عرسال.. بلدية بمهام سياسية تصارع لانتخابها رغم التحديات الأمنية

مهمتها لن تكون إنمائية أسوة بسائر بلديات لبنان في امتداد الأزمة السورية إليها

قوات تابعة للجيش اللبناني أثناء دورية في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا ({غيتي})
قوات تابعة للجيش اللبناني أثناء دورية في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا ({غيتي})
TT

عرسال.. بلدية بمهام سياسية تصارع لانتخابها رغم التحديات الأمنية

قوات تابعة للجيش اللبناني أثناء دورية في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا ({غيتي})
قوات تابعة للجيش اللبناني أثناء دورية في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا ({غيتي})

تخطت السلطات اللبنانية التحذيرات والمخاوف المرتبطة بتدهور الوضع الأمني في بلدة عرسال الحدودية بشمال شرقي لبنان، وأتمت الاستعدادات لإجراء الانتخابات المحلية في البلدة يوم الأحد المقبل، عبر وضع خطة أمنية محكمة «تؤمن وصول الناخبين إلى مركزين للاقتراع حددتهما وزارة الداخلية والبلديات لاستقبال المقترعين ويتولاها الجيش اللبناني».
ويكتسب الانتخاب في عرسال أهمية بالغة، بالنظر إلى أن البلدة ذات الغالبية السنّية التي يسكنها أكثر من 35 ألف لبناني، لم تُمثل في مجلس النواب منذ عام 2000. وهو ما رفع من مهام البلدية فيها لتتخطى العمل الإنمائي. ولقد تحوّلت البلدية إلى سلطة سياسية محلية في البلدة التي تأثرت بالأزمة السورية، واستقبلت ما يزيد على مائة ألف لاجئ من قرى وبلدات القلمون الغربي والقصير وحمص الحدودية مع لبنان، وتسعى للحفاظ على دور البلدة وسط الحرائق التي تحيط بها، ليس أقلها انتشار مسلحين متشددين من «جبهة النصرة» و«داعش» في تلالها الحدودية مع سوريا، وتواجد مسلحين في البلدة.
الوضع الأمني الهشّ، ترك مخاوف من تدهور الوضع الأمني في أي لحظة، رغم أن «الوضع الأمني في الوقت الحالي مستقر»، بحسب ما أكد رئيس بلديتها الحالي علي الحجيري لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن «الجيش اللبناني موكل بمهمة حفظ الأمن الاستقرار، وهو ما يمهد الأجواء المناسبة لإتمام الاستحقاق». وأضاف: «حتى الآن، ستجرى الانتخابات يوم الأحد المقبل، والأهالي يتحضرون للمشاركة في الانتخابات».
ولقد اتخذت السلطات اللبنانية قرارها بحفظ الأمن وتأمين سلامة المقترعين والمراكز الانتخابية، وفق خطة أمنية محكمة يتسلمها الجيش اللبناني. وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن الجيش «دفع بتعزيزات إلى عرسال بقوة قوامها نحو ألفي عسكري، بهدف تأمين الانتخابات والحفاظ على أمن البلدة»، مشيرًا إلى أن انتشار الجيش «سيشمل الطرق المؤدية إلى المراكز الانتخابية وتأمين الطرقات، كما يوفر حراسة مشددة حول المراكز الانتخابية»، علما بأن المراكز الانتخابية ستتوزع على مركزين هما مبنى المهنية الواقع تحت سيطرة الجيش اللبناني منذ 2 أغسطس (آب) 2014. وتقع في غرب عرسال، ومركز مدرسة جواهر الأدب.
جدير بالذكر أن عرسال، هي البلدة الوحيدة في لبنان التي أثيرت فيها المخاوف من عرقلة للعملية الانتخابية نتيجة توتر مفاجئ للوضع الأمني. ويقول مصدر بارز في البلدة لـ«الشرق الأوسط» إن المخاوف الأمنية التي من شأنها تهديد الانتخابات «تنطلق من اعتبارات لدى أطراف سياسية بالحفاظ على الوضع الراهن في البلدة على حاله»، موضحًا أن «كثيرين يستفيدون من أن تبقى عرسال متوترة وخارج السيطرة». واستطرد أن عرسال «تعتبر، رغمًا عنها، امتدادا للأزمة السورية، ويتحكم اللاجئون بأمنها وحركتها». ويشير المصدر نفسه إلى أن وجود المسلحين فيها «أمر واضح ومعروف بالنسبة للجميع بما فيها الأجهزة الأمنية الرسمية اللبنانية»، مؤكدًا أن «المجموعات الأمنية في البلدة تتوزع ولاءاتها وتبعياتها، مما حول البلدة إلى بؤرة أمنية». لكنّ ناشطي المجتمع المدني، يقدمون رواية أقل حدة في وصف الوضع القائم في عرسال. ويقول مصدر ميداني يعرّف عن نفسه أنه من «ناشطي المجتمع المدني»، إن الوضع الأمني في عرسال «استثنائي، ويستوجب اهتمامًا أمنيًا»، مشيرًا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن انتشار المسلحين «أمر حتمي»، إلا أن المظاهر المسلحة العلنية «نادرة في البلدة، رغم إدراكنا أن مخيمات اللاجئين السوريين تضم مقاتلين في المجموعات السورية المسلحة الذين لجأوا من الجرود، وقد أوقفت القوى الأمنية اللبنانية بعضًا منهم».
هذه الوقائع والمخاوف، وانخراط عرسال في لهيب الأزمة السورية عبر استضافة عشرات آلاف اللاجئين السوريين، بموازاة الحرب المشتعلة على أطرافها بين مجموعات متشددة والجيش اللبناني، تجعل من استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية، أكبر من كونه استحقاقًا محليًا يخص البلدة. فلقد أجمع أقطاب البلدة والفاعلون فيها على أن مهام البلدية في ظل الوضع السياسي والأمني القائم، يتمثل في «إدارة الوضع الراهن القائم، وتحييد البلدة عن الصراعات وعن اللهيب السوري، وحفظ علاقتها وانتمائها للدولة اللبنانية، ومساعدة اللاجئين السوريين إنسانيًا». وقال المصدر البارز في البلدة الذي اختبر الخضّات التي تعرضت لها البلدة على مدى السنوات الأربع الماضية، أن مهام بلدية عرسال الحالية والبلدية التي ستُنتخب «لن تكون مهام إنمائية، أسوة بسائر بلديات لبنان، بل ستكون ضالعة بمهمة سياسية لحفظ البلدة، والدفاع عنها في المنابر، وتكريس انتمائها للدولة اللبنانية، وتحييدها عن تداعيات الأزمة السورية والأزمة المترتبة على وجود اللاجئين السوريين فيها، لأن وصولهم إلى عرسال لم يكن بقرار من البلدة، بل بقرار دولي». وأكد المصدر أن المهمة السياسية الملقاة على عاتقها «ناتجة عن غياب التمثيل السياسي للبلدة في البرلمان اللبناني، وفي ظل غياب نواب المنطقة (بعلبك الهرمل وغالبيتها شيعية، ويؤيد معظم نوابها فريق 8 آذار) عن هموم البلدة ومعاناتها وأزماتها».
عرسال البلدة التي تسكنها غالبية سنية في محيط شيعي، توقف تمثيلها في البرلمان اللبناني في عام 2000 عند انتهاء ولاية النائب عنها مسعود الحجيري. وكان قد خاض في انتخابات 2000 البرلمانية معركة انتخابية على لائحة مدعومة من الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأسبق لما يسمى «حزب الله»، في مقابل لائحة تجمع مرشحي الحزب وحركة أمل وأحزابًا أخرى، بينها أحزاب سنية وعلمانية، وخسر المعركة الانتخابية. ومنذ ذلك الوقت، لم تُمثل عرسال، رغم أن النائبين السنّيين الحاليين (الوليد سكرية وكامل الرفاعي) عن منطقة بعلبك – الهرمل في البرلمان اللبناني يتبعان أحزابًا متحالفة مع ما يسمى «حزب الله». هذا، وشُكّلت في عرسال في الانتخابات البلدية الحالية، ثلاث لوائح انتخابية، إحداها مدعومة من النائب الأسبق مسعود الحجيري، ويترأسها باسل الحجيري، والثانية مدعومة من «تيار المستقبل» الذي يحظى بشعبية في البلدة، والثالثة يرأسها رئيس البلدية الحالي علي الحجيري. وتؤكد مصادر محلية في البلدة أن العملية الانتخابية «تؤثر فيها العائلات، وليس الأحزاب»، علما بأن معظم المرشحين، هم من المؤيدين للثورة السورية.
بدوره، أكد وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أمس، أن «مراكز الاقتراع في عرسال ستكون في (مهنية عرسال الفنية) ومدرسة (جواهر الآداب)»، مشيرًا إلى أن الجيش «سيتولى مهمة توفير الحماية». وقال المشنوق: «إذا كان الخيار بين أن نجري الانتخابات داخل البلدة، مع ما يعني ذلك من صعوبات أمنية ولوجيستية، وانتقال الناخبين إلى مراكز بعيدة نسبية، لكنها مقبولة، في مراكز الجيش وتحت إشرافه، مع اتخاذ إجراءات مشددة للأمن داخل القرية، فهذا هو الإجراء الأمثل الذي كان يجب اتباعه». وأوضح المشنوق أن «الآلية المعتمدة منذ اللحظة الأولى، هي مراكز الاقتراع التي ستكون قريبة من مراكز الجيش، لأن هذه هي الطريقة الأسلم والأكثر أمانا، طبعا ليس داخل المناطق السكنية في البلدة، ولكن ضمن النطاق الجغرافي للبلدة».
* دعوات لبقاء اللاجئين السوريين في مخيماتهم في يوم الانتخابات
* في مواكبة للعملية الانتخابية في عرسال، أصدر «التجمّع الإنساني السوري في لبنان» بيانًا دعا فيه اللاجئين السوريين في البلدة لملازمة مخيماتهم ومنازلهم والابتعاد عن المراكز الانتخابية «ليتسنى لعناصر الجيش اللبناني والأمن القيام بمهمتهم ومتابعة اﻹجراءات الانتخابية». وأرجع «التجمع» السبب إلى «حساسية الأوضاع الأمنية وردا على المعروف الذي لاقيناه من أهلنا الشرفاء المتضامنين معنا كلاجئين»، مضيفا: «يرجى إفساح المجال لهم للقيام بدورهم وانتقاء من يمثلهم بالانتخابات التي ستجرى خلال الوقت المحدد في يوم الأحد 2016-5-8، من مساء السبت وحتى صباح الاثنين 2016-5-9». واعتبر السوريون هذا اليوم «يوم عطلة مدرسية»، داعيًا إلى «أخذ التدابير اللازمة لتأمين الحاجات المنزلية مسبقا».



«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.