«العيون السود».. متلازمة الخوف والانكسار

«العيون السود».. متلازمة الخوف والانكسار

مجموعة قصصية للعراقي كريم عبد
الأحد - 23 رجب 1437 هـ - 01 مايو 2016 مـ
غلاف العيون السود

صدرت عن «دار شُبَّر» بلندن مجموعة قصصية جديدة تحمل عنوان «العيون السود» للقاص كريم عبد وهي الرابعة في تسلسلها بعد «الهواء يوشك على الوجوم»، «عزف عود بغدادي» و«خَرَزَة زرقاء». وكدأبه سابقا تميّزت هذه المجموعة بثيماتها الإنسانية، ولغتها الرشيقة المتوثبة، وأحداثها التراجيدية في الأعمّ الأغلب لكنها لا تضحّي ببعض المناخات الرومانسية التي تحيا لبعض الوقت ثم تنكفئ على نفسها بفعل الضغوط الاجتماعية والنفسية شديدة التعقيد.
تمتلك القصص القصيرة العشر ونوفيلا «ملاحقة الأشباح» المُلحقة بهذه المجموعة كل اشتراطات النجاح المُتعارف عليها من زمان ومكان وأحداث وشخصيات مُنتظمة في بنى وهياكل معمارية دقيقة لا تتيح للقارئ والناقد معًا أن يجد ثُغرة قد تقوده إلى خللٍ ما في نموّ الشخصيات، أو تطوّر الأحداث، أو تسارع الأنساق السردية التي تُفضي إلى نهايات مدروسة.
لا تخلو أي قصة من استغوار للشخصيات وكأنّ الراوي أو القاص نفسه يقوم بمهمة عالِم النفس الذي يبحث عن الأسباب والنتائج، ويتقصى الدوافع والمحفِّزات التي أفضت إلى هذا الحدث الجلل أو ذاك، ولا بد أن يضع أصبعه على الجرح في نهاية المطاف، ويضيّق من مساحة الشكوك والاحتمالات. ففي قصة «زيارة» يضعنا كريم عبد أمام شخصية الضيف الذي يخاف من الكلاب حتى وإن كانت ضئيلة الحجم ثم نفهم أنها عُقدة متأصلة فيه منذ الطفولة. وعلى الرغم من أنّ هذه العقدة تعْلق في ذهن القارئ كلحظة حاسمة في المسار السردي فإن انتحار الفنان التشكيلي لؤي كيالي سرعان ما يهيمن على الحبكة برمتها ليصبح الثيمة الرئيسة للقصة أو لسيناريو الفيلم القصير الذي ينهمك في كتابته بغية إخراجه لاحقًا. غير أن فعل الانتحار سيشكِّل البؤرة الدرامية الأساسية لهذه القصة، حيث يدفع القاص شخصيتيه المُتحاورَتين إلى البحث عن أسباب انتحار الضحية. يقول فاضل في هذا الصدد: «لا أظن أن هزيمة وحدها هي سبب انتحاره، الانتحار غالبًا ما يأتي نتيجة مأزق شخصي، وأكثر الظن نتيجة تصورات خاطئة وحساسية مفرطة من بعض الأمور» (ص11 - 12) من دون أن نهمل التباساته العاطفية والاجتماعية، وإدمانه على الكحول، وعدم شراء لوحاته في بلد مضطرب.
قد يأخذ استغوار الشخصيات شكل الغيبوبة والهذيان كما في قصة «في بيت قديم» حيث صَعق حمدان الشيخ موت زوجته في الفراش فأخذته الغيبوبة، وانتابه الهذيان الذي وضع أولاده الثلاثة وابنته الوحيدة في حيرة مُربكة وهو يردِّد أسماء نساء، ويتحدث عن خنجر يقطِّر دمًا. لقد طعن الضحية ثلاث طعنات في القلب والرابعة على الوجه وقتل معه كل جراد الحقد الذي كان يأكل قلبه. لعل السؤال الأهم في القصة هو: «هل هو الذي قتله حقًا أم أنّ رغبة بقتل الرجل كانت كامنة في داخل حمدان الشيخ وقد تلبست مشاعره حين سمع بمقتل الرجل!» (ص48). تعرّي هذه القصة جانبًا من الرغبة الكامنة في أعماق الشخصية الهاذية وتضع العائلة برمتها في المساحة الرمادية التي تترجّح بين الشك واليقين، كما أنها تحضّهم على التفكير، وأعمال الذهن، والتأمل في طويّة الوالد الذي يلاقي مصيره المحتوم في نهاية القصة.
في «دَفع المنصّات» وهو القسم الثالث من قصة «ضجيج البساتين» يُكلَّف صبيح العلوان بتنفيذ حُكم الإعدام بأربعة مجرمين «لأنهم سفلة ملحدون وزنادقة» (ص71)، فيضعنا القاص أمام شخصية تزداد اضطرابًا حينما تُبدّل وسيلة الإعدام من الرمي بالرصاص إلى الشنق حتى الموت، حيث يشاهد أربع أنشوطات معلّقة في الهواء. وعندما تتدلى رؤوسهم يظنّ صبيح أنه هو الذي دفع المنصات تحت أقدامهم، وأنهم سوف يقاضونه أمام الله فلا غرابة أن يسقط في الذهول. لم يكتفِ السارد بإضفاء هذه الصفة عليه خصوصًا بعد عودته من المستشفى الذي رقد فيه شهرين وعاد مُصابًا بالشرود الذهني، حيث صارت المشانق الأربعة تظهر له في كل مكان، وتتبعه في أوقات اليقظة والمنام.
تُسلِّط قصة «أيام بغداد 1973» الضوء على هاجس الخوف الذي انتاب العراقيين خلال الحقبتين اللتين هيمن فيهما البعث على السلطة في العراق، حيث نجحت أجهزته الأمنية في قمع الناس وبثّ الهلع في نفوسهم، إلى الدرجة التي باتوا يخافون فيها من ظلالهم. يمهد القاص كريم عبد بحرفية عالية لرصد الشخصية العراقية التي كانت خائفة ومذعورة ومُنتهَكة آنذاك، فحينما يغادر الراوي الحافلة وسط بغداد يترك حسين العبد الله واجمًا في صمته من دون أن يسلّم أحدهما على الآخر مع أنهما كانا صديقين حميمين في سجن «الحلّة»! انتبه الراوي إلى النظرة المحايدة لصديقه الغارق في الذهول وأرجعها إلى سببين رئيسيين وهما إمّا الخيبة وموت الأحلام، أو الخوف والحذر. ومع أن اليأس والخيبة والانكسار قد أصبحت متلازمات مرضية لصيقة بالإنسان العراقي، إلا أن هاجس الخوف والحذر كان أخطر من كل الظواهر المرضية التي أصابت الإنسان العراقي وجعلت منه إنسانا مشلولاً لا يقوى على الحركة. وعلى الرغم من دقة الراوي في تصوير هذه الأحاسيس والهواجس القابعة في أعماقه فإنه سوف يكون أول المشاركين في المظاهرة الاحتجاجية في تشييع أحد الرفاق الشيوعيين الذين ماتوا تحت التعذيب. وعلى الرغم من تماهي صوته الفردي بالصوت الجماعي للمتظاهرين المناهضين للسلطة القمعية التي تفتك بالناس، وتصادر حرياتهم الشخصية والعامة فإن الراوي سوف يتعاون مع ثلاثة آخرين لسرقة آلة طابعة من إحدى المدارس لطبع بيانات تعرّي جرائم الحرس القومي، لكن سرعان ما تم اكتشافهم بعد فشل المحاولة الانقلابية لحسن السريع وزجِّهم في السجون والمعتقلات العشوائية، حتى إن الراوي نفسه قد حُبس في حمّام روضة الأطفال الوحيدة في الديوانية، وتعرّض إلى ضرب وحشي مبرّح حتى سقط مغشيًا عليه من الألم والإعياء.
ثمة مصادفة لا تخلو من التقاطة فنية ذكية، فحينما يرى الراوي شخصًا يشبه حسين العبد الله وينظر إليه غير مرة ثم يعتذر له قائلاً: «أنت تشبه صديقي لدرجة كبيرة، سامحني، أنا آسف جدًا» (ص96)، ثم نكتشف لاحقًا أن هذا الشبيه هو شقيق حسين العبد الله الذي يكبره بثلاث سنوات، ومن خلاله سوف نعرف أنهم اعتقلوا حسين ثانية في نهاية 1970 وأخلوا سبيله قبل بضعة شهور، وهو يعيش في بغداد ويخضع لعلاج متواصل جرّاء التعذيب الذي تعرّض له في معتقل «قصر النهاية»، لأنه يعاني من الهستيريا والاضطراب تارة، ثم ينتابه الصمت والذهول تارة أخرى. آنذاك فقط يُدرك القارئ سبب نظرته المحايدة، وشروده الذهني المتواصل الذي كان يخيِّم عليه في اللحظة التي ترجّل فيها الراوي من الحافلة في «الشورجة» وسط بغداد.
لابد من الإشارة إلى الفضاءات الإنسانية التي تعيشها شخصيات بعض القصص الأخرى وخصوصا «العيون السود»، حيث تتسيّد عينا دودة قزّ كان الراوي قد نفضها من طرف بنطاله السفلي لتسقط متلوِّية على حذائه وهي تنظر إليه بعتبٍ شديد على قسوته وخشيته اللامبررة من هذا الكائن الجميل ذي العينين السوداويين الواسعتين اللتين لم يرَ مثل جمالهما من قبل. أما نهاية القصة فهي نموذج للشخصية العراقية الجذلة، إذا ما توفرت لها مقومات الحياة الكريمة التي تمجّد الكائن البشري وتسمح له بأن يمارس إنسانيته في فضاء يخلو من الحذر والترقب والخوف الأبدي.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة