الاقتصاد السوري إلى الهاوية.. بعد 5 سنوات من الصراع

خبراء قدروا الخسائر بأكثر من 690 مليار دولار.. والمعاناة مست كل جوانب الحياة

أحد مخيمات اللاجئين السوريين على الحدود بين اليونان ومقدونيا (أ.ف.ب)
أحد مخيمات اللاجئين السوريين على الحدود بين اليونان ومقدونيا (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد السوري إلى الهاوية.. بعد 5 سنوات من الصراع

أحد مخيمات اللاجئين السوريين على الحدود بين اليونان ومقدونيا (أ.ف.ب)
أحد مخيمات اللاجئين السوريين على الحدود بين اليونان ومقدونيا (أ.ف.ب)

على النقيض تمامًا من الوضع الراهن، شهد الاقتصاد السوري في سنوات ما قبل الحرب مرحلة من النمو الحقيقي المستقر في الفترة ما بين عامي 2006 و2010، بمتوسط معدل نمو بلغ 5 في المائة، وكانت تلك إحدى أعلى نسب النمو المسجلة في إقليم الشرق الأوسط آنذاك، وفقًا لبيانات البنك الدولي.
أدت الحرب في سوريا إلى نتائج مدمرة على كل من الاقتصاد والشعب السوري، يحتاج تعويضها إلى أعوام من البناء والتعمير، بالإضافة إلى تعويض الآثار النفسية بمقدار يوازي - إن لم يكن أكثر - تعويض الآثار المادية للحرب المستمرة منذ خمس سنوات ولم يكتب لها نهاية حتى الآن.
وقُدرت الخسائر الإجمالية المباشرة وغير المباشرة للحرب في سوريا بأكثر من 690 مليار دولار في حال توقف القتال خلال العام الحالي، وفقا لدراسة أجراها مركز «فرونتير إيكونومكس» الأسترالي للأبحاث والاستشارات، ويدخل في تقدير حجم الخسائر الفرص المحتملة الضائعة على الاقتصاد السوري في حال لم يحدث قتال في السنوات الماضية، بالإضافة إلى ما قد يضيع مستقبلاً، لأن التعافي قد يستغرق سنوات.
وتُعد تقديرات هذه الدراسة أكبر بنحو 140 ضعفًا من تقديرات الأمم المتحدة لخسائر الحرب في سوريا، بسبب إضافة تقديرات الفرص الضائعة على الاقتصاد والشعب السوري. وقدرت الدراسة وصول حجم الخسائر إلى 1.3 تريليون دولار في حال استمر القتال حتى عام 2020، واستغرق التعافي 15 عاما بعد ذلك.
وأكد المركز البحثي في دراسته أن خسائر الاقتصاد السوري المباشرة بعد خمس سنوات من الحرب الطاحنة بلغ نحو 275 مليار دولار، بجانب خسائر في معدلات النمو تقدر بنحو 4.5 مليار دولار شهريًا. وكذلك انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 45 في المائة بسبب الحرب وتسخير الموارد الاقتصادية لصالح المعارك.
* الليرة تهوي إلى عُشر سعرها مقابل الدولار
وفي ما يخص معدلات الصرف والاحتياطي النقدي لسوريا التي تستورد كثيرا من السلع من الخارج، أعلن البنك الدولي تدهور احتياطي المصرف المركزي السوري ووصوله لمعدلات بالغة الخطورة مع انهيار الصادرات السورية وانخفاض الإنتاج ومعدلات النمو، حيث تراجع الاحتياطي النقدي من 20 مليار دولار قبل الحرب، إلى نحو 700 مليون دولار خلال العام الحالي 2016، وفقا لتقرير للبنك الدولي بعنوان «مينا إيكونوميك مونيتور». ويعني هذا انخفاض الاحتياطي النقدي لسوريا بنحو 96 في المائة حاليًا مقارنة بما قبل بداية الحرب.
وأدى تدهور الاحتياطي إلى انخفاض العملة السورية مقابل الدولار بمقدار عشرة أضعاف تقريبا خلال خمس سنوات فقط؛ فقبل الحرب السورية وتحديدًا خلال شهر مارس (آذار) من عام 2011، كانت الليرة السورية محتفظة بقيمتها أمام الدولار الأميركي، وكان كل دولار يعادل 45 ليرة سورية، في حين بعد الأزمة وصل الدولار لمعدل 462 ليرة لكل دولار، بحسب سعر التداول الرسمي. وفي مثل هذه الظروف تنشط السوق السوداء ويتراوح السعر فيها بين 500 ليرة و510 ليرات.
وانخفاض الاحتياطي الأجنبي ومعدلات الصرف ينعكس بصورة مباشرة على الشعب السوري في شكل ارتفاع أسعار السلع في البلاد بشكل كبير، وبخاصة السلع المستوردة في بلد عطلت الحرب كثيرا من موارده المحلية المنتجة سواء الزراعية أو الصناعية.
* تأثر الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوري
أثرت الحرب على حجم الناتج المحلى الإجمالي في سوريا، الذي انخفض بنسبة 19 في المائة في عام 2015، ومن المتوقع أن يصل الانخفاض إلى 18 في المائة في عام 2016 وفق البنك الدولي. وصاحب ذلك ارتفاع في عجز الموازنة العامة للدولة من 12 في المائة خلال الفترة ما بين 2011 و2014، إلى 20 في المائة في 2015، ويتوقع أن يصل إلى 18 في المائة في 2016. ولإعادة الناتج المحلي الإجمالي إلى معدلاته السابقة قبل الحرب، فلا بد من تنفيذ استثمارات بنحو 178 مليار دولار، وهو ما قد يستغرق سنوات لتحقيقه؛ في حال وجدت بالأساس هذه الاستثمارات.
وهربت الاستثمارات الأجنبية من سوريا جراء الحرب، وقدرت بنحو 22 مليار دولار، وتراجعت الصادرات، وبخاصة الصادرات النفطية التي تشكل الجانب الأكبر من الصادرات السورية، وتراجعت العائدات النفطية من 4.7 مليار دولار في عام 2011، إلى 140 مليون دولار فقط، بنسبة تراجع وصلت إلى 97 في المائة، وذلك بعد فقدان الدولة غالبية آبار النفط لصالح الجماعات المتقاتلة معها.
* قطاع الزراعة الأكثر تضررًا
وكان قطاع الزراعة من أهم القطاعات الداعمة للاقتصاد السوري من حيث المساهمة في الناتج المحلى الإجمالي بعد قطاع النفط، ودعم الصادرات السورية وتوفير العملات الأجنبية. وقُدرت مساهمة قطاع الزراعة قبل الحرب بما بين 25 و30 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وحققت سوريا الاكتفاء الذاتي من محاصيل أساسية كالقمح، وكان يُصدر إلى الخارج قبل بداية الحرب.
وتضرر قطاع الزراعة بدرجة كبيرة بعد الحرب، لتضرر الأراضي والبنية التحتية الزراعية، ونقص المعدات والوقود، وصعوبة الوصول للأراضي الزراعية، وغياب الأمن، وهجرة كثير من العمالة. وأحدثت الحرب صدعا في النظام الحكومي الذي يوفر للمزارعين البذور ويشتري منهم المحاصيل، وهو ما عمق الأزمة، وترتب عليه استيراد سوريا المنتجات الزراعية الأساسية بعد الاكتفاء الذاتي والتصدير.
ويزداد النقص في المساحة المزروعة من القمح كل عام، وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وتعرضت البنية التحتية الزراعية للدمار، بما في ذلك قنوات الري ومخازن الغلال، ومنشآت التخزين التابعة لـ«مؤسسة الحبوب» الحكومية في أنحاء البلاد، ومن ثم لم توزع المؤسسة سوى 10 في المائة من كمية البذور التي يحتاجها الفلاحون لزراعة أراضيهم هذا الموسم، البالغة 450 ألف طن من البذور.
وبلغت المساحة المزروعة من السلع الأساسية كالقمح والشعير لموسم 2015 - 2016 نحو 2.16 مليون هكتار، انخفاضا من 2.38 مليون هكتار في الموسم السابق، و3.12 مليون هكتار في 2010 قبل اندلاع الحرب. وقدرت «الفاو» حجم العجز في القمح السوري في 2015 بنحو 800 ألف طن. بينما كانت سوريا قبل الصراع تستطيع إنتاج ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، منها 2.5 مليون طن تذهب إلى الدولة بينما يجري تصدير الفائض.
في السياق ذاته، يواجه المزارعون صعوبة في طرح وتوزيع إنتاجهم في السوق لغياب الأمن. وأدت الحرب إلى انخفاض عدد مراكز التجميع الحكومية إلى 22 مركزا في 2015 مقابل 31 مركزا في العام السابق 2014، ونحو 140 مركزا قبل اندلاع الحرب قبل 5 أعوام، وفقا لـ«المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب» الحكومية التي تدير تلك المراكز.
وأكدت «الفاو» أن انهيار النظام الزراعي في سوريا يعني أن البلاد قد تواجه صعوبة في توفير الغذاء لسكانها لسنوات كثيرة بعد انتهاء القتال، وأنها ستحتاج إلى قدر كبير من المساعدات الدولية.
ولم يكن مصير القطاعات الأخرى الداعمة للاقتصاد بأفضل حالاً من الزراعة، فقطاع الصناعة، وبخاصة الصناعات الاستخراجية، تضرر كثيرًا، وكان يمد الموازنة العامة بنحو ربع إيراداتها. بينما قطاع السياحة سقط حاليًا من المساهمة في الناتج المحلى الإجمالي بعد أن كان يساهم بنحو 5 في المائة.
كما طال الدمار أيضا البنية التحتية الأساسية اللازمة لمزاولة الأعمال وجذب الاستثمارات، وبلغت خسائر البنية التحتية 75 مليار دولار وفقا لـ«المركز السوري لأبحاث السياسات».
أما بالنسبة للإنسان، بصفته أهم عنصر من عناصر الاقتصاد ومن دونه لا تقوم قائمة لأي اقتصاد، فقد كانت للحرب في سوريا آثار خطيرة على البشر، فتم قتل وجرح الآلاف، وتشير تقديرات مختلفة إلى تخطي عدد القتلى السوريين 250 ألف إنسان، من إجمالي عدد سكان كان قوامه 22 مليونا قبل الحرب، بالإضافة إلى تشريد وهجرة ملايين السوريين من المناطق التي تشهد حروبًا إلى بلدان مجاورة أكثر أمانًا، وفقدان الاقتصاد كثيرا من الأيدي العاملة الماهرة التي هاجرت لبلاد أخرى انتفعت وستنتفع بمهاراتهم، مع معاناة الاقتصاد المحلي لسوريا في الوقت الراهن وفي المستقبل بعد انتهاء الحرب.



«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.