إمبراطور بروسيا.. وإمبراطور النغم

كتابان عن علمين من أعلام التاريخ والفن الألمانيين

غلاف الكتاب الأول   -  غلاف الكتاب الثاني
غلاف الكتاب الأول - غلاف الكتاب الثاني
TT

إمبراطور بروسيا.. وإمبراطور النغم

غلاف الكتاب الأول   -  غلاف الكتاب الثاني
غلاف الكتاب الأول - غلاف الكتاب الثاني

قبل أن تنطوي صفحة 2015 صدر كتابان من أدب السير والتراجم عن علمين من أعلام التاريخ والفن الألمانيين: فردريك الثاني (1712 - 1786) إمبراطور بروسيا، ولودفيج فان بتهوفن (1770 - 1827) المؤلف الموسيقي الذي دعي بحق إمبراطور النغم.
ونبدأ بالأول وقد صدر عنه كتاب عنوانه «فردريك الأكبر: ملك بروسيا» من تأليف تيم جيلاننج. الناشر: آلن لين (صدرت منه طبعة إلكترونية) في 648 صفحة.
وفي عرض لهذا الكتاب نشر في الملحق الثقافي لجريدة «ذا سنداي تايمز» البريطانية (4/ 10/ 2015) يتساءل دانيل جونسون: هل يستحق فردريك الثاني لقب «الأكبر»؟ لقد خلع فولتير عليه هذه الصفة بعد أن تبوأ سدة العرش لفترة طويلة من 1740 إلى 1786 وتمكن من أن يحول مقاطعة بروسيا من مملكة صغيرة في بحر البلطيق إلى قوة كبرى يحسب حسابها على القارة الأوروبية. وقد ظل محتفظًا بلقب «الأكبر» منذ فولتير، فهو يكاد يكون رئيس الدولة الألماني الوحيد الذي يعرفه الناس خارج ألمانيا، باستثناء القيصر فيلهلم الثاني وهتلر. لقد خسر كل من هذين الأخيرين حربًا عالمية، أما فردريك فانتصر في حرب السنوات السبع (1756 - 1763) ضد تحالف مكون من فرنسا وروسيا والسويد والنمسا وأغلب الإمبراطورية الرومانية المقدسة. غير أن الشهرة والنجاح لا يكفيان وحدهما لأن يبررا ذيوع صيته ووصفه بالعظمة. لقد كان يتسم بصفات تنفر العصر الحديث منه: نزعته الحربية، وكراهيته للمرأة، وشعور العظمة الذي يتملكه. إن الثمن الذي دفعه لكي يضع برلين على خريطة العالم هو معاملته بني وطنه - بل وأسرته - على أنهم وقود للمدافع.
ومع ذلك فإن فتنة شخصيته - وهي في آن واحد مغناطيسية ومنفرة - تلمع من خلال كل شيء فعله. فعلى النقيض من لويس الرابع عشر - الذي لم تنجح فرنسا في أن تجعل العالم يسميه «الأكبر» - كان فردريك يملك «النجومية» التي سحرت معاصريه ومن جاءوا بعده على السواء. وكان الإنجليز في العصر الفيكتوري (عصر الملكة فيكتوريا في القرن التاسع عشر) يعجبون بشجاعته في وجه المصاعب. وقد خصص المؤرخ الاسكتلندي توماس كارلايل ستة مجلدات لكتابة سيرته، وكان كتابه هذا هو الكتاب المفضل لدى هتلر. وقدس النازيون ذكراه إلى الحد الذي جعلهم يخفون بقايا جثمانه لحمايتها من الغارات الجوية التي يشنها الحلفاء. وفي نهاية المطاف ثوى جثمانه في قصره المسمى «سان سوسي» في بوتسدام عام 1991.
كتب فردريك في وصيته: «لقد عشت كما يعيش الفيلسوف، وأتمنى أن أدفن كما يدفن الفيلسوف». كان راعيًا للفنون والعلوم وعازفًا على الناي ومؤلفًا موسيقيًا ومسرحيًا وشاعرًا وهجّاءً ساخرًا ومنظرًا سياسيًا. لقد كان باختصار: الملك الفيلسوف. وقد أحاط نفسه بالمفكرين وأهمهم فولتير، ولكن علاقته بهذا الأخير ساءت، مما دفع فولتير إلى محاولة الفرار من بلاطه. وواضح أن أغلب صداقات فردريك كانت تنتهي بالدموع.
وكان فردريك رجل دولة وجنديًا واسع المطامح، على استعداد لأن يضحي بأكبر عدد من النفوس وأن يفلس الخزانة من أجل أن يستولي على سيلزيا (أغنى مقاطعة في وسط أوروبا والمفتاح الذي يمهد لتوسع بروسيا في باقي أقاليم ألمانيا).
وننتقل من هذا الإمبراطور المثقف المحارب إلى واحد من أعظم العبقريين الذين أنجبتهم ألمانيا في عالم الموسيقى، أعني بتهوفن الذي ما زال بعد مرور أقل قليلاً من قرنين على وفاته ملء سمع الدنيا. يشهد بهذا مجلد ضخم في أكثر من ألف ومائة صفحة صدر حديثًا عن دار «فيبر وفيبر» للنشر بلندن من تأليف جان سوافورد تحت عنوان «بتهوفن: اللوعة والانتصار».
Beethoven: Anguish and Triumph، by Jan Swafford، Faber and Faber، London، 1104 pages.
ويكفي للدلالة على منزلة بتهوفن ما يقوله ليون بلانتنجا في مقالة له بعنوان «فرحة جامحة» (ملحق التايمز الأدبي في 26 يونيو (حزيران) 2015) من أنه عندما شيعت جنازة الموسيقار في فيينا عام 1827 قدر عدد مشيعيه بما يتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف نسمة. وفي عام 1845، عند الاحتفال بمرور خمسة وسبعين عامًا على مولده، رفع الستار في مدينة بون مسقط رأسه عن تمثال له من عمل المثّال إرنست جوليوس هاهنل، يقوم في وسط المدينة. واقترنت هذه المناسبة بموكب من حملة المشاعل وطلقات من سلاح المدفعية وإقامة قاعة لعزف موسيقاه. كان من الحاضرين يومها نخبة من أبرز موسيقيي أوروبا (برليوز وليست وآخرون)، وعواهل مثل فردريش فلهلم الرابع ملك بروسيا، والملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا وزوجها الأمير ألبرت. وأثناء الحرب العالمية الثانية كان كلا الفريقين المتحاربين يستخدم موسيقى بتهوفن لإلهاب الشعور الوطني. كما قاد لينارد برنستاين عزفًا للسيمفونية التاسعة احتفالاً بسقوط حائط برلين في 1989.
عاش بتهوفن في قلب الغليان الاجتماعي والذهني الذي أحاط بالثورة الفرنسية في 1789 وحروب نابليون وتفاعل مع هذه الأحداث. وحظي في حياته بشهرة دولية لم يحظ بها أي موسيقي آخر، رغم أنه ظل يتأرجح على نحو قلق بين حاجته إلى رعاة لفنه من طبقة النبلاء ورغبته في الوصول إلى جمهور من عامة الشعب.
ولم تكن شخصية بتهوفن أقل إثارة للاهتمام من أعماله، فقد كان ناري الطبع يشعر بالاضطهاد، ولكنه سخي اليد غريب الأطوار أصم على نحو متزايد أشعث الهندام عاثر الحظ في علاقاته الغرامية في القسم الأكبر من حياته. ولكنه تمكن رغم كل العقبات من أن يتوج هذه الحياة بسيمفونيته التاسعة ورباعياته الوترية. وهذا الكتاب الجديد يبدأ بتتبع حياة بتهوفن منذ صباه في مدينة بون حتى وفاته عن ستة وخمسين عامًا. شب بتهوفن في ظل حركة التنوير في بون، وانتصارات نابليون في إيطاليا وأرض الراين والاستيلاء على بون، وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ومؤتمر فيينا الذي عمد إلى تقسيم كعكة أوروبا بعد سقوط نابليون في 1814 - 1815، وقيام الدولة البوليسية ذات القبضة الحديدية، والنظام الصارم الذي فرضه السياسي الألماني مترنيخ في النمسا فيما بعد.
وينتهي الكتاب بالحديث عن سنوات بتهوفن الأخيرة وما عاناه فيها، إذ تفاقم صممه وراودته أفكار الانتحار وعانى من خيبة الأمل في الحب. وحول فراش موته تحلق أصدقاؤه وتلاميذه وزملاؤه من الموسيقيين، وتفوه بقوله: «أيها الأصدقاء، لقد انتهت الملهاة». وكان ذلك تعليقه الأخير على حياته.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».