعيد من نواب محافظين ومتشددين. وقال محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، الذي قال إنه اطلع على النص النهائي للاتفاق، إن توقيعه سيجعل إيران «رسمياً مستعمرة لأميركا». وأضاف أن الاتفاق ينص على فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون قيود أو رسوم، بينما تبقى «مسألة رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة غامضة».

وقال نبويان إن اليورانيوم المخصب «يجب أن يخفف» بموجب الاتفاق، متسائلاً عما إذا كان هذا النص يحقق المصالح الوطنية. كما انتقد، في تصريحات أخرى، صياغة البنود الأولى، قائلاً إنه كان يجب أن يشير النص إلى أن الولايات المتحدة هي من بدأت الحرب، لا أن يضع واشنطن وطهران على قدم المساواة.

مفاوضون تحت الهجوم

وامتد السجال إلى اتهامات بشأن غموض النص. وادعى النائب كامران غضنفري أن فريق التفاوض أبرم «اتفاقاً سرياً» مع الأميركيين يتناقض مع ما يعلنه للرأي العام، متهماً الفريق بمحاولة منع وصول النص الإنجليزي إلى الشعب والمسؤولين والنواب «حتى لا يتضح مدى تعارضه مع المصالح الوطنية والأمن القومي».

وقال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، النائب إبراهيم رضائي إنه «لا ينبغي الوقوع في خطأ حسابي»، مضيفاً أنه حتى لو كان هناك اتفاق أو تفاهم، فإن مساره يجب أن يكون «تأديب الكيان الصهيوني».

أما النائب مرتضى محمودي، فقال إن معارضة المفاوضات ونص الاتفاق «حق أكيد»، لكنه حذر من أن بعض المشاركين في التجمعات يحاولون، عبر الإهانات والهتافات ضد مسؤولين، حرف مطالب «الشعب الثوري» ومنح «تيار التسوية» فرصة للظهور بمظهر الضحية.

وفي المقابل، هاجم النائب المعتدل جلال رشيدي كوتشي معارضي الاتفاق، قائلاً إنهم «يدعون علناً إلى التمرد في الشوارع، ويهينون قادة الميدان والمفاوضات، ويضعفون النظام بكل قوة، ويهاجمون القائد الجديد بلا مبالاة». وأضاف أنهم جعلوا «كلمات ترمب حرفاً بحرف» أساساً لتحليلاتهم، لأنهم يدركون، حسب قوله، أنهم «سيُرسلون إلى مزبلة التاريخ مثل فرقان وحجتية».

وفي سجال منفصل، اتهم رشيدي كوتشي النائب نبويان بإشعال «نار الفتنة والانقسام»، وقال إنه خالف التوجيهات بعدم تحويل الخلافات إلى صراع وتفرقة، معتبراً أن إثارة الشكوك حول «قادة ميدان التفاوض» حولت النصر إلى هزيمة وأضعفت موقع إيران أمام خصومها.

قرار النظام

وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن القرار بشأن التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة يتخذ على مستوى «النظام والحكومة»، وإن مهاجمة المفاوضين تعني مهاجمة «قرار وطني».

ودافعت عن قاليباف وعراقجي، قائلة إن لكل منهما سجلاً في الدفاع عن «المصالح الوطنية». وأضافت أن «الدبلوماسية ليست ضد الميدان، بل استمرار للميدان»، وأن التفاوض من موقع قوة لا يعني التراجع.

وكتب عزت الله ضرغامي، وزير الثقافة الأسبق، أن موضوعاً بهذا الحجم لا يمكن أن يكون خارج الإشراف الدقيق للمرشد، داعياً إلى الحفاظ على التضامن بوصفه «السلاح الأكثر فعالية».

وقال حسن خميني، حفيد المرشد الإيراني، إن الظروف الحالية لا تحتمل «الشجار والخلاف والكلمات الحادة»، داعياً إلى الثقة بـ«الحكمة الجماعية» والقرارات الكبرى التي يتخذها كبار مسؤولي النظام. وشدد على أن الجميع يمكنهم تقديم آراء استشارية، لكن بعد اتخاذ القرار النهائي «يجب الالتزام به».

ودافع حسن خميني عن موقع قاليباف في مسار القرار والتفاوض، واصفاً إياه بأنه «قائد حرب ومن كبار مديري الجمهورية الإسلامية»، وقال إن مهاجمة كبار صناع القرار «لا طائل منه»، خصوصاً أن هذه القرارات تتم، بحسب قوله، تحت إشراف المرشد الإيراني ومصادقته.

كما سعى عضو مجلس خبراء القيادة محمد مهدي ميرباقري إلى تهدئة المخاوف، قائلاً إن المفاوضات الجارية «لن تسير بشكل ضعيف»، وإن المرشد الإيراني «يمارس إشرافاً جدياً ويصدر توجيهات حاسمة ويسيطر على المشهد». وأضاف أن فريق التفاوض الحالي «يختلف عن الفرق السابقة»، داعياً إلى عدم ضخ القلق في المجتمع.

ثلاثة تيارات معطلة

وقال موقع «خبر أونلاين» المقرب من حكومة بزشكيان إن المعارضة المنظمة للمفاوضات تقودها ثلاثة تيارات: هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وأنصار حكومة الرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي، و«جبهة بايداري» المتشددة، بشبكتها الإعلامية ونوابها في البرلمان. ورأى الموقع أن هذه التيارات لا تقدم نقداً فنياً، بل تعتمد الاتهام وتشويه الشخصيات وبث التشاؤم تجاه أي تفاعل دبلوماسي مع واشنطن.

وأشار التقرير إلى أن هيئة الإذاعة والتلفزيون تحولت عملياً إلى منصة لمعارضي التفاوض، عبر برامج بثت خطابات تصف التفاوض بأنه «حرام» أو تعبيراً عن ضعف الإيمان. كما انتقد طريقة تناول الإعلام الرسمي لتصريحات القيادة، قائلاً إن بعض المقاطع تعرض وكأن النظام يرفض أي تفاوض مطلقاً.

أما أنصار حكومة رئيسي، فيربطون أي تفاوض جديد بتجربة الاتفاق النووي السابق وحكومة حسن روحاني، رغم أن الفريق الحالي لا ينتمي تنظيمياً إلى تلك الحكومة، وأن قاليباف نفسه شخصية أصولية. ووفق التقرير، فإن الهدف لم يعد نقد مضمون التفاوض بقدر ما أصبح تصفية حسابات سياسية مع خصوم سابقين.

أما «جبهة بايداري»، فاتهمها التقرير بنشر معلومات غير مؤكدة وتحليلات تتناقض مع الروايات الرسمية، وبإعلان دعم شكلي للفريق المفاوض أحياناً، ثم مهاجمته عملياً عبر الإعلام والتصريحات.

دور «الحرس الثوري»

ورغم أن الجدل ظهر في صورة خلاف إعلامي وبرلماني، فإن خلفيته تتصل أيضاً بموازين القوة داخل النظام. ونسبت «وول ستريت جورنال» إلى مسؤولين ووسطاء قولهم إن أحمد وحيدي، قائد «الحرس الثوري»، برز بوصفه أحد مراكز القوة التي تدفع طهران إلى التمسك بخط متشدد في التفاوض مع واشنطن.

وقالت الصحيفة إن وحيدي تجاوز، خلال الحرب، مواقف أكثر اعتدالاً للرئيس بزشكيان ووزير الخارجية، اللذين دفعا باتجاه اتفاق سريع لتجنب انهيار اقتصادي تحت ضغط الحصار الأميركي.

وفي المقابل، ركز وحيدي على إعادة ترسيخ الردع الإيراني وربط الجبهة اللبنانية بالحرب، وجعل أي اتفاق مع واشنطن مشروطاً بإنهاء إسرائيل حربها مع «حزب الله».

وتولى «الحرس الثوري» فرض السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو ما جعل ورقة المضيق حاضرة بقوة في الخلاف الداخلي. فبينما يرى مؤيدو التفاهم أن فتحه مقابل رفع الحصار الأميركي يمكن أن يثبت مكاسب الحرب، يحذر معارضوه من خسارة أهم أوراق الضغط قبل حسم ملفات النووي والعقوبات والأموال المجمدة.

وقال المحلل الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مدونة عبر شبكات التواصل إن قوى متشددة محدودة «وصلت إلى مرحلة كسر العظم» في محاولتها إفشال اتفاق تحقق بعد جهود كبيرة، محذراً من أنها مستعدة لدفع البلاد نحو الفوضى وعدم الاستقرار. واعتبر أن هذه القوى لا تتحرك لخدمة النظام، بل تريد وضع النظام في خدمتها، حتى لو كان الثمن تهديد بقاء البلاد. وكتب أن منح هذه التيارات مساحة نفوذ يشبه «تربية أفعى في الكم»، لأنها قد تنقلب في لحظة الأزمة على مصالح النظام والدولة.

ورأى أن اتفاقاً متوازناً يمكن أن ينقذ إيران والمنطقة من الانزلاق إلى «ثقب أسود جهنمي».