الجيش الليبي يبدأ عمليات واسعة لتحرير سرت

مالطا ترهن فتح سفارتها في طرابلس بعودة الأمن

فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات أمس في طرابلس (رويترز)
فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات أمس في طرابلس (رويترز)
TT

الجيش الليبي يبدأ عمليات واسعة لتحرير سرت

فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات أمس في طرابلس (رويترز)
فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات أمس في طرابلس (رويترز)

بدأ الجيش الليبي رسميا أمس معركة تحرير مدينة سرت الساحلية، بعدما أصدر القائد العام الفريق أول خليفة حفتر، أوامره بتحرك قوات الجيش نحو المدينة، التي يهيمن عليها تنظيم داعش منذ منتصف العام الماضي، فيما حل رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات أمس ضيفا على العاصمة طرابلس، وذلك في أحدث زيارة يقوم بها مسؤول أوروبي رفيع المستوى للمدينة.
ورهن موسكات، الذي التقى مع فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من بعثة الأمم المتحدة، عودة البعثة الدبلوماسية المالطية وحل مشكلة تأشيرات السفر، بعودة الاستقرار والأمن إلى العاصمة. وقال، وفقا لبيان وزعه المكتب الإعلامي للسراج، إن بلاده «تتطلع إلى تحقيق ذلك في وقت قريب.. والمسألة تعتمد على استعادة الأمن في المدينة وفي البلد، وعندها ستكون مالطا أول من تعيد نشاطها الدبلوماسي وشركاتها وخطوطها الجوية».
وعبر رئيس الحكومة المالطية خلال مؤتمر صحافي مشترك مع السراج، عن أمله في أن يعجل مجلس النواب، الذي يتخذ من مدينة طبرق مقرا له، بعقد جلسة منح الثقة لحكومة السراج التي تحظى بدعم المجتمع الدولي، وعدّ أن زيارته تعد رسالة سياسية مهمة تعكس عمق العلاقة بين مالطا وليبيا، وتؤكد على التأييد الأوروبي الكامل لحكومة السراج.
وكان رئيس وزراء مالطا قد وصل إلى طرابلس على رأس وفد ضم وزير الخارجية جورج فيلا، حيث التقى السراج بمقره في القاعدة البحرية الرئيسية بطرابلس، قبل أن تعقد جلسة مباحثات موسعة ضمت أربعة من أعضاء المجلس.
من جهته، أكد السراج أن ما تطلبه ليبيا من المجتمع الدولي هو «المساعدة وليس التدخل»، مشيرا إلى أن نوعية هذه المساعد سوف يحددها خبراء ليبيون. وبعدما لفت النظر إلى قضية الهجرة غير الشرعية التي «تؤرق ليبيا ومالطا والكثير من الدول»، قال إن «ليبيا بلد عبور وليس بلد استقرار للمهاجرين، والقضية لها جوانب سياسية وأمنية وإنسانية»، مضيفا أن «ليبيا تسعى لمعالجة الموضوع بشكل جذري».
إلى ذلك، بدأت قوات الجيش الليبي أمس عمليات عسكرية واسعة النطاق لتحرير مدينة سرت، التي تقع على بعد نحو 450 كيلومترا شرق طرابلس؛ إذ قالت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط» إن قوات الجيش بدأت تحركها باتجاه سرت، انطلاقا من عدة مدن تتمركز فيها قوات الجيش الليبي منذ فترة. فيما قالت غرفة عمليات الجيش الليبي إن تعليمات حفتر صدرت لقوات الجيش بالتحرك، لكنها لم تفصح عن مزيد من التفاصيل، فيما نفى العقيد أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الليبي، إدلاءه بأي تصريحات صحافية أمس بخصوص أي تحركات عسكرية.
من جانبها، تعهدت غرفة عمليات اجدابيا بتأمين مرور قوات الجيش الليبي إلى سرت، وهددت بالقضاء على أي مجموعة تريد عرقلتها، وأضافت موضحة أن «هدف الجيش تحرير سرت من الإرهاب والإرهابيين، ومن يعرقل تقدم هذه القوة فهو إرهابي مساند وداعم للخوارج»، لافتة النظر إلى أن القوات المسلحة المرابطة في مدينة اجدابيا ستشارك في عملية سرت الكبرى، وحذرت من أن «هناك من يريد عرقلة عمل الغرفة في تأمين المدينة، وخلال الأيام القليلة المقبلة ستتم السيطرة الكاملة على مداخل ومخارج المدينة».
والتزم السراج والمؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته، وما تسمى «حكومة الإنقاذ الوطني» الموالية له بطرابلس، الصمت حيال هذه التطورات التي ستعمق من حجم الخلافات بين حفتر والحكومة الجديدة في طرابلس وسلطاتها غير الشرعية.
وكان السراج قد أعلن رسميا معارضته لتحرك حفتر المنفرد، وطلب في المقابل من مختلف القوى العسكرية في البلاد انتظار تعليمات القائد الأعلى للجيش بتعيين «قيادة مشتركة للعمليات» لتحرير سرت، محذرا من أن «كل مخالف لهذه التعليمات يعتبر منتهكا للقوانين العسكرية ومعرقلا للجهود المبذولة في توحيد الصف لمحاربة الإرهاب».
ويسيطر «داعش» على سرت، مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي، منذ العام الماضي، حيث أعلن إقامة إمارة متطرفة فيها واستقبل آلاف المقاتلين الأجانب بعيدا عن سلطة أي جهة رسمية.
من جهة أخرى، غادرت أمس ناقلة منعتها من التحميل مؤسسة نفطية موازية أسستها الحكومة التي يوجد مقرها بشرق ليبيا، ميناء مرسى الحريقة، بعد أن حذر مسؤول نفطي في طرابلس من أن منع التحميل من الميناء قد يخفض الإنتاج إلى 120 ألف برميل يوميا. وقال مسؤول بقطاع الموانئ إن الناقلة «سي تشانس»، التي كان من المقرر أن تقوم بتحميل 600 ألف برميل من النفط لصالح المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، غادرت الميناء باختيارها.
وينذر الخلاف في الحريقة، الذي يأتي في إطار صراع سياسي أوسع بين الفصائل في شرق ليبيا وغربها، بتقليص إنتاج البلاد على نحو أكبر بعد انخفاضه إلى أقل من ربع ذروته المسجلة في 2011 والبالغة 1.6 مليون برميل يوميا. ويتركز جزء كبير من إنتاج النفط الليبي في الشرق. ولدى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس خطط طموحة لإنعاش الإنتاج، لكنها مهددة مع استمرار الصراع السياسي والهجمات المتكررة لمسلحي «داعش» على مرافق نفطية في الشرق.
وكانت مؤسسة النفط الموازية، التي تتخذ من بنغازي مقرا، قد أمرت عمال الميناء بعدم تحميل «سي تشانس» بعد أن أدرجت الأمم المتحدة أولى شحنات النفط التي حاولت مؤسسة الشرق تصديرها على القائمة السوداء، وأعادت الناقلة التي كانت تحمل الشحنة لتفريغ حمولتها في غرب ليبيا.
وتحذر المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس ومؤيدوها في الغرب من أن الجهود التي تتبناها المؤسسة الموازية لبيع النفط بشكل مستقل تهدد بإدخال البلاد في أزمة أعمق. لكن السياسيين في شرق البلاد، الذين لم يوافقوا بعد على حكومة الوفاق الوطني التي تحظى بدعم الأمم المتحدة وتحاول ترسيخ حضورها في العاصمة، يصرون على أن المؤسسة الوطنية للنفط في بنغازي هي التي تتمتع بالشرعية.
وقال ناجي المغربي، رئيس المؤسسة الموجودة في بنغازي، إنه لا توجد خطط لإغلاق ميناء الحريقة، ورجح أن يكون قرار رفض تحميل «سي تشانس» لأسباب إجرائية. وأضاف المغربي لوكالة «رويترز»: «لا خطة لإغلاق الميناء. فالإيرادات لليبيين جميعا، ونحن نطلب فقط الحصول على وثائق أي شحنة مقدما.. وإلا فلن يسمح لها بالتحميل. ما زلنا نحترم كل العقود».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.