أمراض نفسية وعلاقات تتفكك بسبب الحصار على «معضمية الشام»

النظام يصادر أدوية البالغين من كل ما يدخل من مساعدات الأمم المتحدة

أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار
 على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
TT

أمراض نفسية وعلاقات تتفكك بسبب الحصار على «معضمية الشام»

أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار
 على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
أطفال معضمية الشام ينتظرون حصصهم أمام مركز لتوزيع الطعام في البلدة المحاصرة من قبل نظام الأسد ({الشرق الأوسط}) - أبو جواد الذي أصيب بانهيار عصبي نتيجة الحصار على معضمية الشام (خاص بـ«الشرق الأوسط»)

ثلاث سنوات قضاها أهالي مدينة معضمية الشام، ضمن ما عاشته غالبية بلدات ريف دمشق في حصار خانق، كان حجر الرحى الذي طحن العشرات من أبناء المدينة من غير رحمة، إذ لم يقتصر الحصار على نقص الطعام، بل شمل جميع جوانب الحياة الخدمية، والمعيشية، والطبية. وهو هاجس أدى تراكمه على مدى الوقت إلى ضغوطات نفسية وعقلية تبدو غير مرئية عند الحديث عن الحصار، ونقص الغذاء، والدواء، وهو ما يركز عليه هذا التقرير الذي يلقي الضوء على الجانب المنسي من الحصار، الأمراض النفسية.
في بداية 2014 أبرمت بلدة معضمية الشام بريف دمشق المعروف بـ«الغوطة الغربية»، هدنة مع النظام، كان من أبرز شروطها فتح معبر المدينة، وإيقاف القتال. عاشت بعدها المدينة في حياة معقولة نسبيًا، فقد سمح بإدخال المواد اللازمة، وبدأت الحياة بالعودة تدريجيا للبلدة، ولكن غدر النظام بأهالي المدينة أبطل كل شيء في العام نفسه، عندما أغلق المعبر الذي هو شريان المدينة الوحيد، وأبقاه مغلقا إلى الآن. وضاقت أحوال الناس بهم في ظل هذا الحصار في المأكل والأدوية وبقية المستلزمات اليومية. وندرت المواد الغذائية، وأصبح هم البقاء على قيد الحياة، وتأمين لقمة اليوم هو الهاجس الذي يشغل سكان المدينة، والذي تحول عند كثيرين في البلدة حتى ممن لم يعرفوا سابقا أية أمراض نفسية، إلى حالة عصبية مرضية.
من لهجته الغاضبة وعينيه الحمراوين اللتين فتحمهما لدرجة مخيفة، بدا على أبو جواد أنه غير طبيعي على الإطلاق. أخذ يتكلم بكلام غير مفهوم ويدعي أمورا لم تحدث أبدا، يرويها كأنه يتذكرها من الماضي، مع أنها من صنع مخيلته وعقله الذي أصابه الخلل بعد عناء طويل مع الحصار. أبو جواد، الذي نيّف على الخمسين اعتاد على التدخين منذ الصغر، وكانت لفافات التبغ والدخان المتطاير منها كالزوبعة الصغيرة، هي ملجأه الوحيد في ساعات الغضب وفي دقائق الرضا والحبور. تروي منال وهي إحدى جارات الرجل بالمعضمية حادثة شهدتها أخيرا مصدرها أسرة هذا الرجل: «منذ عدة أيام لمحت زوجته أم جواد راكضة في الشارع بلا مانطو (معطف)، والدماء على وجهها وكفيها. أدخلتها إلى منزلي، وحاولت أن أهدئ من روعها، فقد كانت في حالة فظيعة، بعد أن ضربها زوجها ضربا شديدا. وعلى أثر هذا العنف الجسدي النادر بين الزوجين اللذين تقاسما الحياة ثلاثين عاما، فصُلت الزوجة عن زوجها خوفا على سلامتها، وتبين لاحقا أن أبو جواد مصاب بحالة شديدة من المرض النفسي المعروف بـ«الذهان».
زرنا أم جواد، 52 عاما، في مسكنها الجديد الذي تقطنه مع ابنتها الصغيرة، وكان السكون الحزين مخيما على جو المنزل. قالت لنا أم جواد: «صدمة كبيرة ما أنا فيه الآن، فقد أراد زوجي قتلي، أمسكني من رأسي الذي راح يضربه على الحائط، ولولا أن الجيران أنقذوني لكنت الآن في عداد الموتى». بكت أم جواد وسال الدمع على وجهها المزرق والمنتفخ من آثار العنف الذي تلقته من أبو جواد. واستطردت بقولها: «منذ إغلاق معبر المعضمية أصبح زوجي سريع الغضب بسبب نقص التبغ والارتفاع الجنوني لثمنه، كل ذلك إضافة لنقص الطعام وبقية المستلزمات اليومية للأسرة». وتابعت بنبرة من التعاطف حيال رفيق الحياة: «كان زوجي أيضا يحب العمل ويقضي معظم وقته خارج البيت، أما في ظل الحصار، فقد أصبح عاطلا، يقضي جل وقته جالسا بصمت في زاوية البيت، أو على قارعة الطريق».
أم جواد التي لم تخف حبها لزوجها وحزنها الشديد على ما آل إليه من عصبية، أكدت أن زوجها يعيش الآن في حالة هستيرية مرضية، مستشهدة بأنه: «لم يضربني في حياته، وكان يحسن معاملتي، أما الآن فأشعر أن حياتنا المشتركة قد دمرت».
الاختصاصي النفسي نذير الرفاعي ابن المعضمية، قال لنا إن تداعيات الحصار السلبية بدأت بالظهور جليا في هذه الأيام، بعد أن وصل تأثير الحصار إلى قمته.
وقال الرفاعي الذي اطلع على حالات نفسية وعصبية في البلدة، كان من ضمنها قصة أبو جواد، إن «الشعور بالاضطهاد والظلم ومنع الطعام والشراب عن البشر، ومن ذلك حرمان المدخنين من التبغ، كل ذلك شكل أسبابا كافية لظهور ضغوطات نفسية تحولت إلى أمراض عصبية وعقلية».
وأضاف، خريج جامعة دمشق في علم النفس الذي يعمل مرشدا نفسيا ومحاضرا في أحد المراكز التعليمية في المدينة، أن أمراض «الأعصاب، والذهان، وفصام الشخصية، والأفعال القسرية، والاكتئاب، كلها أمراض بدأت تتشكل ملامحها في المدينة، والسبب دائما هو الحصار والضغط الكبير على المحاصرين، فهم في سجن كبير انعدمت فيه جميع أسباب الحياة».
غير أن النساء، أيضا، يتعرضن للمتاعب النفسية الشديدة بسبب الحصار، ونموذج لهذه الحالات، دعاء (52 عاما) التي بدأت تعاني من دوار وإعياء شديد حتى تكاد أن تفقد وعيها أحيانا. وقد نقلت إلى المركز الطبي الجديد في مدينتها معضمية الشام لتتلقى العلاج وتأخذ الحقن الإسعافية. يقول الدكتور مأمون الخطيب، مدير مركز النور الطبي، «إن السيدة دعاء تعاني من ارتفاع في ضغط الدم وتحتاج إلى دواء بشكل مستمر، كما تبين بعد الفحص أن لديها تشنجا بالقولون». ويوضح د. الخطيب أن المرض الذي أصيبت به السيدة هو «مرض نفسي جسدي نتيجة ضغط انفعالي مستمر، بسبب مشكلات وأعباء الحياة اليومية تتسبب بما يعرف باﻷمراض السيكوماتية».
وتصادف وجودنا في المستشفى مع زيارة المريضة دعاء التي تحدثنا إليها بعد أن هدأت قليلا، وقالت: «أعيل ابنتي بعد أن استشهد زوجي منذ عام تقريبا. لكني لا أشعر بالأمان أبدا، وأعيش في قلق مستمر من التفكير بما سيحل بنا إذ انتهى المتبقي معي من المال».
تضيف، وقد سالت دمعة على خدها: «من حصار إلى حصار. حياة لم تعد تطاق. لو كنت وحيدة ودون البنتين لفكرت بالانتحار». ولم تكن حالة دعاء هي الأولى من نوعها من مرضى يترددون على المركز الطبي، إذ يقول الخطيب إن عشرات الحالات التي عاينها، تعاني من نفس الأمراض، أو أمراض مشابهة منشأها نفسي عصبي». مضيفا: «أستقبل يوميا حالة أو حالتين من هذا التصنيف المرضي، حيث يشكل الحصار عاملا رئيسيا في حدوث أمراض الضغط والمعدة والقولون». وتحتاج هذه الأمراض إلى علاج نفسي ودوائي، إلا أن الدكتور الخطيب يتحدث عن أدوية مخزنة منذ سنوات وقد انتهت صلاحيتها، لافتا إلى أن المعضلة الكبرى تكمن في العلاج النفسي، إذ تفتقر المدينة إلى العيادات النفسية المتخصصة مع صعوبة التنقل خارج البلدة للعلاج، إضافة إلى غياب الأدوية الخاصة بهذه الأمراض».
ويعمل ثلة من الأطباء في مشفى الغوطة التخصصي في مدينة المعضمية على علاج المرضى وفق الإمكانيات البسيطة المتوفرة بين أيديهم. وقد تحدثنا إلى أحد الأطباء الذي أشار إلى تسبب الحصار في نشوء أمراض سيكوسوماتية، نتيجة القلق والتوتر والجوع، كذلك تسببه بأمراض نفسية قاهرة وهستيرية»، مشددا على أنه «مع ضعف الإمكانات الدوائية واللوجيستية، لا نستطيع معالجة الحالات العقلية والعصبية إلا ببعض المهدئات».
بدوره نفى، الصيدلاني أحمد نتوف، دخول الأدوية المعالجة لهذه الأمراض إلى المدينة منذ سنة، إلا في حالات استثنائية، عن طريق تهريبها أو إدخال أعداد قليلة منها مع الداخلين والخارجين من الأهالي. وأكد أن النظام مارس (آذار) وضع حظرا على جميع أدوية البالغين، وعندما دخلت مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا أخيرا صادر منها الأدوية، ولم يسمح إلا بإدخال أدوية الأطفال فقط».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended