إبراهيم عبد المجيد يختزل تجربته الإبداعية في «ما وراء الكتابة»

يتسلم اليوم جائزة الشيخ زايد للآداب

إبراهيم عبد المجيد   -   غلاف الكتاب
إبراهيم عبد المجيد - غلاف الكتاب
TT

إبراهيم عبد المجيد يختزل تجربته الإبداعية في «ما وراء الكتابة»

إبراهيم عبد المجيد   -   غلاف الكتاب
إبراهيم عبد المجيد - غلاف الكتاب

قليلة هي الكتابات التي يكشف فيها الروائيون عن ملابسات كتاباتهم للروايات وصراعهم مع الأفكار أو انطباعاتهم عنها، ولعل أشهر الكتب في هذا المجال ما كتبه الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن تجربته الإبداعية في كتابيه «آليات الكتابة السردية»، و«اعترافات روائي ناشئ»، إلا أن كتاب الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد «ما وراء الكتابة: تجربتي مع الإبداع»، وهو من إصدارات الدار المصرية اللبنانية لعام 2014، يُعتبر من التجارب القليلة التي يبوح فيها كاتب عربي بخبايا وطقوس وملابسات كتابته لأعماله الروائية كاملة، وهو الكتاب الذي فاز عنه عبد المجيد بجائزة الشيخ زايد للآداب، التي يتسلمها اليوم (الأحد).
وجاء في حيثيات الجائزة: «سيرة تتناول بالعرض التحليلي الملابسات التي شكلت أعمال إبراهيم عبد المجيد الروائية، والكتاب يعرض لهذه الأبعاد التي تبيّن الجذور الواقعية الأولى لهذه الأعمال الروائية، وتكشف العلاقة بين الواقع والمتخيّل، وهو شهادة إبداعية موسَّعة عابرة للأجناس الأدبية، تعبر عن الحوارية والتعددية التي تستمد جماليتها من مختلف الأجناس».
وكانت في مصر تجربة مماثلة في سبعينات القرن الماضي للروائي فتحي أبو الفضل، في كتابه «رحلتي مع الرواية» الصادر ضمن سلسلة «كتابك» عن دار المعارف، وضع فيها حصاد تجربته مع الإبداع منذ عام 1938.
«ما وراء الكتابة» الواقع في 334 ورقة من القطع المتوسط، يجسد لنا بالتفصيل الحالات الروحية التي مر بها الكاتب من مرحلة تخيل الرواية إلى المجهود العقلي الذي يبذله، وهو يعيش حالة انفصال عن عالمنا الواقعي، منهمكًا في حالته الروائية. وهو يوضح كيف تنعكس فترة كتابة الرواية على معاني النص وطبيعة اللغة، ويتطرق لقراءاته الأدبية في تلك الفترة وكيف تفاعل وجدانيا وأدبيا مع ما عاشه من أحداث سياسية أو موجات أدبية، وبهذا يضعنا عبد المجيد في حالة توحد مع نصوصه، وكأنها رواية داخل الرواية، أو توثيق لذاكرة رواياته.
يناقش عبد تجربته الروائية، بعد أن وصل إلى مرحلة الرضا عن ماضيه الأدبي، كما يستعرض ذاكرته الروائية والتقنيات التي استعان بها في رواياته، فهي تارة استحضار الزمن، وتارة الاستعانة بالوثائق وأرشيف الصحف، ويقص كيف خاض تجربة جديدة بالكتابة عن الواقع الافتراضي «في كل أسبوع يوم جمعة». نقرأ أيضًا صفحات عن مصارعته نفسه أثناء عملية خلق الشخصيات والأبطال، وأثر ذلك على الكاتب نفسه.. كيف يتألم ويدمن على مسكنات الألم. ويعرفنا في رحلته على كيفية استلهام أسماء قصصه ورواياته، وعلى عالمه المغموس بروح الإسكندرية على مدى 35 سنة.
وبطريقة مبسطة كما هي كتاباته، تحدث المؤلف عن المغزى من تأليفه هذا الكتاب: «كنت كتبت هذا الكتاب أول مرة بعد أن صدرت روايتي (طيور العنبر) عام 2000، وكنت أشعر أنه بروفة لكتاب أكثر تفصيلا، ولم أكن أيضًا أصدرت الروايات التالية لطيور العنبر. كما لم أكتب أيضًا عن كل الروايات الصادرة قبلها.. أردت فقط وقتها أن أقدم للحياة الأدبية فكرة جديدة، ليست هي بالمذكرات ولا السيرة الشخصية للكاتب، أكثر مما هي سيرة للكتابة نفسها وللكاتب معها».
قُسم الكتاب إلى أربعة أقسام، القسم الأول عن الروايات الأربع الأولى في مسيرة عبد المجيد السردية، وهي: «المسافات»، «الصياد واليمام»، «ليلة العشق والدم»، «بيت الياسمين».. نتعرف هنا على تكوين عبد المجيد الثقافي وميوله السياسية ومشاركته في المظاهرات الطلابية، بل ونلمس كيف تبدلت قراءاته وجمعت بين الفلسفة والتصوف والماركسية والشعر والأدب الغربي والعربي «كنت انتهيت من قراءة رواية (ليس في رصيف الأزهار من يجيب) للكاتب الجزائري مالك حداد. وظللت لأيام لا أرى العالم من حولي. ظللت غائبا في سحرها. رواية صغيرة لكنها عظيمة تركت في نفسي رغبة عارمة في الكتابة وإعادة صياغة العالم» (ص73). ويستكمل كواليس رواية «بيت الياسمين»: «وبينما أجلس في مقهى ريش جاءتني فكرة أن أقدم لكل فصل بحكاية خرافية أو عجائبية، ليس مهما أن يكون لها علاقة بالفصل نفسه. لكنها تثير أسئلة القارئ عن العلاقة وتتسع الرؤية لأكثر من تفسير».
في القسم الثاني «الكتابة عن الإسكندرية»، يأخذنا عبد المجيد لأسرار كتابته عن معشوقته الإسكندرية، فجاءت كواليس ما وراء ثلاثيته الشهيرة: «لا أحد ينام في الإسكندرية»، و«طيور العنبر»، «الإسكندرية في غيمة»، وكأنها قصيدة نثرية من فرط ما تثيره من حنين الكاتب لمدينته، وما يفعله عشق المكان بالعاشق.. «ليست الكتابة عن الإسكندرية بالأمر السهل، فهي ليست مجرد مدينة ممتدة تتحرك فيها الشخصيات، بقدر ما هي حالة وجودية ليس أولها الحزن وليس آخرها الثورة! إنها بلورة سحرية تعطيك من كل ناحية عشرات الصور» (ص86 - 87).
ويفسر عبد المجيد أثر الإسكندرية في أدب نجيب محفوظ وكيف دفعته للتجديد، ويمد الحديث عن إدوارد الخراط وروبير سوليه وهاري تزالاس وتسيركاس من بعد حديثه عن داريل وكفافيس وفورستر، قائلا: «أن تكون حرا وتعيد بناء العالم على هواك.. سمة أخرى مما نسميه السكندرية» (ص88).
وعن أجواء «لا أحد ينام في الإسكندرية»: «كنت أعرف أنني سأكتب رواية مختلفة. وسأجد نفسي في قلب التسامح الذي شكل حياة البشر في المدينة عبر التاريخ. وتحت الموت والدمار أيضا. لكن هذه المعرفة بتاريخ المدينة التي كانت باعثا على الكتابة كما كانت الذكريات لا تغني عن محاولة الذهاب إلى هناك إلى زمان الرواية نفسه ومكانها إلى عام 1939 حين بدأت الحرب العالمية وحتى نهاية 1942، حين انهزمت جيوش المحور في العلمين وانسحبت من أفريقيا كلها.. الحياة اليومية هي حياة الرواية.. وبدأت رحلتي مع الصحف وبالذات صحيفة (الأهرام).. قرأتها يوما بيوم منذ 1939 حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1942.. كان انشغالي بالأحداث الكبرى أجل، وبالأشياء الصغرى والعادية بل والغريبة. وهكذا رحت أدون ما أراه مناسبا للرواية من وقائع سياسية وحربية والأهم هو الحياة اليومية للمصريين عامة والإسكندريين خاصة» (ص110 - 111).
ويأتي القسم الثالث ليتناول روايات «ما وراء برج العذراء»، «عتبات البهجة»، «في كل أسبوع يوم جمعة»، وعن رواية عتبات البهجة التي دارت أحداثها في القاهرة، يقول: «أعجب ما في هذه الرواية أنني بعد أن تقدمت في كتابتها في المرة الثانية وجدت نفسي أقفز على فصلين لا أكتبهما، وأنتقل للفصل التالي لكل منهما. إذن صرت على يقين أنني سأكتبها وتكتبني» (ص259).
«كانت الرواية كلها تقريبا مواقف لا يصل البطل إلى نهايتها. تنتهي على عكس ما أراد وبسرعة.كل شيء. الحب والجنس. وغيرها» (ص263). وعن اختيار عنوان «في كل أسبوع يوم جمعة}، يقول: «لأن يوم الجمعة في التراث العربي يوم صعب. هو يوم قتل المسيح. ويقال إنه يوم قتل الحسين ويوم خلق آدم، يوم خروج آدم من الجنة، وفيه تقوم الساعة.. هو يوم النهايات والبدايات ويقال في الأدب الشعبي المصري إن به ساعة نحس!» (ص275).
وتحت عنوان «هنا القاهرة.. أخيرا أحببتها»، تحدث فيه صاحب «البلدة الأخرى» عن مدينة القاهرة التي تركها تنجرف بين وجدانه بصخبها وكان يتناسى أنه كتب عنها، ويقول عن أجواء رواية «هنا القاهرة» التي تأثر خلالها بثورة يناير (كانون الثاني) 2011: «لم أجد مشكلة أن تكون الرواية بضمير المتكلم. بل ربما جعلها ضمير المتكلم أكثر حميمية لي أثناء الكتابة. لكن كعادتي وحبي الكبير صارت الغرائب هي الحقائق. كنت أبحث عن غرائب تفوق ما عشناه، ومن ثم تسللت مع شخصيات الرواية أحداث لم نعشها ومواقف لم تحدث لنا» (ص287).
أما القسم الرابع والأخير، فيجيب فيه عن تساؤل ربما قفز إلى ذهن القارئ على مر صفحات الكتاب: هل يختلف ما وراء القصص القصيرة عن الرواية؟ فيجيب: «من المؤكد أنه يختلف فهو من البداية يحدد نفسه في قالب القصة القصيرة. إحساس عميق حقًا، وقد يكون أعمق في إلحاحه على الروح، لكنه كما يأتي يخرج بنفس السرعة. المسافة الزمنية بين ميلاده في الروح وبعثه على الورق أقل مما يحدث في الرواية طبعا. هذه تمشي معك حلما وكتابة لسنوات وسنوات» (ص309). تنوعت قصص عبد المجيد منذ أن كان عضوا في الحزب الشيوعي فكتب «الرغبة في الاختفاء»، و«حامل كتاب السحر» و«الطريق والنهر»، وفي باريس كتب «ليلة أنجيلا»، و«حكاية تيري»، ثم «الضربة القوية» وغيرها. وهو يعترف أيضًا بأنه كان على وشك كتابة أحلامه لكن سبقه إلى الفكرة نجيب محفوظ، وكان قد نشر ثلاثة منها فقط.
* ولد إبراهيم عبد المجيد في 2 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1946م بمدينة الإسكندرية، وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1973، ورحل في العام نفسه إلى القاهرة ليعمل في وزارة الثقافة، حيث تولى عددًا من المناصب الثقافية.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.