أوروبا تبدد جانبًا من مخاوفها عبر «نمو غير متوقع»

البطالة تنخفض أوروبيًا وترتفع أميركيًا بالتزامن مع محاولات إنعاش «الشراكة الأطلسية»

رفع البنك السويسري من توقعاته لنمو منطقة اليورو هذ العام إلى 1.6 في المائة  (أ.ب)
رفع البنك السويسري من توقعاته لنمو منطقة اليورو هذ العام إلى 1.6 في المائة (أ.ب)
TT

أوروبا تبدد جانبًا من مخاوفها عبر «نمو غير متوقع»

رفع البنك السويسري من توقعاته لنمو منطقة اليورو هذ العام إلى 1.6 في المائة  (أ.ب)
رفع البنك السويسري من توقعاته لنمو منطقة اليورو هذ العام إلى 1.6 في المائة (أ.ب)

في الوقت الذي تحاصر فيه المخاوف منطقة اليورو من زيادة التحديات الاقتصادية والسياسية على حد سواء، تتسارع وتيرة النمو الاقتصادي في المنطقة في الربع الأول من العام الحالي، الأمر الذي يجعل هذه القفزة تأتي في وقتها المناسب، نظرا لتصاعد وتيرة مخاوف الاستفتاء البريطاني وعدم اليقين السياسي في إسبانيا وتجدد التوترات في اليونان.
وحققت منطقة اليورو تقدما بنحو 0.6 في المائة خلال الفصل الأول من العام الحالي، وهو أسرع معدل نمو في الناتج المحلي منذ الربع الأول من عام 2015 على أساس ربع سنوي، مقارنة بنسبة 0.3 في المائة في الربع الأخير من العام الماضي، وحققت منطقة العملة الموحدة نموا بنحو 1.6 في المائة على أساس سنوي.
ووفقا لمكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) في بيانه أول من أمس، فإن هذه النسبة المُعبرة عن الفترة الممتدة بين يناير (كانون الثاني) حتى مارس (آذار)، أفضل مما كان يتوقعه المحللون الذين كانوا يتوقعون نموا بنحو 0.4 في المائة فقط. ويرى توماس هولكن، المحلل الاقتصادي المختص بشؤون منطقة اليورو، أن اقتصاد المنطقة في وضع أفضل هذا العام مما كان متوقعا، خصوصا بعد مخاوف تدفق اللاجئين.
وقال في تعليقه لـ«الشرق الأوسط» إن سوق العمل ستشهد زخما قويا هذا العام، مؤكدا أن الارتفاع في النمو الفرنسي سيساعد الرئيس فرنسوا هولاند في مسيرته الانتخابية المقبلة. واحتوى تقرير «يوروستات» على بيانات أقل من المعتاد، واعتاد المكتب الإحصائي تقديم توقعاته خلال الـ30 يوما الأخيرة في كل فصل، وليس من المعتاد أن يقدم تقريره بعد 45 يوما من نهاية الربع.
وقال المكتب الإحصائي إنه اعتبارا من الجمعة ستكون فترات تقدير النمو أقل، وسيبدأ المكتب بنشر تقديرات أولية سريعة لإجمالي الناتج الداخلي خلال 30 يوما قبل انتهاء الفصل المرجعي، على أن يُنشر تقدير ثان سريع لإجمالي الناتج الداخلي في غضون 45 يومًا بعد انتهاء الفصل المرجعي، وسينشر المكتب المعلومات المعهودة عن كل دولة عضو في منطقة العملة الموحدة (اليورو).
من ناحية أخرى، ساد التفاؤل في أوساط أسواق المال، نتيجة لبيانات النمو التي رجحت من نجاح خطط رئيس المركزي الأوروبي التي طالما شكك فيها الكثيرون. ورفع سويس بنك من توقعاته لنمو منطقة اليورو هذا العام إلى 1.6 في المائة من 1.4 في المائة سابقا، وقال البنك في بيانه أمس، إن بيانات النمو جاءت مفاجأة إيجابية عند النظر إلى البيئة الخارجية الصعبة منذ بداية العام.
ويتزامن هذا الارتفاع في النمو مع انخفاضات كبيرة في سوق الأسهم ومخاوف بشأن النمو في الولايات المتحدة والصين وكثير من الأسواق الناشئة، وتراجع ثقة المستهلكين والخروج المحتمل لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في حين تعاني الولايات المتحدة من قوة الدولار، بينما شهد اليورو أمس تسارعا ملحوظا. ومن بين المؤشرات الإيجابية التي تخفف من حدة المخاوف والقلق، كان تراجع معدلات البطالة في منطقة العملة الأوروبية الموحدة إلى 10.2 في المائة في مارس الماضي، وهو أدنى معدل منذ قرابة الخمسة أعوام، مما خالف التوقعات بثبات المعدل عند 10.4 في الربع الأول. ويأتي هذا التحسن في نسب البطالة الأوروبية عاملا مطمئنا (إلى حد ما) وسط توترات كبرى تتصل بالركود العالمي، وترقب استفتاء بريطانيا في الشهر المقبل حول الانفصال من أوروبا، إلى جانب «المشهد اليوناني» المضطرب.
ولعل المقارنة مع نسب البطالة في الولايات المتحدة عن الفترة ذاتها تعد مؤشرا جيدا لأوروبا، حيث أظهرت الإحصاءات الأخيرة ارتفاع معدل البطالة إلى 5 في المائة في مارس، من 4.9 في المائة في فبراير (شباط)، على عكس التحسن الذي ظهر بقوة في منطقة اليورو.
وحققت منطقة اليورو بعض النجاح في خفض معدلات البطالة، بعدما شهدت ارتفاعا بشكل غير مسبوق عام 2013، حين بلغت معدلا قياسيا وصل إلى 12.1 في المائة.
وعلى الرغم من الانخفاض الذي شهدته معدلات البطالة، فإن كثيرًا من المراقبين ما زالوا يعتقدون أن المعدلات الحالية ما زالت مرتفعة على نحو غير مقبول. وفي الوقت ذاته، ذكر «يوروستات» أن عدد العاطلين عن العمل في منطقة اليورو، التي تضم 19 دولة، تراجع بواقع 226 ألف شخص في مارس، حيث انخفض إجمالي عدد العاطلين إلى 16.4 مليون شخص.
وسجلت جمهورية التشيك أقل معدل بطالة بنحو 4.1 في المائة، ثم ألمانيا بنحو 2.4 في المائة، بينما سجلت اليونان أعلى معدل بطالة في يناير بنحو 24.4 في المائة. ولا تتوافر أرقام حاليا وفقا لمكتب الإحصاء لشهري فبراير ومارس، بينما سجلت فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، معدل بطالة 10 في المائة في مارس، وعلى مستوى البلدان الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بلغت نسبة البطالة 8.8 في المائة في مارس لتتراجع من 9.8 في المائة في فبراير.
وفي سياق ذي صلة، تراجعت أسعار السلع والخدمات في منطقة العملة الأوروبية الموحدة في أبريل (نيسان) الحالي بنسبة 0.2 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي لتصبح أقل من صفر في المائة للمرة الثانية هذا العام، في ظل تراجع أسعار الطاقة.
وتأتي هذه البيانات في الوقت الذي يسعى فيه البنك المركزي الأوروبي لزيادة أسعار المستهلك ورفع معدلات التضخم إلى المعدل السنوي المستهدف، الذي يبلغ أدنى من 2 في المائة بفارق طفيف.
وأظهر بيان «يوروستات» أن تراجع معدلات التضخم في أبريل الماضي، جاء مدفوعا بانخفاض أسعار الطاقة.
وكان رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي قد أثار في وقت سابق الشهر الماضي احتمال طرح حزمة جديدة من إجراءات التحفيز النقدي من أجل دعم التضخم والنمو الاقتصادي. وكانت معدلات التضخم في منطقة اليورو قد تراجعت إلى أدنى من صفر في المائة في فبراير الماضي.
في غضون ذلك، أعرب المفاوضون الأميركيون والأوروبيون بعد محادثاتهم في نيويورك مساء الجمعة عن أملهم في التوصل إلى اتفاقية «الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي» بين الجانبين خلال العام الحالي، رغم الصعوبات القائمة، مثل المعارضة الشعبية للاتفاقية والاستعدادات للانتخابات الأميركية الرئاسية والنيابية والاستفتاء البريطاني على البقاء في الاتحاد الأوروبي.
ويضاف إلى تلك العقبات ضغوط أخرى تتعلق بـ«عدالة الاتفاقية»، حيث تتصاعد أصوات في الإدارات الأوروبية، لعل أعلاها صدى يصدر من فرنسا، التي ترى على المستوى الرسمي أنه «لا يوجد أي داع للتعجل في إبرام اتفاقية قد تضر بالمصالح الأوروبية».
وبحسب المحللين، فإن المعارضة الفرنسية تنصب على كون باريس ترى أنها ستكون الجانب الأضعف في حال إتمام الشراكة الأورو - أميركية، إذ إن الصناعة الفرنسية تعتمد بشكل كبير على التصدير إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما سيجد تحديًا بالغًا، وقد تراجع كبير إذا فتحت أوروبا أبوابها للواردات الأميركية «مخصومة من الضرائب والرسوم الجمركية»، وهي العوامل التي قد تقضي على القدرة التنافسية للصناعة الفرنسية في عقر دارها.
على الجانب الآخر، تبدو ألمانيا في طليعة الدول التي تدعم المضي قدما في الاتفاقية، ويرى المحللون أن الموقف الألماني مختلف عن نظيره الفرنسي، نظرا لطبيعة الصناعة والمنتجات الألمانية، التي لن تجد منافسة قوية «إلى هذا الحد» من نظيرتها عبر المتوسط، بل الأكثر أن الصناعات الألمانية قد توسع أسواقها بداخل الولايات المتحدة بعد تطبيق اتفاقية للإعفاءات، وهو الأمر الذي لا توجد له أي «نافذة» أمل من الجانب الفرنسي.
ومساء الجمعة، قال إغناسيو غارسيا بيرسيرو، رئيس فريق التفاوض الممثل للاتحاد الأوروبي للصحافيين: «مستعدون للعمل بجد لإتمام هذه المفاوضات خلال عام 2016، لكن بشرط أن يكون جوهر الاتفاق صحيحا». كما أوضح دان مولاني، المفاوض الأميركي، أمله في التوصل إلى اتفاق إذا تواصلت المفاوضات المكثفة وتوافرت إرادة سياسية كافية.
تواجه اتفاقية «الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي» معارضة شعبية قوية من جانب الأميركيين والأوروبيين، حيث أصبح الحديث المناوئ لاتفاقيات التجارة الحرة يحتل مساحة كبيرة بين مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لانتخابات الرئاسة الأميركية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ويشكك المراقبون في إمكانية التوصل إلى الاتفاقية خلال عام الانتخابات الأميركية، لكن الرئيس الأميركي باراك أوباما جعل التجارة عنصرا أساسيا في جدول أعماله خلال الشهور المتبقية من حكمه. وقد دفع من أجل التوصل إلى الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي خلال وجوده في ألمانيا قبل أيام لحضور معرض تجاري دولي برفقة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
ويقول معارضو الاتفاقية إنها ستؤدي إلى تقليص إجراءات حماية المستهلك وتتيح للشركات وقف العمل بالقواعد التي لا تناسبها. لكن مؤيدي الاتفاقية يقولون إنها ستؤدي إلى قيام أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، تضم 800 مليون نسمة، وإنها ستؤدي إلى تعزيز النمو الاقتصادي والوظائف.
يذكر أن الاتفاقية الأميركية الأوروبية تتعثر بسبب مخاوف من أنه قد يسمح للشركات بالتهرب من القوانين الوطنية في دول الاتحاد الأوروبي. ومن النقاط المثيرة للخلاف ما يُسمى ببند تسوية النزاع بين المستثمر والدولة، الذي يوجد في الكثير من اتفاقيات التجارة الحرة ويوضح كيفية التعامل في النزاعات بين الشركات والحكومات الوطنية.
كما يذكر أن اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر المحيط الأطلسي تحتاج إلى موافقة أعضاء البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل أن يتم تقديمها إلى واشنطن، في إطار عمل المفاوضات المستمرة.



تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
TT

تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)

أظهرت بيانات صادرة عن «يوروستات» انخفاضاً غير متوقع في الإنتاج الصناعي بمنطقة اليورو خلال يناير (كانون الثاني)، حيث سجَّلت غالبية الدول الكبرى في المنطقة تراجعاً، ما يثير المخاوف حول تعافي القطاع الذي طال انتظاره، في ظلِّ استمرار زيادة تكاليف الطاقة التي تضيف أعباء جديدة على قطاع يعاني منذ سنوات.

وأفادت البيانات بأنَّ الإنتاج في الدول الـ21 التي تشترك في عملة اليورو انخفض بنسبة 1.5 في المائة خلال الشهر، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.6 في المائة، مع تسجيل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا انخفاضات كبيرة.

وعلى أساس سنوي، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة مقارنة بالعام السابق، مقابل توقعات بنمو 1.4 في المائة وفق استطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين، وهو تراجع تفاقم بعد قيام «يوروستات» بمراجعة أرقام ديسمبر (كانون الأول). ويشهد قطاع الصناعة في منطقة اليورو ركوداً ممتداً، حيث يقل الإنتاج حالياً بنسبة 3 في المائة عن مستويات عام 2021، متأثراً بعوامل عدة، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، والمنافسة الشديدة من الصين، والتعريفات الأميركية، وضعف نمو الإنتاجية، وانخفاض الطلب العالمي على السيارات الأوروبية.

وكان صناع السياسات يأملون أن يشهد عام 2026 بداية انتعاش اقتصادي جزئي، بفضل الجهود المستمرة لدعم الإنتاجية، إلا أنَّ أرقام يناير والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية يشيران إلى احتمال استمرار الاضطرابات.

وقال بيرت كولين، الخبير الاقتصادي في بنك «آي إن جي»: «يتلاشى التفاؤل في قطاع التصنيع بمنطقة اليورو مع انخفاض الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2024 في يناير، وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تجدُّد مخاطر الإنتاج، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة».

ويُلقي الانكماش في آيرلندا بظلاله على المنطقة، حيث سجَّل إنتاج الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالشهر السابق، بينما تراجع إنتاج السلع المعمرة وغير المعمرة والسلع الوسيطة بشكل حاد؛ بسبب وجود عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات التي تؤثر على تقلبات الأرقام بشكل كبير.

وكانت ألمانيا، أكبر دولة في منطقة اليورو وصانعة السيارات المهيمنة، من بين الأكثر تضرراً، حيث انخفض إنتاجها بنسبة 9 في المائة عن مستويات عام 2021، وتشير أرقام الطلبات الضعيفة إلى استمرار الوضع دون تحسن قريب. ويشهد الإنتاج الألماني تراجعاً مستمراً منذ سنوات، ما أسهم في ركود الاقتصاد الألماني خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم توقع حدوث انتعاش جزئي هذا العام بفضل الإنفاق الحكومي الكبير على الدفاع والبنية التحتية.

ومع ذلك، يُهدِّد الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة أي انتعاش محتمل، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو الثلثين منذ بداية العام، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 80 في المائة؛ نتيجة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في إيران، ما يُشكِّل ضربةً مزدوجةً للصناعة من خلال رفع التكاليف وتقليل القدرة الشرائية.

وقال دييغو إسكارو من شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يعتمد القطاع الصناعي الأوروبي بشكل كبير على النفط والغاز المستورَدين، وهو معرض أيضاً لاضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الصراع».

وتُعدُّ أوروبا مستورداً صافياً للطاقة، ما يجعل صناعتها حساسة بشكل خاص لصدمات أسعار السلع الأساسية نظراً لمحدودية مواردها الطبيعية نسبياً.


الين الياباني يترقب ضربة جديدة مع صعوبة «التدخل الحكومي»

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

الين الياباني يترقب ضربة جديدة مع صعوبة «التدخل الحكومي»

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

من المرجح أن يكون لدى اليابان مجال أقل للتدخل في سوق العملات مقارنةً بالماضي، حتى مع دفع الصراع في الشرق الأوسط للين نحو مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي كان يُعتبر سابقاً عتبةً لتدخل السلطات. ويقول بعض المحللين إن التردد الأخير من جانب المسؤولين في الترويج للعملة قد يدفع الين إلى الانخفاض إلى 165 يناً للدولار، وهي خطوة من شأنها أن تزيد من تكاليف الاستيراد والتضخم بشكل عام، في وقتٍ تُساهم فيه الحرب الإيرانية في رفع أسعار النفط الخام. وعلى عكس عامَي 2022 و2024، حين تدخلت طوكيو لمواجهة بيع الين المرتبط بعمليات المضاربة على فروق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، فإن انخفاض قيمة العملة مؤخراً إلى ما دون 159 يناً مدفوعٌ بشكل أكبر بالطلب على الدولار كملاذ آمن، والمخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى الإضرار بالاقتصاد الياباني. ويقول صنّاع السياسة اليابانيون في أحاديث خاصة إن التدخل لدعم الين الآن قد يكون عديم الجدوى؛ إذ قد تضعف هذه الإجراءات بفعل تدفق الطلب على الدولار الذي سيزداد حدةً في حال استمرار الحرب. وقال مسؤول: «علينا أن نرى كيف ستؤول الحرب، وإلى متى ستظل طرق الشحن عبر مضيق هرمز معطلة. المسألة هنا تتعلق بشراء الدولار، لا ببيع الين».

الوضع مختلف

ويُقال في الأوساط الاقتصادية اليابانية إن التدخل في سوق العملات يكون أكثر فاعلية عند استخدامه لتصفية مراكز المضاربة الضخمة، كما حدث عندما تدخلت طوكيو لدعم الين في عامَي 2022 و2024. والآن، تتراجع مؤشرات تزايد ضغوط المضاربة في سوق العملات. فقد بلغ صافي مراكز البيع على الين 16.575 عقداً في أوائل مارس (آذار)، وفقاً لبيانات لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية. وهذا أقل بكثير من نحو 180.000 عقد في يوليو (تموز) 2024، عندما قامت اليابان بآخر تدخل ضخم لشراء الين. وبينما شددت السلطات في طوكيو تحذيراتها مع اقتراب الين من مستوى 160 المهم نفسياً، فقد تجنبت الإشارة المعتادة إلى بيع الين للمضاربة؛ وهو تبرير تقليدي للتدخل في السوق. وعند سؤالها يوم الجمعة عن إمكانية التدخل، تجنبت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما الإجابة المباشرة، قائلةً إن الحكومة على أهبة الاستعداد للتحرك في أي وقت، «إدراكاً منها لتأثير تحركات العملة على معيشة الناس».

وضع مربك

وقال شوتا ريو، استراتيجي العملات الأجنبية في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «إذا تدخلت اليابان الآن، فلن يكون تدخلها فعالاً؛ إذ من المرجح أن يستمر شراء الدولار كملاذ آمن، ما لم يستقر الوضع في الشرق الأوسط». وأضاف: «قد يُشجع التدخل المضاربين على بيع الين مجدداً بمجرد انتعاشه». وتبرر اليابان تدخلها استناداً إلى اتفاقية بين اقتصادات «مجموعة السبع» المتقدمة، والتي تسمح للسلطات بالتدخل لمكافحة التقلبات المفرطة الناجمة عن المضاربات التي تنحرف عن الأسس الاقتصادية. وإذا كانت الانخفاضات الأخيرة في الين مدفوعةً بالأسس الاقتصادية، فلا يمكن لليابان الاعتماد على دعم «مجموعة السبع» للتدخل منفردةً. ودفع هذا طوكيو إلى التركيز على الانضمام إلى الجهود الدولية الرامية إلى استقرار أسعار النفط، والتي تُعتبر السبب الجذري لتقلبات السوق الأوسع نطاقاً.

وصرحت كاتاياما أمام البرلمان هذا الأسبوع بأن اليابان «حثت بشدة» نظيراتها في «مجموعة السبع» على عقد اجتماع لمناقشة خطوات معالجة ارتفاع أسعار النفط، في إشارة إلى المحادثات التي أفضت إلى اتفاق بشأن إمكانية الإفراج عن مخزونات النفط الاحتياطية الطارئة. وكانت اليابان أيضاً أول دولة كبرى تُفرج عن جزء من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، مما خلق زخماً لجهود تقودها وكالة الطاقة الدولية. ومع ذلك، إذا فشل التنسيق العالمي أو التدخل اللفظي في وقف انخفاض الين، فقد لا يكون أمام اليابان خيار سوى رفع أسعار الفائدة وتقليص الفارق في أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة، التي يُنظر إليها على أنها وراء الانخفاضات المستمرة في قيمة الين، وفقاً لبعض المحللين. وقال أكيرا موروغا، كبير استراتيجيي السوق في بنك أوزورا: «شخصياً، من وجهة نظر أساسية، لا يزال رفع سعر الفائدة في يوليو يبدو التوقيت الأنسب». وأضاف: «لكن إذا اشتدّ الضغط الهبوطي على الين، فلن يكون من المستغرب أن نشهد تقديم موعد صرف الين إلى أبريل (نيسان)، خشية أن يؤدي انخفاض قيمة الين إلى ارتفاع الأسعار، حتى وإن لم يُصرّح بنك اليابان بذلك صراحةً».


الفلبين تخطط لكبح فواتير الكهرباء مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال

نموذج لناقلة الغاز الطبيعي المسال في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
نموذج لناقلة الغاز الطبيعي المسال في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
TT

الفلبين تخطط لكبح فواتير الكهرباء مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال

نموذج لناقلة الغاز الطبيعي المسال في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
نموذج لناقلة الغاز الطبيعي المسال في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

أعلنت وزيرة الطاقة الفلبينية، شارون غارين، يوم الجمعة، أن الفلبين تعتزم كبح جماح فواتير الكهرباء في ظل اضطرابات الشحن بالشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال، من خلال زيادة إنتاج الطاقة من محطات توليد الكهرباء بالفحم وتنظيم أسعار الكهرباء، ربما في أقرب وقت الأسبوع المقبل.

وتشهد حركة الشحن في الخليج وعبر مضيق هرمز، تباطؤاً حاداً مع تصاعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما دفع بأسعار الغاز الطبيعي المسال إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، بعد توقف قطر عن الإنتاج، التي تمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية.

وأوضحت غارين، لوكالة «رويترز»، أن الفلبين قد تواجه ارتفاعاً بنسبة تصل إلى 16 في المائة في أسعار الطاقة بحلول الشهر المقبل، إذا لم تتدخل الحكومة، مضيفة أن مانيلا تجري محادثات مع إندونيسيا لضمان إمدادات ثابتة من الفحم.

وقالت غارين: «الفكرة الأساسية هي خفض الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال وزيادة إنتاج الكهرباء من الفحم والطاقة المتجددة»، مشيرةً إلى إمكانية استبدال محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال بالكهرباء المولدة من الفحم على المدى القريب.

وأضافت: «نطلب صلاحيات طارئة لتنظيم السوق»، موضحةً أن جهود الحكومة للحد من أسعار الكهرباء عند مستوياتها الحالية قد تبدأ في أقرب وقت الأسبوع المقبل، في محاولة لتخفيف الأعباء على الأسر في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة.

وبالإضافة إلى إجراءات مثل تسريع ربط محطات الطاقة المتجددة وإعادة جدولة الصيانة، تعود الفلبين إلى الفحم بعد أول انخفاض سنوي في إنتاج الطاقة من الفحم منذ ما يقرب من عقدين، والذي شهدته العام الماضي.

ويتوقع أن ينعكس هذا الوضع على أسعار الطاقة، مما يسلط الضوء على معاناة دول آسيا من تقلبات أسعار الغاز الطبيعي المسال وانقطاعات الإمداد؛ فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية بعد توقف قطر عن الإنتاج إلى أكثر من الضعف، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من 3 سنوات.

وقالت غارين إن خطة الحكومة للتدخل في إحدى أسواق الطاقة الآسيوية القليلة غير المنظمة، قد تبدأ في وقت مبكر من الأسبوع المقبل. وتُعدّ تعريفات الطاقة في الفلبين، التي يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة، ثاني أعلى التعريفات في المنطقة بعد سنغافورة.

وأضافت: «مع الارتفاع المبالغ فيه في تكاليف نقل الوقود، يتضاعف التأثير». وأوضحت أنه قد يتعين تعليق بعض قواعد السوق لتوفير تخفيف مؤقت، مشيرةً إلى استعداد شركات توزيع الكهرباء لزيادة الطاقة المولدة من الفحم بدلاً من الغاز الطبيعي المسال.

وأكدت: «سنتدخل في السوق، أو أي إجراء يسمح به القانون، خصوصاً بالنسبة لشركة (ميرالكو)، أكبر شركة توزيع كهرباء في البلاد». كما أفادت بأن الحكومة تجري محادثات مع شركة «فيرست غاز باور» لتزويد محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال بأي غاز محلي غير مستخدم.

وأبلغت شركة «ميرالكو» وكالة «رويترز» عبر البريد الإلكتروني، بأنها تدعم مبادرات وزارة الطاقة لكبح جماح الأسعار، وأن لديها كميات كافية من الفحم المتعاقد عليه، وأنها تنسق مع موردي الطاقة لخفض تكاليف التوليد.