إبراهيم عبد المجيد يختزل تجربته الإبداعية في «ما وراء الكتابة»

يتسلم اليوم جائزة الشيخ زايد للآداب

إبراهيم عبد المجيد   -   غلاف الكتاب
إبراهيم عبد المجيد - غلاف الكتاب
TT

إبراهيم عبد المجيد يختزل تجربته الإبداعية في «ما وراء الكتابة»

إبراهيم عبد المجيد   -   غلاف الكتاب
إبراهيم عبد المجيد - غلاف الكتاب

قليلة هي الكتابات التي يكشف فيها الروائيون عن ملابسات كتاباتهم للروايات وصراعهم مع الأفكار أو انطباعاتهم عنها، ولعل أشهر الكتب في هذا المجال ما كتبه الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن تجربته الإبداعية في كتابيه «آليات الكتابة السردية»، و«اعترافات روائي ناشئ»، إلا أن كتاب الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد «ما وراء الكتابة: تجربتي مع الإبداع»، وهو من إصدارات الدار المصرية اللبنانية لعام 2014، يُعتبر من التجارب القليلة التي يبوح فيها كاتب عربي بخبايا وطقوس وملابسات كتابته لأعماله الروائية كاملة، وهو الكتاب الذي فاز عنه عبد المجيد بجائزة الشيخ زايد للآداب، التي يتسلمها اليوم (الأحد).
وجاء في حيثيات الجائزة: «سيرة تتناول بالعرض التحليلي الملابسات التي شكلت أعمال إبراهيم عبد المجيد الروائية، والكتاب يعرض لهذه الأبعاد التي تبيّن الجذور الواقعية الأولى لهذه الأعمال الروائية، وتكشف العلاقة بين الواقع والمتخيّل، وهو شهادة إبداعية موسَّعة عابرة للأجناس الأدبية، تعبر عن الحوارية والتعددية التي تستمد جماليتها من مختلف الأجناس».
وكانت في مصر تجربة مماثلة في سبعينات القرن الماضي للروائي فتحي أبو الفضل، في كتابه «رحلتي مع الرواية» الصادر ضمن سلسلة «كتابك» عن دار المعارف، وضع فيها حصاد تجربته مع الإبداع منذ عام 1938.
«ما وراء الكتابة» الواقع في 334 ورقة من القطع المتوسط، يجسد لنا بالتفصيل الحالات الروحية التي مر بها الكاتب من مرحلة تخيل الرواية إلى المجهود العقلي الذي يبذله، وهو يعيش حالة انفصال عن عالمنا الواقعي، منهمكًا في حالته الروائية. وهو يوضح كيف تنعكس فترة كتابة الرواية على معاني النص وطبيعة اللغة، ويتطرق لقراءاته الأدبية في تلك الفترة وكيف تفاعل وجدانيا وأدبيا مع ما عاشه من أحداث سياسية أو موجات أدبية، وبهذا يضعنا عبد المجيد في حالة توحد مع نصوصه، وكأنها رواية داخل الرواية، أو توثيق لذاكرة رواياته.
يناقش عبد تجربته الروائية، بعد أن وصل إلى مرحلة الرضا عن ماضيه الأدبي، كما يستعرض ذاكرته الروائية والتقنيات التي استعان بها في رواياته، فهي تارة استحضار الزمن، وتارة الاستعانة بالوثائق وأرشيف الصحف، ويقص كيف خاض تجربة جديدة بالكتابة عن الواقع الافتراضي «في كل أسبوع يوم جمعة». نقرأ أيضًا صفحات عن مصارعته نفسه أثناء عملية خلق الشخصيات والأبطال، وأثر ذلك على الكاتب نفسه.. كيف يتألم ويدمن على مسكنات الألم. ويعرفنا في رحلته على كيفية استلهام أسماء قصصه ورواياته، وعلى عالمه المغموس بروح الإسكندرية على مدى 35 سنة.
وبطريقة مبسطة كما هي كتاباته، تحدث المؤلف عن المغزى من تأليفه هذا الكتاب: «كنت كتبت هذا الكتاب أول مرة بعد أن صدرت روايتي (طيور العنبر) عام 2000، وكنت أشعر أنه بروفة لكتاب أكثر تفصيلا، ولم أكن أيضًا أصدرت الروايات التالية لطيور العنبر. كما لم أكتب أيضًا عن كل الروايات الصادرة قبلها.. أردت فقط وقتها أن أقدم للحياة الأدبية فكرة جديدة، ليست هي بالمذكرات ولا السيرة الشخصية للكاتب، أكثر مما هي سيرة للكتابة نفسها وللكاتب معها».
قُسم الكتاب إلى أربعة أقسام، القسم الأول عن الروايات الأربع الأولى في مسيرة عبد المجيد السردية، وهي: «المسافات»، «الصياد واليمام»، «ليلة العشق والدم»، «بيت الياسمين».. نتعرف هنا على تكوين عبد المجيد الثقافي وميوله السياسية ومشاركته في المظاهرات الطلابية، بل ونلمس كيف تبدلت قراءاته وجمعت بين الفلسفة والتصوف والماركسية والشعر والأدب الغربي والعربي «كنت انتهيت من قراءة رواية (ليس في رصيف الأزهار من يجيب) للكاتب الجزائري مالك حداد. وظللت لأيام لا أرى العالم من حولي. ظللت غائبا في سحرها. رواية صغيرة لكنها عظيمة تركت في نفسي رغبة عارمة في الكتابة وإعادة صياغة العالم» (ص73). ويستكمل كواليس رواية «بيت الياسمين»: «وبينما أجلس في مقهى ريش جاءتني فكرة أن أقدم لكل فصل بحكاية خرافية أو عجائبية، ليس مهما أن يكون لها علاقة بالفصل نفسه. لكنها تثير أسئلة القارئ عن العلاقة وتتسع الرؤية لأكثر من تفسير».
في القسم الثاني «الكتابة عن الإسكندرية»، يأخذنا عبد المجيد لأسرار كتابته عن معشوقته الإسكندرية، فجاءت كواليس ما وراء ثلاثيته الشهيرة: «لا أحد ينام في الإسكندرية»، و«طيور العنبر»، «الإسكندرية في غيمة»، وكأنها قصيدة نثرية من فرط ما تثيره من حنين الكاتب لمدينته، وما يفعله عشق المكان بالعاشق.. «ليست الكتابة عن الإسكندرية بالأمر السهل، فهي ليست مجرد مدينة ممتدة تتحرك فيها الشخصيات، بقدر ما هي حالة وجودية ليس أولها الحزن وليس آخرها الثورة! إنها بلورة سحرية تعطيك من كل ناحية عشرات الصور» (ص86 - 87).
ويفسر عبد المجيد أثر الإسكندرية في أدب نجيب محفوظ وكيف دفعته للتجديد، ويمد الحديث عن إدوارد الخراط وروبير سوليه وهاري تزالاس وتسيركاس من بعد حديثه عن داريل وكفافيس وفورستر، قائلا: «أن تكون حرا وتعيد بناء العالم على هواك.. سمة أخرى مما نسميه السكندرية» (ص88).
وعن أجواء «لا أحد ينام في الإسكندرية»: «كنت أعرف أنني سأكتب رواية مختلفة. وسأجد نفسي في قلب التسامح الذي شكل حياة البشر في المدينة عبر التاريخ. وتحت الموت والدمار أيضا. لكن هذه المعرفة بتاريخ المدينة التي كانت باعثا على الكتابة كما كانت الذكريات لا تغني عن محاولة الذهاب إلى هناك إلى زمان الرواية نفسه ومكانها إلى عام 1939 حين بدأت الحرب العالمية وحتى نهاية 1942، حين انهزمت جيوش المحور في العلمين وانسحبت من أفريقيا كلها.. الحياة اليومية هي حياة الرواية.. وبدأت رحلتي مع الصحف وبالذات صحيفة (الأهرام).. قرأتها يوما بيوم منذ 1939 حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1942.. كان انشغالي بالأحداث الكبرى أجل، وبالأشياء الصغرى والعادية بل والغريبة. وهكذا رحت أدون ما أراه مناسبا للرواية من وقائع سياسية وحربية والأهم هو الحياة اليومية للمصريين عامة والإسكندريين خاصة» (ص110 - 111).
ويأتي القسم الثالث ليتناول روايات «ما وراء برج العذراء»، «عتبات البهجة»، «في كل أسبوع يوم جمعة»، وعن رواية عتبات البهجة التي دارت أحداثها في القاهرة، يقول: «أعجب ما في هذه الرواية أنني بعد أن تقدمت في كتابتها في المرة الثانية وجدت نفسي أقفز على فصلين لا أكتبهما، وأنتقل للفصل التالي لكل منهما. إذن صرت على يقين أنني سأكتبها وتكتبني» (ص259).
«كانت الرواية كلها تقريبا مواقف لا يصل البطل إلى نهايتها. تنتهي على عكس ما أراد وبسرعة.كل شيء. الحب والجنس. وغيرها» (ص263). وعن اختيار عنوان «في كل أسبوع يوم جمعة}، يقول: «لأن يوم الجمعة في التراث العربي يوم صعب. هو يوم قتل المسيح. ويقال إنه يوم قتل الحسين ويوم خلق آدم، يوم خروج آدم من الجنة، وفيه تقوم الساعة.. هو يوم النهايات والبدايات ويقال في الأدب الشعبي المصري إن به ساعة نحس!» (ص275).
وتحت عنوان «هنا القاهرة.. أخيرا أحببتها»، تحدث فيه صاحب «البلدة الأخرى» عن مدينة القاهرة التي تركها تنجرف بين وجدانه بصخبها وكان يتناسى أنه كتب عنها، ويقول عن أجواء رواية «هنا القاهرة» التي تأثر خلالها بثورة يناير (كانون الثاني) 2011: «لم أجد مشكلة أن تكون الرواية بضمير المتكلم. بل ربما جعلها ضمير المتكلم أكثر حميمية لي أثناء الكتابة. لكن كعادتي وحبي الكبير صارت الغرائب هي الحقائق. كنت أبحث عن غرائب تفوق ما عشناه، ومن ثم تسللت مع شخصيات الرواية أحداث لم نعشها ومواقف لم تحدث لنا» (ص287).
أما القسم الرابع والأخير، فيجيب فيه عن تساؤل ربما قفز إلى ذهن القارئ على مر صفحات الكتاب: هل يختلف ما وراء القصص القصيرة عن الرواية؟ فيجيب: «من المؤكد أنه يختلف فهو من البداية يحدد نفسه في قالب القصة القصيرة. إحساس عميق حقًا، وقد يكون أعمق في إلحاحه على الروح، لكنه كما يأتي يخرج بنفس السرعة. المسافة الزمنية بين ميلاده في الروح وبعثه على الورق أقل مما يحدث في الرواية طبعا. هذه تمشي معك حلما وكتابة لسنوات وسنوات» (ص309). تنوعت قصص عبد المجيد منذ أن كان عضوا في الحزب الشيوعي فكتب «الرغبة في الاختفاء»، و«حامل كتاب السحر» و«الطريق والنهر»، وفي باريس كتب «ليلة أنجيلا»، و«حكاية تيري»، ثم «الضربة القوية» وغيرها. وهو يعترف أيضًا بأنه كان على وشك كتابة أحلامه لكن سبقه إلى الفكرة نجيب محفوظ، وكان قد نشر ثلاثة منها فقط.
* ولد إبراهيم عبد المجيد في 2 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1946م بمدينة الإسكندرية، وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1973، ورحل في العام نفسه إلى القاهرة ليعمل في وزارة الثقافة، حيث تولى عددًا من المناصب الثقافية.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».