المكلا.. محرَّرة

الجيش اليمني يسانده التحالف العربي خاض أكبر معركة ضد «القاعدة» في حضرموت

المكلا.. محرَّرة
TT

المكلا.. محرَّرة

المكلا.. محرَّرة

استغلت التنظيمات الإرهابية في اليمن ضعف الدولة خلال العقد الأخير، سواء في شمال الشمال أو في المدن الجنوبية، فعملت على الاستفادة من الأوضاع غير المستقرة في البلاد. ومن ثم بسطت سيطرتها بقوة السلاح، كما فعل الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في صنعاء، أو تنظيم «القاعدة» في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، وكذلك في محافظتي أبين وشبوة. غير أن التنظيم لجأ إلى تغيير استراتيجيته التي كانت تحت إطار حرب العصابات والهجمات الانتحارية، والكمائن التفجيرية، إلى السيطرة على مدن بكاملها، كما حدث في زنجبار وجعار (في أبين)، وأخيرا المكلا. لكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ أعلنت قوات التحالف العربي مساندتها للحكومة اليمنية لمحاربة التنظيم الإرهابي، وكما طردت ميليشيات الحوثي وصالح من عدن ومدن أخرى بالجنوب، أطلقت أكبر عملية تستهدف تنظيم القاعدة في المكلا بعد أكثر من سنة على سيطرتهم عليها، ومن ثم نجحت في تحريرها بأقل التكاليف والخسائر وخلال وقت قياسي.

بعد وصول ميليشيات المتمردين إلى محافظة شبوة اليمنية الجنوبية المحاذية لمحافظة حضرموت، سارع عشرات المسلحين تحت لافتة تنظيم «القاعدة» إلى مدينة المكلا الساحلية الاستراتيجية، التي تعد ثالث أهم مدينة يمنية من الناحية الاستراتيجية بعد صنعاء وعدن؛ بسبب موقعها على بحر العرب. وساهم غياب الدولة وانقلاب المتمردين على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي في تسهيل السيطرة على المكلا؛ بسبب الفوضى التي صاحبت عملية الانقلاب وقطع التواصل بين المركز والمدن البعيدة عن صنعاء.
هناك عدة روايات لكيفية سقوط المكلا بيد «القاعدة»؛ إذ تتحدث مصادر عسكرية عن إرسال الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ضباطا وجنودا موالين له من قوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي وجهاز الأمن القومي، بأزياء مدنية بواسطة حافلات نقل عام من صنعاء إلى المكلا. وحدث ذلك قبيل أيام من سقوط المكلا بيد «القاعدة» في أبريل (نيسان) 2015، كذلك كشفت مصادر صحافية آنذاك توقيف عدد من الحافلات في نقاط عسكرية بمحافظة حضرموت وتأكدوا من هوياتهم، لكنهم سمحوا لهم بالمرور بتوجيهات عليا من قيادتي وزارة الدفاع ووزارة الداخلية اللتين كانت تسيطر عليهما الميليشيات الانقلابية. وخلال بضعة أيام أعلن تنظيم «القاعدة» المتطرف سيطرته على المكلا بشكل كامل وفرض ما يسمونه «لجان الحسبة» التي حلت محل أجهزة الدولة، وإدارات المؤسسات العامة والميناء.
* «قوس القاعدة»
يركز تنظيم «القاعدة» في تحركاته على المناطق التي يمكن تسميتها «قوس القاعدة»، وتمتد من الحدود السعودية - اليمنية الغربية، ويمتد شرقا عبر محافظات صعدة والجوف ومأرب وشبوة وأبين وحضرموت والبيضاء. وهذا هو قوس الانتشار القاعدي الأساسي الذي تتحرك داخله عناصر وقيادة التنظيم المتطرف، باعتبار مناطق المحافظات المذكورة مناطق جبلية وعرة، يتمكن قيادة التنظيم من التنقل فيها بحرية وبصورة آمنة.
وبطبيعة الحال، يخشى «القاعدة» كما هي حال التنظيمات الإرهابية، مثل جماعة الحوثية وتنظيم داعش من وجود دولة قوية مستقرة. ولذا سعى قادة «القاعدة» - ومن خلفهم المتمردون الانقلابيون - بكل قوتهم لنشر الفوضى والدمار في كل المدن، وتنفيذ عمليات نوعية تستهدف قيادات عسكرية وأمنية وسياسية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
* استهداف القبيلة
قبل بضع سنوات كشفت صحف أميركية عن مشروع جديد استهدف القبيلة في اليمن، ومنع «القاعدة» من الاحتماء بها، وسمى «مشروع استراتيجية الارتباط ما بعد القبيلة»، وخصص له مبلغ 3.4 مليون دولار، بالاشتراك مع جهاز الأمن القومي اليمني. ولكن، بعد انقلاب الحوثي ما عاد معروفا بالضبط ما إذا كان المشروع استمر أم توقف.
كما سبقت الإشارة، ساهم الانقلابيون بشكل مباشر في تمدد «القاعدة» بمحافظات الجنوب، ولقد كشفت الحكومة أخيرا عن علاقتهم بما حدث في المكلا بالذات. وأكدت أن تطهير المدينة من العناصر الإرهابية فضح علاقة الانقلابيين ودورهم في دعم الإرهاب والتطرف، وتماهي أجنداتهم والإرهابيين وتعاونهم المشترك عبر تهريب السلاح والمشتقات النفطية، والتقاء مصلحتهم في تبادل الأدوار الهادفة إلى خلط الأوراق ونشر الفوضى والانفلات الأمني، لعرقلة جهود الدولة في مكافحة الإرهاب والتطرف.
* «الحسبة»
عندما سيطر «القاعدة»في أبريل (نيسان) 2015 على المكلا، كان سكان المدينة المسالمة يعتقدون سكانها بأن جميع المنتمين لهذا التنظيم هم من أتباع صالح، الذي وجه القيادات العسكرية والأمنية الموالية له بتسليم معسكرات الجيش والأمن للإرهابيين. ولقد بُذلت جهود كبيرة من قبل أعيان المدينة لسد الفراغ الذي تركته أجهزة الدولة ومؤسساتها عبر إنشاء مجلس أهلي تمكن من تجنيب المدينة المواجهات المسلحة. كذلك عقد أهالي المدينة اتفاقيات مع قيادات التنظيم المتطرف بينهم ناصر الوحيشي، الذي قتل بعدها بغارة لطائرة أميركية من دون طيار (درون). ونص الاتفاق في حينه على تسليم المرافق كافة وإداراتها إلى المجلس الأهلي الحضرمي، وأن من حق المجلس الأهلي أن يُعين من شاء رئيسا له، على أن يتحمل المجلس الأهلي إدارة الأمن العام ومرافقه. غير أن هذا الاتفاق ظل حبرا على ورق. ولم ينسحب المتشددون من المقرات العسكرية والأمنية؛ حيث أدار المسلحون الشؤون الأمنية والقضائية وفرضوا أفكارهم وممارساتهم المتشددة على الجامعات والمدارس في المكلا، التي لا تزال مغلقة بأوامر من قيادتهم. واستغلوا أيضا المرافق الاقتصادية في تمويل أنشطتهم؛ حيث تقول بعض المصادر إن قيادة «القاعدة» كانت تتسلم مبلغ 5 ملايين دولار أميركي يوميا، من عوائد المشتقات النفطية والبضائع التي كانت تصل إلى ميناء المكلا.
ولكن على الرغم من القوة المسلحة التي تمتع بها التنظيم وبفضلها فرض سيطرته على المدينة، فإن السكان لم يخضعوا لسلطة الأمر الواقع، بل عبروا عن رفضهم لممارسات ما يسمى «لجان الحسبة» في احتجاجات ومظاهرات. ورفعت في هذا الاحتجاجات شعارات ترفض الإرهاب و«القاعدة». كذلك شهد السكان استيلاء مسلحي «القاعدة» على أموال البنوك، إضافة إلى أسلحة ثقيلة استولى عليها من المعسكرات، وإطلاقهم سجناء من السجن المركزي بينهم قيادات من التنظيم.
* عملية التحرير
سبق عملية تحرير المكلا غارات جوية مكثفة لقوات التحالف العربي في أعقاب طلب تلقته هذه القوات من الحكومة اليمنية الشرعية لمساعدتها في طرد عناصر التنظيم من المدينة المحتلة. وبالفعل، استهدفت الغارات الجوية التي شنها طيران التحالف العربي مراكز المسلحين في الميناء والمعسكرات التي اقتحموها، حيث سقط خلالها قتلى وجرحى من قيادة العناصر الإرهابية. وكانت هذه الغارات تمهيدا للاجتياح البري للقوات المشتركة التي تضم قوات يمنية أغلبهم من أبناء محافظة حضرموت، إضافة إلى قوات النخبة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وأكد العميد عون القرني، مساعد قائد عملية تحرير المكلا، بعد إنجاز تحرير المدينة، أن العملية تعد «رسالة واضحة وقوية إلى من يدعم الإرهاب في اليمن». وأضاف القرني «أن التحالف العربي يقف مع اليمن من أجل الشرعية»، لافتا إلى أن «القاعدة» فقد مصادر تمويله في المكلا. ومن ناحية أخرى، عد العميد مسلم الراشدي، قائد القوات الإماراتية في حضرموت، أن «تحرير مدينة المكلا اليمنية من قبضة تنظيم القاعدة هو نصر استراتيجي ليس لأهل اليمن والخليج فقط، بل للعالم أجمع».
ميدانيا، تمت عملية التحرير بغطاء جوي مكثف لطائرات التحالف، تكللت بتحرير مدينة المكلا ومينائها، وأيضا كامل ساحل حضرموت، بما فيه مدينة الشحر وميناء الضبة النفطي ومنطقة غيل باوزير شرقي المكلا. ولقد أكدت القيادة السياسية اليمنية على مواصلة معركتها مع التنظيمات الإرهابية؛ إذ شددت الحكومة في بيان لها أنها لن تتوانى عن «تقديم أي جهد أمني أو سياسي لإلحاق الهزيمة بالإرهاب وملاحقة عناصره الظلامية أينما وجدوا على أرض الوطن»، ومواصلة الضغط وبكل الوسائل الممكنة والعمل مع شركائها في التحالف العربي والمجتمع الدولي، للقضاء على العوامل المساعدة على تمدد الإرهاب وتوفير البيئة المواتية لانتشاره، والمتمثلة في إنهاء انقلاب ميليشيا الحوثي وصالح على الشرعية الدستورية.
وفي هذا السياق، صرح نائب الرئيس علي محسن الأحمر، عقب إنجاز تحرير المكلا، بأن «موقف الدولة ثابت في مكافحة الإرهاب، وهو موقف يتجاوز ادعاءات من يغذيها بمشاريعه الميليشاوية ويسعى لاستخدامها كمبرر لوجوده اللاشرعي»، في إشارة إلى الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وأردف الأحمر: «إن هزيمة الإرهاب والتطرف يعد المسمار قبل الأخير في نعش الانقلابيين الذين طالما سعوا بكل جهدهم إلى إلصاقها باليمنيين كعصا غليظة يلوحون بها نحو مخالفيهم بهدف إجبارهم على إدانة الولاء لهم، كما أنها الورقة الأهم والأكثر خطورة في كواليسهم، التي استجدوا من خلالها الآخرين وحاولوا خلقها للإيمان ببقائهم».
* نكسة الإرهابيين
من ناحية أخرى، يقول سعيد عبيد، المحلل الاستراتيجي اليمني في شؤون التنظيمات الإسلامية: «إن تنظيم القاعدة استفاد من هشاشة الأوضاع، واختار حضرموت، لكن قراره اختيار حضرموت كان اختيارا خاطئا؛ لأن المكلا ليست بيئة حاضنة له. وبالفعل جوبه برفض شعبي عارم من قبل أهالي حضرموت. كذلك كانت سيطرة التنظيم على المكلا خطأ تكتيكيا، وخسر فيها بسبب ذلك الخطأ قياداته وعناصره». واستطرد عبيد قائلا: «التنظيم خسر في المكلا وساحل حضرموت نتيجة عدم امتلاكه أي مشروع سياسي أو اجتماعي، يمكنه من خلاله استمالة المواطن اليمني، بالتالي، كانت خسائره متواصلة، ولم يخسر في فترة واحدة قصيرة».
وعدد المحلل الاستراتيجي اليمني جوانب هذه الأخطاء في الممارسة فقال: «إن تنظيم القاعدة كان يفرض قيودا على حركة السكان ويشدد على حريتهم، كما قام التنظيم بفرض خطباء وموجهين تابعين له، وتعاملت عناصره في مختلف أنحاء حضرموت مع الناس بتعال واستعلاء، اعتقادا منهم بأنهم أكثر فهما للإسلام وتعاليمه من غيرهم».
أما راضي صبيح، وهو صحافي من أبناء حضرموت، فقال: «إن هناك عدة عوامل ساهمت في استعادة مدينة المكلا في وقت وجيز أبرزها: حجم القوة والآليات العسكرية الضخمة والدعم اللامحدود من قوات التحالف العربي، رافق ذلك تغطية إعلامية كبيرة دولية ومحلية، بالإضافة إلى أن أفراد وجنود الجيش هم من أبناء محافظة حضرموت ما شكل قوة ودعما مجتمعيا لهم وعقبة أمام القاعدة في الدخول في صراع مع قبائل المحافظة».
* فرحة السكان
والحقيقة أن تحرير المكلا كانت مناسبة احتفالية للسكان الذين خرجوا للشوارع مهللين فرحين بهذا الانتصار. وتروي نور محمد علي، وهي من سكان المكلا، أن «الاحتفالات لم تتوقف ليلة دخول القوات المشتركة إلى المدينة». مضيفة: «كان مسلحو الحسبة يفرضون علينا كل القيود، ويمنعون عنا الغناء ويعتقلون أي شاب يسمع موسيقى بجواله. لقد استغلوا طيبة أهل المكلا ورفضهم لحمل السلاح ليستبيحوا مدينتهم المسالمة».
وتابعت نور أن يوم دخول الجيش اليمني مع قوات التحالف «كان يوما تاريخيا لكل السكان، فقد علت الزغاريد مع أزيز الرصاص، والشكر لكل من ساهم في تحرير مدينتهم.. لقد انتظر السكان بفارغ الصبر إشراقة الشمس للخروج إلى شوارع مدينتهم ومشاهدتها محررة بعيدا عن رجال الحسبة، وكانت الابتسامة تعلو وجوه السكان الذين ذهبوا إلى خور المكلا للاحتفال بهذا النصر الكبير».
وحقا، بعد يوم واحد من تحرير المدينة، عاود ميناء المكلا عمله، تحت إشراف السلطة المحلية، وباشرت الوكالات الملاحية ودوائر الشؤون البحرية والجمارك والخدمات العامة عملها بطريقة إيجابية، وسارت حركة الشحن والتفريغ بصورة اعتيادية. واستقبل الميناء في اليوم نفسه ناقلتين الأولى محملة بـ5 آلاف و800 طن متري من المازوت، فيما الناقلة الثانية تحمل 9 آلاف و500 طن متري من مادة القمح، إضافة إلى رسو 12 سفينة خشبية تحمل بضائع، ورسو في منطقة البويا العائمة بالميناء ناقلة بترول وعلى متنها 12 ألفا و400 طن متري.
* مدينة المكلا.. في سطور
- المكلا هي عاصمة إقليم حضرموت وعاصمة محافظة حضرموت وثالث أهم مدينة يمنية بعد صنعاء وعدن. تطل المدينة على بحر العرب ويقسمها خور المكلا إلى نصفين، وهي تقع إلى الشرق من عدن وتبعد عنها بنحو (1080 كم).
- بنيت المدينة في منطقة سهلية بين البحر والجبل. وحسب بعض المصادر التاريخية، أسست المدينة في مطلـع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)؛ إذ بوشر بالاستقرار في موقعها في السنة 1035.
- كانت تسمى قديما بـ«الخيمة» حسب المصادر التاريخية، ولم تعرف باسمها الحالي إلا عند إنشاء الإمارة الكسادية في السنة 1115هـ. وازدادت شهرتها ومكانتها عندما اتخذتها السلطنة القعيطية حاضرة لها في سنة 1915م، وأقام فيها السلطان واتخذها مقرا للحكم.
- يبلغ عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة حسب إحصاءات عام 2005. أما سكانها الأصليون فمن الحضر وتعد مجتمعا حضريا نسبيا، بالنسبة إلى بقية مدن اليمن ذات العمق الريفي والقبلي.
- تتميز المكلا بطابعها المعماري الخاص، وتشتهر بجمال مآذنها ومبانيها البيضاء التي ترتفع إلى أربعة طوابق. ومن أشهر معالم المدينة المعمارية: قصر السلطان القعيطي، حصن الغويزي، والمكتبة السلطانية.
- تتميز المكلا بطابع سياحي خاص؛ مما جعلها محطة استثمارية كبيرة تجتذب المستثمرين والسياح، كما أن رقي أهلها وتحضرهم كان أهم العوامل التي مكنتها من البروز سياحيا وثقافيا، بالإضافة إلى استقرار الأمن فيها.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.