عراق نوري المالكي.. زمن الخطايا الكبرى

ورث عن صدام ديكتاتوريته وأسوأ أيامه.. وأضاف الطائفية والفوضى (1)

نوري المالكي
نوري المالكي
TT

عراق نوري المالكي.. زمن الخطايا الكبرى

نوري المالكي
نوري المالكي

صعد نوري كامل المالكي إلى سدة رئاسة الوزراء في العراق، في غفلة مِن الزمن، على حد تعبير راج بين سياسيين عراقيين عدة. ولم يكن شغله هذا المنصب قد جرى وفق تخطيط مسبق، أو نتيجة لميزات خاصة يتمتع بها، جعلته أفضل من يتولى هذا المنصب، أو الأكثر كفاءة بين السياسيين المتنافسين على الحكم في تلك الفترة، التي أعقبت سقوط النظام العراقي السابق على أيدي الأميركيين.
قصة المالكي بدأت منذ اختار الائتلاف الوطني، أو التكتل الشيعي، أن تكون رئاسة الوزراء من نصيب حزب الدعوة الإسلامية، وهو الحزب الأقل عددا وقوة، بين الأحزاب والتنظيمات العراقية السياسية الأخرى. فقد عاش كوادر هذا الحزب فترة طويلة خارج العراق، وعادوا إليه في أعقاب الاحتلال الأميركي، في وقت كان تعداد من كان منهم في الداخل، لا يتعدى العشرات. ولم يكن في حسبان بقية الائتلاف الشيعي أن ينفرد نوري المالكي بالسلطة، مثلما حصل في ولايته الثانية؛ فقد حل المالكي محل إبراهيم الجعفري، الذي رفضته القوى الكردية وبقية القوى السياسية الأخرى، ولم يتمكن من إدارة الملفات الساخنة. وكان الأخير متمسكا بمنصبه، لكن إشارة من الأميركيين، وكان لهم الكلمة العليا، قضت بأن يخرج الجعفري من الحكم في إطار اتفاق يحل نوري المالكي بموجبه في مكانه. وهكذا تمكن المالكي من إزاحة الجعفري سريعا، من قيادة حزب الدعوة، وتولى الأمر مكانه، وجمع إلى قيادة الحزب رئاسته للوزراء.

ولد نوري المالكي في مدينة طويريج، التابعة لمحافظة بابل العام 1950. وحسب سيرته الرسمية، فقد حصل على شهادة من كلية أصول الدين، وماجستير من جامعة صلاح الدين في أربيل، في تسعينات القرن الماضي. وقد أشرف على أطروحته، السياسي الكردي المعروف فؤاد معصوم. وقد طبع أطروحته بعد ذلك، ونشرها في كتاب. كان المالكي، وقتها، في صفوف المعارضة العراقية، أما قبل ذلك، فقد كان عضوا في حزب الدعوة الإسلامية، لكنه لم يكن معروفا، حينذاك، على مستوى قيادة الحزب. وسبق للمالكي أن تحدث إلى إحدى القنوات الفضائية عن تلك الفترة، وعلى الرغم من ذلك، لم يتعرض للملاحقة أو الاعتقال من قبل أجهزة الأمن العراقية في زمن صدام حسين، وتمكن من مغادرة العراق مثل مئات آخرين، سواء من عناصر القوى اليسارية أو الدينية.
غادر المالكي العراق إلى سوريا أولا، ثم إلى إيران حيث أقام فترة من الزمن. وبعد نشوب خلافات مع المجلس الأعلى، سلم حزب الدعوة معسكر الصدر، وكان من فيه يقاتلون الجيش الإيراني ضد جيش بلادهم العراقي. وخضع أفراد هذا المعسكر لإمرة الجيش الثوري الإيراني. وكان المالكي وجماعة من أعضاء حزب الدعوة، قد تدربوا عسكريا على يد ضباط من قوات «سرايا الدفاع» السورية التي كان يقودها رفعت الأسد، شقيق الراحل حافظ الأسد، حيث انتقلوا، بعد ذلك، إلى إيران للاشتراك في عمليات عسكرية، وعمليات تفجير ضد النظام العراقي السابق.

* من جواد إلى نوري
* مما نُسب إلى حزب الدعوة، أثناء وجود نوري المالكي في سوريا، تفجير السفارة العراقية في بيروت (1981)، الذي راح ضحيته أكثر من 60 شخصا، منهم الصحافية العراقية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر السوري نزار قباني. حينها كان نوري المالكي يدعى جواد المالكي، وظل يتعامل باسمه القديم ذلك، إلى أن أصبح رئيسا للوزراء في أول مايو (أيار) 2006.
عاش جواد المالكي في سوريا، أكثر من 20 عاما، كان خلالها، مسؤولا عن نشرة صحافية حزبية شهرية، يصدرها حزب الدعوة الذي ينتمي إليه. وكان الحزب، حينها، يتعامل مع المخابرات السورية، مقابل عدد من الامتيازات، منها استخدام الطريق العسكري بين دمشق وبيروت، والقيام بنشاط معارض للنظام العراقي السابق.
كل من عرف نوري المالكي في تلك الفترة، تحدث عن جواد المالكي، الإنسان البسيط الذي يتحاشى خوض النقاشات السياسية أو الفكرية، ويرتدي الدشداشة بشكل دائم، ويقيم في حي الست زينب. ولم يكن أحد يتصور، بعد سقوط صدام حسين ونظامه، أن يتجاوز المالكي مكانته كمدير في التربية والتعليم، وهذا ما كان يقوله هو حتى بعد عودته إلى العراق.
كان مكتب حزب الدعوة في حي الست زينب، يعمل، في ثمانينات القرن الماضي، في إطار إقامة التعازي الدينية. فالحي كان يعج بالحسينيات ومكاتب الأحزاب الدينية الشيعية العراقية. وكان يستخدم الطريق العسكرية إلى لبنان، وما توفره من نقل وتهريب بضائع للسوق السوداء، بما يسميه العراقيون «القجق»، وكان هذا جزءا من توفير دخل للحزب من أجل نفقاته.
لم يبرز جواد المالكي كمتحدث أو مفاوض حزبي، إلى درجة أن وجوها في المعارضة السابقة، لم تسمع باسم الرجل، ولم يترك في أذهانها ذكرى أو صداقة ما، حتى إن الحزب، حاول في الثمانينات، إبراز بعض الشخصيات، التي تتصدى للعمل التنظيمي، فجرى الاتفاق أن تعقد لقاءات مع بعض الأشخاص في صحافته. ولما طُلب من جواد المالكي إجراء لقاء معه، يتناول الأوضاع السياسية في العراق، اعتذر قائلا بالحرف الواحد: «ليس لي في السياسة والفكر من كلام».. وبالفعل، كان ذلك تعبيرا واقعيا عن مستواه وعلاقته بالسياسة والفكر.
حظي الإسلاميون العراقيون برضا الحكومة السورية، وكانوا على علاقة ببعض أجهزتها وخصوصا المخابرات. وهناك كثير من القصص التي تروى في هذا الإطار، ومنها العمل في داخل سوريا أو داخل لبنان.
بعد خرجه من العراق، عاش جواد المالكي في سوريا حتى 1982. وبعد انتهاء فترة تدريبه العسكري على يد سرايا الدفاع، رحل المالكي إلى إيران. ثم عاد لعيش في سوريا مسؤولا في مقر حزب الدعوة، مع شخص آخر، عمل في الكويت، قبل ذلك، لحاما (جزارا)، ظل بصحبة المالكي، ويعمل في توزيع الشاي داخل مكتب الحزب. بعد أن تولى المالكي رئاسة الوزراء، سُلّم الرجل مهمة إدارة مكتبه، وكأن العراق خلا ممن يدير مكتب رئاسة الوزراء، ولم يتبق من خيارات سوى شخص عمل في مكتب الحزب، قبل ذلك، موزعا للشاي.
ظل جواد المالكي طيلة فترة وجوده في سوريا، متواريا عن الأنظار، لا يطلق تصريحا، ولا يقود نشاطا، حتى في إطار مؤتمرات المعارضة العراقية التي راحت تُعقد، بعد حرب الكويت بانتظام، ومن دون أن يصاحبها ضجيج إعلامي، أو ترفع خلالها صورة للمالكي أو يُبَث صوته. لهذا عندما تسلم المالكي حقيبة رئاسة للوزراء، ظل أسير علاقاته السابقة، ولم يتمكن من فك أسره منها ومن كل ما أحاط به وأثّر في شخصيته. كان لم يزل يعيش بعقلية رجل المعارضة، ويعاني من ظروف المعارضة فعلا. تدريجيا، اجتمع الرفاق السابقون حول المالكي، وكان أغلبهم ممن قضى حياته في إيران، والتقى الأصهار والأبناء. ظل الحزب في تلك الفترة، وبوجود جواد المالكي في قيادته في سوريا، يقوم بمهمات يعدّها المالكي وحزبه جهادا، بينما لم تكن في حقيقتها سوى محاولات اغتيال، وعمليات تفجير وتخريب، استفادت منها إيران في حربها مع العراق. وهي مهمات ما كان مكتب حزب الدعوة قادرا على القيام بها، لولا تنسيقه مع مخابرات النظام السوري.
كان تبادل العنف بين النظامين العراقي والسوري على أشده في تلك الفترة. وإذا كان بعض إسلاميي سوريا، كالإخوان المسلمين، قد جرى استغلالهم من قبل نظام البعث العراقي ضد بلادهم، فقد استخدمت سوريا بدورها، القوى الدينية العراقية ضد بلدها أيضا. وقد نفذ عدد من التفجيرات في بغداد، يتحمل حزب الدعوة ومكتبه في دمشق المسؤولية عن بعضها. وهو لم يتردد، على أي حال، في عدّها عمليات «جهادية».
في تلك الأيام، التي واكبت الحرب العراقية - الإيرانية، لم يكن جواد المالكي أكثر من أداة لتنفيذ ما تريده دمشق وطهران من أعمال تخريب. وهو نفسه نوري المالكي، الذي صار رئيسا للوزراء، وقدّم نفسه في وسائل الإعلام، كشخص آخر. فقد سجل حلقات عن حياته «الجهادية»، ذكر فيها العراقيين، بما كان يفعله صدام حسين. وتحدث عن نفسه، بوصفه قاهر الديكتاتور والديكتاتورية، بينما كان أبسط عراقي وقف ضد نظام صدام حسين، قد تعرض لأضعاف ما تعرض له نوري المالكي، ناهيك عن أنه لم يُعتقل أصلا، ولم يجر معه أي تحقيق. وأن أقصى ما جرى بالنسبة له، هو تحريات من قبل أجهزة الأمن، للاشتباه به، أبلغه بها بعثي سابق. ثم قرر الخروج من العراق بعد أن أصدر النظام السابق حكما بالإعدام على كل من ينتمي إلى حزب الدعوة، في أعقاب تفجير الجامعة المستنصرية في أبريل (نيسان) 1980.
أقام جواد المالكي أكثر من 20 عاما في حي الست زينب، في منطقة معروفة بين العراقيين بالحجيرة. وكان يتردد خلالها على الحسينيات المنتشرة هناك من حين إلى آخر، وكذلك على محل للتصوير الفوتوغرافي يملكه عراقي، حيث كان يقضي عنده فترة الصباح. وهناك فكر في القيام بعمل ما، وخصوصا في الفترة الأخيرة التي سبقت سقوط نظام صدام حسين. ففي تلك الفترة، حدث تقارب بين النظامين السوري والعراقي، وأخذ العراقيون من داخل العراق، يتوافدون على سوريا، بعد فتح الحدود التي ظلت مغلقة طوال ثمانينات القرن السابق وتسعيناته. كذلك أخذت العلاقات بين إيران والعراق في التحسن نسبيا، ودشنت بزيارات رسمية بُعيد احتلال الكويت.
فكر المالكي في أن يفتتح مخبزا، لكن سقوط النظام العراقي المفاجئ، قدم فرصة تاريخية له، إذ عطل مشروعه لصالح التغير الكبير الذي سيطرأ على حياته لاحقا.
وخلال سنوات وجوده في الخارج، لم يتمكن المالكي من تحقيق تقدم مرموق على المستوى الدراسي، ولم يستفد حتى من تلك الفترة. فقد ظل أسير العمل الحزبي المغلق والعقلية المتحجرة، وانغلق على تدينه ومذهبه أيضا، مثل جميع من كانوا حوله. نقول هذا، كي نفهم العقلية الغريبة التي تقود الوضع الحالي في العراق. وهي عقلية لا تتجاوز عقلية منطقة الحجيرة وحسينياتها. فموزع الشاي في مكتب الحزب - الجزار السابق في الكويت - تبلغ قيمة أملاكه اليوم، مئات ملايين الدولارات، التي جمعها خلال وجوده إلى جانب نوري المالكي، الذي صار رئيسا لوزراء بلد غني مثل العراق.

* الشرنقة الإيرانية
* كان العمل الحزبي في سوريا مرتبطا بالمخابرات السورية، كما أسلفنا، وكذلك بالعيش على الخصومة بين النظامين البعثيين في سوريا والعراق. وحزب الدعوة الإسلامية، الذي تأسس على أساس عقيدة الإخوان المسلمين السياسية، تقهقر إثر الضربات التي تلقاها من قبل النظام السابق، مما حوله إلى حزب مكاتب، لم يجد قائدا بارزا فيه. وقد رافقت مسيرته الانشقاقات والانقسامات. وتفرع إلى مؤمنين بولاية الفقيه، وهؤلاء ظلوا يعيشون داخل إيران، ومَن ابتعد بعض الشيء عنهم، وهؤلاء توزعوا بين سوريا ودول الشتات الأوروبي.
ليس معيبا أن يعيش المالكي في منطقة فقيرة كمنطقة الحجيرة في سوريا، أو أن يجلس صباحا، على حجر أمام دكان المصور العراقي هناك، يحتسي الشاي، أو يلبس دشداشة وينتعل صندلا طوال يومه، ويعيش الضنك، فهذا لا يعيب الرجل. لكن ما يعيب المالكي فعلا، هو ممارساته ومواقفه السلبية، منذ تسلم منصبه في رئاسة الوزراء. فعلى الرغم من هذه الحياة التي عاشها قبل ذلك، والتي يُفترض أن تجعل منه إنسانا سويا، يتحسس هموم شعبه ويشعر بمعاناته وحاجاته، عمل منذ اليوم الأول، من أجل البقاء في منصبه. ولأجل ذلك، حارب الآخرين، وأخذ يجمع حوله الأقارب والأصهار، ويدير ظهره لمن كانوا معه وشاركوه العمل في موقع واحد. ولم يستطع الخروج من الشرنقة الإيرانية، وظل أسير عقليته من زمن المعارضة، العقلية التي لم يغادرها حتى اليوم.
كان جواد المالكي وبقية أعضاء حزبه ضد الاحتلال الأميركي للعراق. وكانت إيران تسعى لأن يبقى العراق ضعيفا، كما كان في سنوات الحصار الأميركي له. فاستنزاف قوته في الحروب يعد بالنسبة لها أفضل كثيرا من مجيء الجيش الأميركي - أي الشيطان الأكبر، كما تطلق إيران على أميركا - والاستقرار على مقربة من حدودها. في هذا لم يخرج جواد المالكي وحزبه عن الرأي، وكانوا يتحدثون ضد اجتياح الأميركيين. وقد استمروا على هذا الموقف وحتى قُبيل سقوط نظام صدام حسين بقليل. وقد أصدر فرعهم في إيران، ممثلا بعلي الأديب، ويشغل اليوم منصب وزير التعليم العالي، بيانا يهاجم فيه مؤتمر لندن الذي عُقد في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2002.
ومن المثير للاستغراب فعلا، أن يتحول حزب الدعوة الإسلامية الذي أشبع العراقيين زعيقا، إلى أول المستغلين للاجتياح الأميركي للعراق، والمستفيد الأكبر منه. وقد ذكر بول بريمر، في كتابه «عام قضيته في العراق»، الشخصيات السياسية التي تعايش معها. لكنه لم يذكر شيئا، لا من قريب ولا من بعيد، عن جواد المالكي أو نوري. فقد كان إبراهيم الجعفري، هو الرجل البارز بين زعامات حزب الدعوة. وقد حلّ المالكي مكانه في منصبيه الرسمي والحكومي. بمعنى أن المالكي كان في الظل تماما. ولا يعني هذا أن من كان في الظل لا مكان له، أو أنه لا يلعب دورا ما. لكن الحقيقة هي أن المالكي، لم يكن سوى ظلا لإبراهيم الجعفري بالفعل. فهو، كشخص، لا يتمتع بأي طموح يتجاوز إدارة دائرة تربية وتعليم في منطقته، وقد ظل يعيش حتى بعد عودته إلى العراق، باسمه الحركي لأكثر من عام.
عندما سقط النظام، لم يكن من السهل على جواد المالكي تأمين سيارة تنقله إلى بغداد، فذهب إلى أربيل حيث وفر له مسعود بارزاني ولجماعته واسطة نقل. وهناك تأسست الجمعية الوطنية بوجود بول بريمر، وترأسها عضو الاتحاد الوطني الكردستاني ورئيس الكتلة الكردستانية في البرلمان العراقي حاليا. وفجأة ظهر شخص يدعى جواد المالكي، كأحد نوابه في رئاسة الجمعية. غير أنه لم يطلق أي تصريح، أو يعبر عن أي موقف في تلك الفترة، على الرغم من أن بقية أعضاء الجمعية كانوا يظهرون في وسائل الإعلام بنشاط، باستثناء مرة واحد بعد انتهاء أحد اجتماعات الجمعية، حين ظهر شخص غير معروف ليقول: «حضروا بوسترات لكم» (يقصد ملصقات نعي)، معلقا على العمليات الإرهابية التي بدأت تشن آنذاك، حين جرى تفجير مقر الأمم المتحدة، وقتل السيد محمد باقر الحكيم ومعه نحو مائة.
لم يلفت المالكي النظر خلال ظهوره ذاك، مثل بقية السياسيين في مجلس الحكم أو بين معارضي الاحتلال الأميركي. يومها غطى مقتدى الصدر على المشهد تماما، إلى درجة أنه بدأ في تشكيل وزارة لإدارة العراق بخلاف ما شكله الأميركيون في بداية الأمر، كتوأم مع مجلس الحكم. ومن يقرأ كتاب بريمر وما كتب في تلك الفترة، يمكنه أن يتأكد من دور حزب الدعوة الإسلامية ووقوفه إلى جانب الأميركيين، إلى درجة أن أوساطهم تحدثت إليهم في موضوع اعتقال مقتدى الصدر الذي عدّوه عقبة في طريقهم.
بعد رئاسة إياد علاوي لمجلس الوزراء، التي استمرت بضعة أشهر، كحكومة مؤقتة، جاء دور الحكومة الانتقالية، واختلفت الأحزاب والجماعات الشيعية حول منصب رئيس الوزراء. كان أحمد الجلبي، أحد المرشحين للمنصب، باعتباره «صاحب خبرة في الاقتصاد والإدارة»، ويتحدر من عائلة وزراء إبان العهد الملكي، وخريج جامعة راقية. لكن للإيرانيين رأيا آخر وحسابات أخرى، دفعت باتجاه أن يتولى منصب رئاسة الوزراء شخصية إسلامية، والجلبي ليس إسلاميا على الرغم من تقاربه مع إيران آنذاك. وفي لحظات الاختيار بين الجلبي والجعفري، اتصل سفير إيران السابق لدى العراق حسن كاظمي قمي، مبديا اعتراضه على الجلبي، قائلا له: «أنت لست إسلاميا». وبهذا صار إبراهيم الجعفري رئيسا للوزراء، بعد أن شغل نيابة رئاسة الجمهورية عندما كان غازي مشعل الياور رئيسا، وإياد علاوي رئيسا للوزراء.
ولم تمضِ سوى أشهر، حتى جمع إبراهيم الجعفري حوله من هم من حزب الدعوة ومن له صلة سابقة به، واعتمد على شخصيات لا تتمتع بالخبرة في مجال الإدارة. ودبت الخلافات حوله داخل الكتل السياسية. فقد ظهر أن الرجل غير مؤهل لمنصبه. فقد انشغل في تدبيج الخطابات المطولة، التي صار العراقيون يتندرون بها. ولما أجريت الانتخابات الأولى (2005)، حاول إبراهيم الجعفري الاحتفاظ بمنصبه، لكنه فشل في تأمين دعم المرجعية الدينية له، وكذلك الجانب الأميركي. وانتهت الأزمة بأن حل جواد المالكي محل الجعفري. حدث هذا في مايو (أيار) 2006، حين تخلى الجعفري عن موقعه، مقابل ضمانات شخصية للبقاء في القصر الذي يسكنه الآن، وهو من القصور الرئاسية.

* وعود كاذبة
* في تلك اللحظة، قدم جواد المالكي نفسه باسمه الصريح؛ نوري كامل المالكي، وتعهد بأن تكون المصالحة الوطنية في مقدم مهامه، وتكفل بالقضاء على الإرهاب، ووضع حد للفساد المالي والإداري، واحترام الديمقراطية، والتعامل مع أبناء الشعب العراقي بمستوى واحد. وتلقف العراقيون وعود المالكي، رئيس الوزراء الجديد، بكثير من الأمل. صحيح أنهم لم يكونوا قد تعرفوا عليه باسمه أو رأوا صورا له، لكنهم شعروا بأنه مجيئه سيكون حلا لمشكلة، هي تقاسم السلطات على أساس المحاصصة. في ذلك الوقت، ظهر نوري المالكي في ثوب العازف عن السلطة، غير المتطلع إليها بأي حال، بل وتلبّس ثوب الزاهدين بالحكم. لكن مجريات الأمور بعد ذلك، بيّنت العكس تماما. ففي السنوات الأولى من حكمه، أخذ المالكي يقلص الدولة في شخصه ويفصّلها على مقاسه. بدأ يستخدم نفوذه في تصفية الحسابات وإزالة العقبات. واستخدم قوانين قاسية، مثل قانون «اجتثاث البعث»، وهيمن على القضاء. وتخلل العامين الأولين من حكمه حرب طائفية، بعد أن ورث عن الوزارة السابقة، تفجير مرقد سامراء. وغرق 1300 عراقي في نهر دجلة. وأخذ الإرهاب ينتشر وتتصاعد وتيرته. وعلى الرغم من ذلك، لم يكفّ المالكي عن ادعائه الكاذب برفض المحاصصة، في الوقت الذي قبل فيه ترؤس وزارة محاصصة، أطلق هو عليها «وزارة شراكة وطنية». شراكة لم يرَ العراقيون أثرا لها، بعد أن هيمن المالكي على المؤسسات المستقلة في البلاد، ولم يعد هناك أثر لدور «هيئة النزاهة»، ولا المؤسسة المالية (البنك المركزي)، ولا القضاء.
ولئن كانت وزارة إبراهيم الجعفري، قد دشنت الطائفية بمحاكمة صدام حسين على قضية الدجيل، كأول القضايا، فقد قدمت بذلك، خدمة كبيرة تبرئ صدام مما فعله بالشعب العراقي، من خلال ذلك المشهد الهزيل البشع وغير الأخلاقي، الذي تمثل في إعدامه ليلة عيد الأضحى، مما يتنافى مع القانون العراقي المعمول به، الذي لا يجيز تنفيذ حكم الإعدام خلال أيام العطل الرسمية، وأيام الأعياد الدينية بالذات.
لقد استمرت محاكمة صدام نحو ثلاث سنوات. كانت الفكرة، حسب ما كُتب عنها، أن تتحول محاكمته إلى دعاية لحزب الدعوة الإسلامية. فهذا الحزب، كما أسلفنا، فقد وجوده، إلى درجة أن راح من تبقى من كوادره، بعد عودتهم إلى العراق، يتصلون بأشخاص لا علاقة سابقة لهم بالحزب للتغطية على انكشافهم.
كان المطلوب من المحاكمة أن تقدّم حزب الدعوة بوصفه ضحية بين القوى التي عارضت نظام صدام حسين. وأنه هو من وضع الرئيس السابق في قفص الاتهام. ثم جاء المالكي ليوقع قرار تنفيذ الإعدام أمام الكاميرات، ويقول للعراقيين: نحن أصحاب التغيير، بينما كان صدام حسين لدى الأميركيين الذين كانت قواتهم ترابط على أبواب المحكمة. لقد واجه المالكي وحزبه زوبعة انتقاد ولوم شديدين للطريقة التي أُعدم بها صدام حسين، التي كشفت عن موقف طائفي. وكانت حجة المالكي وجماعته، بأنه لو لم يجرِ إعدام صدام ليلتها لهرَّبه الأميركيون. غير أن الواقع وقتها، كان يقول، إن الأميركيين أنفسهم أتوا بصدام إلى منصة المشنقة. وقد تحدث عن هذه القضية رئيس أو مستشار الأمن القومي السابق موفق الربيعي. وكانت تلك أول كذبة يطلقها نوري المالكي وأركان حزبه، وقد دشنت لحرب طائفية، وأسدلت الستار على كثير من أفعال النظام السابق فقد كانت محاكمة الأنفال جارية. كان ذلك في اليوم الأخير من عام 2006، وفي ليلة عيد الأضحى، ولم يستمع نوري المالكي لمناشدة الدولة تأجيل الإعدام بسبب العيد.

* كيف حصل ذلك؟
* جاء في مقال كُتب عن المناسبة بعد فترة من تنفيذ حكم الإعدام، أن المالكي استشار وزير العدل في حكومته في موضوع الإعدام، فقال له: القانون يحرم الإعدام في هذه المناسبة. لكن سرعان ما عُين خضير الخزاعي، وهو يمثل جماعة أخرى من حزب الدعوة، وزيرا للعدل بالوكالة، فوقّع مرسوم الإعدام. واضطر الوزير السابق، إلى تقديم استقالته من وزارة نوري المالكي. لقد تحول الأمر إلى مهزلة، فالدستور يقول شيئا آخر، والمالكي كان أول مَن تجاوز نصوص الدستور، ولا يزال يفعل إلى اليوم كل ما من شأنه زيادة تخريب العراق.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.