تامر.. قائد «الانقلاب البرازيلي الأبيض»

تامر.. قائد «الانقلاب البرازيلي الأبيض»

بانتظار تصويت 12 مايو..
السبت - 22 رجب 1437 هـ - 30 أبريل 2016 مـ

قبل أيام، شكل مجلس الشيوخ البرازيلي لجنة خاصة للنظر في إجراءات إقالة الرئيسة اليسارية ديلما روسيف، ووكل 21 سيناتورا بالمهمة، على أن تقدم هذه اللجنة في غضون 10 أيام، على الأكثر، توصية إلى مجلس النواب لكي يصوت في جلسة علنية على ما إذا كان سيقرر المضي قدما في إقالة الرئيسة، أو أن يصرف النظر عن هذه القضية. ويرجح أن يعقد مجلس الشيوخ جلسة التصويت هذه في 12 مايو (أيار) وأن تصوت الغالبية (41 صوتا من أصل 81) لمحاكمة روسيف بتهمة ارتكاب «جريمة مسؤولية»، ومن ثم، لإبعادها عن السلطة لمدة أقصاها 6 أشهر بانتظار صدور الحكم النهائي، وبالتالي، يتولى نائب الرئيسة – المتمرد عليها حاليا –ميشال تامر رئاسة البلاد حتى عام 2018.. وهو موعد الانتخابات الرئاسية في البرازيل.
يسير المحامي السبعيني، اللبناني الأصل، ميشال تامر بخطوات ثابتة وبكثير من الثقة لتبوء منصب رئيس البرازيل خلال الأسابيع المقبلة. الأمر يبدو شبه محسوم بعد إعلان 46 عضوا في مجلس الشيوخ البرازيلي، المكون من 81 عضوا (سيناتورا)، اعتزامهم التصويت لصالح مقترح مجلس النواب بمحاكمة الرئيسة الحالية للبلاد ديلما روسيف المتهمة بالتورط في قضايا فساد.
تامر، رئيس «حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية» الوسطية المعروف اسمها اختصارا بـPMDB، والرجل الذي ترأس مجلس النواب البرازيلي لـ3 دورات على التوالي، وتبوأ منصب نائب رئيس البلاد لـ3 مرات، يقود - حسب خصومه السياسيين – «انقلابا أبيض» ظهرت أولى ملامحه في عام 2015 حين أصدر تقريرا بعنوان «جسر نحو المستقبل»، انتقد عبره الفساد في الحكومة البرازيلية، ممهدا لإعلان انسحاب حزبه من ائتلاف دعم الحكومة في مارس (آذار) 2016. ومن هذه النقطة بدأت رحلة إسقاط روسيف التي اتهمت تامر بقيادة الانقلاب ضدها، وبأنه أوعز للمعارضة بأنه على استعداد لتولي المنصب مكانها.
اليوم يمتلئ الطريق الذي يؤدي إلى مقر إقامة تامر بعشرات الملصقات التي تتهمه بقيادة «الانقلاب» في البلاد، وبالفعل شهد محيط القصر كثيرا من المظاهرات التي رفعت شعارات «داعية الانقلاب» و«المتآمر». إلا أن نائب الرئيسة البرازيلية الحالية يقول: إن هذه الأوصاف «ظالمة»، وشدد في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» التلفزيونية الأميركية أجريت معه مطلع الأسبوع على «أن ما يجري في البرازيل ليس انقلابا أو محاولة لانتهاك الدستور... بل إن 62 في المائة من البرازيليين يؤيدون إقالة روسيف».
* خطة إنقاذ
ولقد أعد تامر، الذي وصفته «سي إن إن» بـ«المفاوض البارع»، – كما يقول – «خطة إنقاذ»، علما بأنه وفي تحدٍ علني لروسيف واصل سلسلة مشاورات مع عدد من السياسيين والاقتصاديين في إطار ترشيحات تشكيل حكومة جديدة يترأسها حال إتمام إجراءات عزل الرئيسة الحالية في مجلس الشيوخ المقررة في النصف الأول من مايو.
وعن «خطته الإنقاذية» يقول تامر «ما أقترحه هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني، تجمع كل الفرقاء بمن فيهم المعارضون، بوصف أن هذا هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة». ويوضح أن هدفه سيكون، بدعم من القوى السياسية في البلاد: «تشكيل مجلس وزراء جيد لتقديم المشورة لي وضمان الإدارة الحكومية، ولمساعدة الاقتصاد على التعافي ووضع البلاد على المسار الصحيح، تحضيرا لانتخابات سلسة في عام 2018».
في المقابل، يقول ألفونسو فلورانس، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب العمالي اليساري في مجلس النواب البرازيلي، منتقدا «من المدهش أن يتبنى حقوقي متخصص في القانون الدستوري كميشال تامر موقفا انقلابيا علنا»، مكررا حجج المعسكر الرئاسي الذي انتقد «محاولة الانقلاب» على المؤسسات.
من جهة ثانية، يواجه «الرئيس المقبل» للبرازيل هو أيضا تهم فساد، هي نفسها التهم التي ستحاكم من أجلها روسيف، إلا أنه ليس قيد التحقيق كعشرات السياسيين الآخرين؛ لأن الإحصاءات تشير إلى مواجهة 60 في المائة من المشرعين البرازيليين تهما من هذا النوع. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس البرازيلي السابق فرناندو كولو كان قد حوكم برلمانيا وعزل قبل أن يكمل عامه الثالث في الحكم عام 1992. ويخشى مراقبون الآن من أن يصبح الأمر تقليدا في المشهد السياسي البرازيلي؛ ما سيشكل خطرا حقيقيا على النظام الديمقراطي الفتي في البلاد. ويذكر أنه تفاقمت مشاكل البرازيل أخيرا بارتفاع عجز الميزانية الاتحادية ونسب البطالة والتضخم، مقابل انخفاض نسب النمو الاقتصادي والصادرات، وفقدان العملة الوطنية خلال الفترة الأخيرة ثلث قيمتها تقريبا بالمقارنة مع الدولار.
* الأصل اللبناني
تامر، الذي سيكون عليه مواجهة كل التحديات العاصفة في البرازيل، كما سبقت الإشارة، من أصل لبناني، ولقد وُلد ميشال ميغيل إلياس تامر لوليا (المشهور بميشال تامر) يوم 23 سبتمبر (أيلول) عام 1940 في مدينة تيتيي قرب مدينة ساو باولو كبرى مدن البرازيل، لأبوين لبنانيين هاجرا إلى البرازيل من قرية بتعبورة، في قضاء الكورة بشمال لبنان.
والمفارقة مع تامر أنه بينما يعجز لبنان منذ مايو 2014 عن انتخاب رئيس للجمهورية في ظل الأزمة السياسية المتحكمة بالبلاد، يتطلع بفخر لاقتراب أحد أبنائه من رئاسة خامس أكبر دولة من حيث المساحة وعدد السكان في العالم. ولقد أكمل أهل بلدة بتعبورة تحضيراتهم للاحتفال بالمناسبة، فأعدوا أقواس النصر لرفعها فور إعلان انتقاله إلى القصر الرئاسي في العاصمة البرازيلية برازيليا، بل أنشئت حديقة عامة ستحمل اسمه سيصار إلى افتتاحها قريبا تُضاف للشارع الذي يحمل اسمه وللنصب التذكاري لأبيه الذي يتوسط أحد شوارع البلدة.
ميشال تامر واحد من نحو 7 ملايين مغترب لبناني أو متحدر من أصل لبناني يعيشون في البرازيل، لكنه من القلائل الذين حظوا بفرصة الحصول على الجنسية اللبنانية التي منحه إياها الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان خلال آخر زيارة قام بها إلى بلده الأم في عام 2011 بعدما كان زار لبنان لأول مرة في عام 1997 بصفته رئيسا لمجلس النواب البرازيلي. ويومذاك كلفته الرئيسة روسيف بقيادة مساعي النهوض بالعلاقات بين البرازيل والعالم العربي، خصوصا في المجال الاقتصادي، فزار لتحقيق هذا الهدف بلدانا عربية عدة، من بينها لبنان وقطر وسلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة.
وكما يروي أهالي بلدة بتعبورة ورئيس بلديتها بسام بربر لـ«الشرق الأوسط»، فقد هاجر نخلة تامر، والد ميشال تامر، في أواخر 1925 إلى البرازيل حيث كان يقيم شقيقه، تاركا زوجته كاترين وأم أولاده الثلاثة، التي لحقته وأولادها بعد 3 سنوات وفي البرازيل ولد له 5 أبناء آخرين، أصغرهم ميشال تامر، ولم يبق حيا منهم إلا هو و3 أشقاء.
* سيرة شخصية
درس تامر، بعد إنهائه مرحلة التعليم الثانوي، في كلية القانون بجامعة ساو باولو وحصل منها عام 1963 على شهادة الإجازة في الحقوق، ثم نال الدكتوراه من الجامعة الكاثوليكية في ساو باولو. وعلى صعيد عائلته، فإن نائب الرئيسة البرازيلي الطموح و«المحظوظ» – كما يردد معارضوه – جدّ لـ5 أحفاد وأب لثلاث بنات وابنين، أصغرهم عمره 7 سنوات. وهو الوحيد من زوجته الحالية مارسيليا تيديسكي، ملكة جمال البرازيل السابقة، التي اقترن بها في عام 2003 وتصغره بأكثر من 42 سنة.
وكانت زوجة تامر الشابة قد رافقته في زيارته الأخيرة إلى لبنان للاحتفال بعيد الاستقلال اللبناني، بينما رافقه في الزيارة الأولى اثنان من 3 أشقاء ولدوا في بتعبورة. وكما يروي بعض من رافقوا تامر في زيارته لقريته، فإنه زار بيت جدّه وقبّل أحجاره وبكى من فرحته، واعدا أهل بتعبورة بمشاريع إنمائية، ولا سيما أنها تعاني بعض الإهمال، وغالبية أهلها مهاجرون إلى الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين.
من ناحية أخرى، يرى الصحافي البرازيلي فيتور عبد الله، وهو بدوره يتحدّر من أصول لبنانية، أن الجالية اللبنانية في البرازيل «لا تبدو متحمسة كثيرا لرئاسة ميشال تامر كما هي حال اللبنانيين في بلده الأم، بصفتها ليست موحّدة خلفه تماما؛ فهي جالية تنقسم بانقسام المجتمع البرازيلي الناقم على كل الطبقة السياسية الحاكمة». ويشير عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هناك من يعتقد أن الحزب الذي تنتمي إليه الرئيسة البرازيلية الحالية هو السبب الرئيسي للفساد الذي ترزح تحته البلاد، وبأنه يعمل لتحويل البرازيل إلى ديكتاتورية شيوعية، وفي حين يتطلع آخرون لحكم عسكري للبلاد باستعادة للديكتاتورية العسكرية التي حكمت «بلاد السامبا» بين عامي 1964 و1985. يطالب قسم لا بأس به من البرازيليين بانتخابات مبكرة تنتج رئيسا وسلطة جديدة».
* صفقة مع اليمين
على أي حال، اشتهر تامر بالدهاء السياسي وقدرته البراغماتية على قراءة المراحل السياسية لاتخاذ مواقفه، ومن ذلك ما يوصف في وسائل الإعلام الدولية بـ«انقلابه» على حليفه في السلطة حزب العمال الحاكم منذ عام 2003 (بقيادة ديلما روسيف) من أجل تولي رئاسة البلاد. ويتهم في هذا الصدد بإبرام توافقات مع المعارضة ممثلة في «الحزب الديمقراطي اليميني»، بعد التحقيقات التي بدأتها الشرطة على وقع اتهامات لروسيف ومقربيها بالفساد المالي، خصوصا، في قضية مرتبطة بشركة النفط الوطنية «بتروبراس». كذلك يوصف تامر بأن له وزنا وقدرات سياسية كبيرة في البلاد؛ ما جعل وسائل الإعلام تقول إنه «يمارس دور رئيس الحكومة» من دون أن يحتاج إلى تولي المنصب رسميا.
وللعلم، وضع تامر 4 كتب في القانون، من بينها «الدستور والسياسة» الذي سجل مبيعات كبيرة، كما نظم 130 قصيدة شعرية من المتوقع إصدارها في ديوان شعري. كذلك حصل «الرئيس البرازيلي المقبل» على أوسمة عالمية عدة، من بينها وسام «الأمير هنري» من البرتغال، ووسام «جوقة الشرف» من فرنسا، ووسام «الأرْز الوطني» من بلده الأم لبنان.
وعلى المستوى الشخصي، يتصف تامر بـ«الجدية والرصانة»، وهو وفق وسائل الإعلام البرازيلية «كبير المخططين في البرلمان»، لكنه يفتقر تماما إلى الهيبة التي يتمتع بها كبار زعماء أميركا الجنوبية. وسبق لتامر أن قال في حديث لمجلة «بياو» عام 2010 «يُقال: إن عليّ تغيير أسلوبي بسبب الجدية والرصانة»، وأضاف: «لكن كيف أفعل ذلك؟ إنني أغبط أولئك الذين يمزحون ويجيدون المزاح. أنا شخصيا لا أجيد ذلك. وإذا حاولت أن أفعل ذلك سأفشل فشلا ذريعا».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة