«ليبرتي» تفتح أبوابها لعطارين من الشرق الأوسط

«ليبرتي» تفتح أبوابها لعطارين من الشرق الأوسط

من لبنان إلى لندن.. بالحب والورود
الخميس - 20 رجب 1437 هـ - 28 أبريل 2016 مـ
لودميلا وزوجها أنطوان بيطار و «وويكاند»

«إيديو» ليست ماركة عطور عادية تحاول التوسع بأي شكل، بل لبنانية قلبت الموازين باختراقتها السوق الغربية من باب محلات «ليبرتي» المعروفة بانتقائيتها الشديدة.
والحقيقة أن «إيديو» ليست قصة نجاح فحسب؛ بل قصة حب ربطت لودميلا وأنطوان بيطار. هي من أصل جزائري بربري، وهو لبناني، جمعهما إعجاب، تطور إلى علاقة حب، ثم زواج أثمر أطفالا وشركة متخصصة انطلقت من بيروت وتعمل على التوسع عالميا بطريقة عضوية. يتذكر أنطوان أن أول ما لفته في لودميلا عندما رآها لأول مرة في مناسبة باريسية، عطرها، ونظرا لخجله الشديد آنذاك استغرقه الأمر عدة دقائق لكي يستجمع شجاعته ويسألها عن اسم العطر الذي كانت تضعه. عندما ردت عليه أنه خلطة خاصة من خلطاتها، زاد إعجابه بها، وفتح نقاش بينهما كشف عن قواسم مشتركة كثيرة بين شخصيتيهما وطموحاتهما. يعترف أنطوان بيطار أنه ليس خبير عطور «لكني انبهرت بفكرة أن يبتكر شخص عطره الخاص بدل شرائه جاهزا». بعد الزواج توجه العروسان للعيش في بيروت، مقر عمل أنطوان، بينما حملت معها لودميلا حب العطور، حيث لم تمر سوى فترة قصيرة حتى افتتحت، بمساعدة أنطوان في عام 2014، شركة صغيرة ومتخصصة في صناعة الشموع المعطرة أطلقت عليها اسم «إيديو» كانت بمثابة جس لنبض السوق قبل أن تتوسع للعطور. تقول لودميلا: «بيروت مدينة ملهمة تتمتع بديناميكية مُعدية. صحيح أنها تعاني من نوع من الشيزوفرينيا وكثير من الفوضى، لكنها فوضى لا تقيد بقدر ما تتيح لك فسحة من الإبداع». وتتابع: «لم أشعر بالغربة فيها، وتأقلمت معها سريعا؛ إذ لا تنسى أني تعلمت التعايش مع الفوضى والتوتر في مسقط رأسي، الجزائر». لكن لودميلا لم تعش كل حياتها في الجزائر، فقد كانت من المحظوظين ممن كانت تسمح لهم إمكاناتهم بالسفر إلى عوالم أخرى للتنفيس عن أنفسهم أو لتنفس الإبداع، إضافة إلى أنها تابعت دراستها في فرنسا. كل هذا انعكس على نظرتها ورغبتها في أن تكون جسرا بين الشرق والغرب من ناحية، وبين شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من ناحية ثانية. وهذا ما تشرحه قائلة: «أريد أن تعكس عطوري شخصيتي التي تجمع العصري بالتقليدي، وفي الوقت ذاته تقديري للغرب واحترامي للشرق وتقاليده».
تدرجت لودميلا في عدة وظائف قبل أن تستقل بنفسها في بيروت، لكن كان للصدفة دور كبير في دخولها صناعة العطور. تروي أنها عندما تخرجت في معهد التجارة بباريس، رأت بالصدفة إعلانا في الجامعة لشركة يابانية تطلب موظفا جديدا فيها. تقدمت للوظيفة من دون أن تعرف ماهية الوظيفة، ولم تكتشف أنها شركة العطور اليابانية الشهيرة «أزاكاغو» إلا فيما بعد. تتذكر كيف أنها شعرت بالارتياح للسيدة التي كانت تدير المقابلة، لا سيما أنها كانت أيضا من شمال أفريقيا، وتحديدا من مدينة الدار البيضاء.. «بدأنا نتحدث عن الأماكن التي نعرفها، والتقاليد الشمال أفريقية، ولا أعرف كيف وصل الحديث إلى الروائح وأنواع الورود والنعناع وغيرها».
خلال اللقاء، لم تكتشف لودميلا اسم الشركة ومتطلبات الوظيفة فحسب؛ بل أيضا كانت تعرف كثيرا عن الروائح وتربطها بها ذكريات كثيرة.. «كنت مستمتعة بالحديث ومنسجمة للغاية وكأني ولدت لهذه الوظيفة» حسب قولها.
لم تتردد في قبول الوظيفة، ووضعت نصب عينيها ألا تشغلها لأكثر من ستة أشهر، لكن الستة الأشهر امتدت إلى عامين مرت بسرعة البرق ودون أن تشعر، لأنها تعلمت فيها الكثير، خصوصا أنها قابلت عطارين من مستوى فرنسواز كارون، إحدى أهم العطارين في فرنسا وأول امرأة تصبح عطارة في تاريخ هذه الصناعة على الإطلاق. بعد ذلك انتقلت إلى شركة «لوريال»؛ فقد فُتحت شهيتها على تعلم المزيد عنها بصفتها صناعة. والطريف أنها كلما غرفت منها أكثر، زادت قناعتها بأنها قد تكون صناعة، إلا أنها صناعة تعتمد أولا وأخيرا على الأحاسيس والعاطفة وليس فقط على الأرقام والحسابات، وربما هذا ما يجعلها، وقبل أن تطرح أي عطر، تغوص في الأساطير القديمة والقصص الرومانسية والتاريخية لكي تحلم وتتخيل ثم تنتج، بمساعدة زوجها أنطوان طبعا.. فهذا الأخير باع شركته الخاصة بالتسويق ليتفرغ للعمل معها، مما كان له تأثير إيجابي كبير على تطور الشركة الصغيرة، لأنه حمل معه خبرة في مجال الأعمال وفي الوقت ذاته شخصية جالت العالم وتحب القراءة والقصص الشفهية والمكتوبة، وهذا ما يفسر أن كل عطر يصدر عن الشركة يحكي قصة مثيرة.. عطر «وويكاند أ فونتينبلو» Weekend A Fountainbleau مثلا يستوحي شذاه من قصة دايان دي بواتييه، وهي أرستقراطية عاشت في القرن الخامس عشر وكانت مقربة من الملك هنري الثاني رغم أنها كانت تكبره بعدة عقود.. كانت معروفة بأناقتها وجمالها، خصوصا بشرتها البورسلينية، التي كانت تعتني بها وتحافظ عليها بشربها ماء الذهب بانتظام. هذه القوة والإثارة لخصتهما لودميلا بإدخال خلاصات الباتشولي والنيرولي المراكشي والورد، إضافة إلى خلاصات أخرى على العطر لتزيد من سحره وإثارته الحسية. عطر «بريزن بلوز» Prison Blues في المقابل، تغلب عليه نغمات خشبية وجلدية إضافة إلى بهارات قوية، لأن لودميلا وأنطوان تخيلا بطلا محاربا في غاية الوسامة، يجلس في خيمة منصوبة في الصحراء، وهو يحتسي شراب الأرز مع الهيل.. كان يبتسم مستمتعا بشرابه، لكن خياله كان سارحا إلى ذكرى بعيدة، حين كان أسيرا في قصر فخم تفوح من كل جوانبه روائح البخور الممزوجة بشذى الباتشولي والجيرانيوم.. كانت هذه الروائح قوية تشد كل حواسه إلى حد أنه كان يشتاق إلى سجنه وسجانيه في بعض الأوقات. تشرح لودميلا: «إنه عطر مميز وقوي يترك بصمات قوية على النفس بفضل نغمات خفيفة جدا من العود. لكن لا بد أن أشير هنا إلى أن استعمال العود تم بطريقة عصرية وليس تقليدية على الإطلاق. يمكنك القول إني أردت أن أطلق سراح العود في العطر بجعله يتفاعل مع مكونات أخرى ويتمازج معها حتى يكاد يختفي ويصعب اكتشافه سوى بالنسبة للعارفين فقط». الأمر نفسه ينطبق على عطور أخرى مثل «ماليكا تامبتايشن»Malika’s Temptation المصنوع من باقة من الورد والعنبر الحلو مع نغمات من العود والفانيلا، ويشير اسمه إلى قصة الملكة مليكة وأنوثتها الطاغية التي كانت تجعل من كل من يقترب منها أسيرا لها.
ورغم تنوع الخلاصات التي تدخل في كل عطر من عطور «إيديو» واختلاف القصص التي يحكيها كل واحد منها، فإن القاسم المشترك بينها دائما هو سحر الشرق وبطولاته الأسطورية، التي تجعلك تشعر بأن لودميلا ما هي إلا شهرزاد من عصرنا تستعمل الماضي لنسج قصص من الحاضر.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة